الموقع ما يزال في مرحلة التطوير ساهموا معنا بأفكاركم و إقتراحاتكم

+249-9-15176522 drarchhashim@hotmail.com

البيت النوبي استوعب الإنس والجن معاً في توافق

عدة أسباب يمكن أن تفسر تراجع حضور الأنموذج التاريخي لبيت النوبيين الشماليين. الذي ميز قراهم المتمددة على ضفاف النهر في موطنهم في شمالنا الحبيب. بالرغم من ذلك تظل قيمته العالية تقدم لنا أروع الدروس. في عمارة نجحت في التعامل مع المتطلبات والتحديات التي فرضتها عليهم ظروفهم عبر الزمن بشكل مدمج متكامل. درست هذه الحالة بعناية وتعمق. أعانني على ذلك المسعي اطلاعي على الكثير من جوانب تاريخ وتراث وثقافة تلك المجموعة الأثنية. أنتجوا عمارة قمة في التعبير بالرغم من بساطة مواد تشييدها التي اعتمدت على تراب موطنهم. لذلك يشار اليها وكل ما يشابهها من أعمال بعمارة التراب.

استعراض هذه العمارة التراثية المتفردة يستدعي بالضرورة النظر في الملابسات والظروف التي أدت الى ظهورها وتألقها. تسليط الضوء عليها سيكشف عظمة أنموذجها وسيقدم لنا نحن المعماريين المتعاليين بشهاداتنا دروس مجانية مهمة. أنتجها قرويون في ظروف بالغة التعقيد محفوفة بالتحديات حكت قصة مجتمعات عاشت حياة في غاية البساطة متوشحه بالنبل. ندرة وقلة الموارد لم تمنعهم من إنتاج عمارة في منتهي الروعة قاموا بصياغتها بما هو متاح لديهم. على سبيل المثال الألوان المدهشة التي منحتها ذلك الألق المميز جاءوا بها من صخور الجبال المحيطة بقراهم. بالرغم من كل تلك التحديات أنتجوا عمارة حازت على إعجاب الناس من خارج موطنهم وزمانهم لدرجة جعلتها هدفاً للاستنساخ في شتي أنحاء العالم.

واجه أهلنا النوبيين في موطنهم التاريخي في شمال السودان تحديات جمة. سيطر المناخ العدائي وطبيعة المنطقة الصحراوية المقفرة على حياتهم منذ عصور سحيقة. فرضا عليهم اقتصادا ضاغطاً ألقي بظلاله الكثيفة على مجمل حياتهم بكل تفاصيلها. لم تترك لهم تلك الظروف إلا شريط ضيق متقطع من الأرض الخصبة على ضفاف النهر. نجحوا بقدر كبير في زراعته إلا أن العائد منها لم يكن يكفي لإعاشة أسرهم. فلجأوا كحالة سباقة في تاريخ السودان الحديث الى تصدير العمالة لدعم اقتصادهم فكانوا الرواد في تطبيق فكرة الاغتراب. هذه الظاهرة بكافة تفاصيلها افرزت وضعاً مجتمعياً معقداً. ضعف أجور المهاجرين لم يكن يسمح لهم باصطحاب اسرهم.  فتبنوا في بيوتهم نظام الأسرة الممتدة، جد وجدة يرعون داخلها أسر أبنائهم المغتربين في الخرطوم أو مصر.

تفاعل تصميم بيوتهم بشكل عبقري مع واقعهم الاقتصادي والمجتمعي. أركز هنا بشكل خاص على بيوت مجموعة النوبيين الفديكا الذين تمركزوا في مدينة وادي حلفا وما جاورها من قري. تواجدوا في تلك المنطقة الى أن تم تهجيرهم منها عندما أوشكت مياه بحيرة ناصر أن تغمرها في عام 1965. ثقافتهم المحلية وتراثهم طور عبر العصور تصميم للبيوت مؤسس على نظام الصحن او الفناء الوسطي المفتوح للسماء. تحيط به غرف ومنافع البيت من كل الجوانب. لم يتم هذا التوافق على هذا التصميم بشكل اعتباطي أو نتيجة نزوة عارضه. مبررات قوية مقنعة متنوعة أدت لتبنيه وساهمت على انتشاره في المنطقة كلها.  جعلته يقاوم الزمن بالرغم من المتغيرات المحيطة به.

 مركز البيت ومحوره الأساسي هو ذلك الصحن الوسطي. مدخله الوحيد عبر صالة دخول ضيقة يحرسها ويفتح عليها الديوان او حجرة الاستقبال. يجلس فيه الجد في وقار يرعي شئون الأسرة من طرف خفي ويستقبل ضيوفها. تتناثر حول الصحن غرف الدار وبعضها مخصص لزوجات وأسر المغتربين في المهاجر البعيدة. يحتل جناح العريس بمكوناته المتعددة جانباً من الصحن ويتصل به بباب صمم بشكل زكي يؤمن الخصوصية. هذا الجناح في حد ذاته يحتاج لوقفة تأمل. فتصميمه وشكل علاقته بباقي الدار عبر الصحن فيه دروس بليغة. الجزء الخلفي من البيت المطل على الصحن مخصص لغرف الخدمات ولا يقيم فيه أي شخص من الأسرة.  يبدو ان تموضعه في هذ المكان نابع من مفاهيم راسخة في أذهانهم ومتغلغلة في نفسياتهم.

نظام الخارطة الحلقي والتفاف الغرف حول الصحن له مردود مناخي مؤثر. مناخهم متقلب ويشار اليه بأنه من النوع العدائي، حار جداً صيفاً ويسجل أدني درجات الحرارة شتاءً. نسبة لإحاطة الغرف بالصحن نجد فيه دائماً أجزاء مظللة في نهارات الصيف اللاهبة مما يجعله أشبه بالواحة. له ميزة مهمة أيضاً في فصل الشتاء، إذ أن تلك الحلقة من الغرف تصد الرياح الباردة التي اشتهر بها إقليمهم فتجعل اجواء الصحن دافئة نسبياً. بذلك يصبح جاذباً لأفراد الاسرة الممتدة المقيمين في الغرف المحيطة به طوال فصول العام وساعات النهار. وهو أمر بالغ الأهمية في زمان لم يكن التيار الكهربائي ووسائل تبريد البيوت الصناعية متوفرة في القري.

كان النوبيون في حوجة ماسة لتلطيف أجواء الصحن وجعله مكاناً جاذباً لكل أفراد الأسرة الممتدة. أهمية هذا الأمر نابعة من إسقاطات مجتمعية ونفسية مؤثرة. نشير هنا بالتحديد لمكون من مكونات الاسرة الممتدة هم أسر الشباب المغتربين. الذين حالت ظروف أربابهم من اصطحابهم معهم الى مهاجرهم البعيدة. فتركوهم في وضع افتقدوا فيه حنان الزوج والأب ورعايته الذي كانت خصماً على إحساسهم بالأمان. نظام الأسرة الممتدة ساهم في تعويض بعضاً مما افتقدوه. الصحن الوسطي بأجوائه المُلطفة وموقعه وسط غرف الدار لعب دوراً مهماً في دعم الروابط المجتمعية بين أفراد الأسرة الممتدة. إلتائمهم معاً هناك كان له بلا شك له دور مؤثر في منح أسر الشبان المغتربين مزيداً من الإحساس بالأمان. بذلك أصبح للصحن الوسطي دوراً مجتمعياً ونفسياً مؤثراً بالإضافة لمردوده المناخي.

يمكن في إطار الحديث عن الإحساس بالأمان النظر لدور الصحن الوسطي من زاوية أخري لا تقل أهمية. كانت تتوزع في أرجائه صوامع صغيرة أو جرار فخارية ضخمة مخصصة لحفظ مؤنة الأسرة من الغلال المتوفرة من محاصيلها السنوية. يجب أن نذكر في سياق إشارتنا لهذا الجانب تخوف النوبيين الشديد من العين الحاسدة. يعتبر مشهد تجمع افراد الأسرة في صحن الدار وسط جرار المؤن هدفاً مثاليا لمثل هذه المهددات. من الطبيعي أن يكون تخوفهم في هذه الحالة ممن يجوبون الشوارع المحيطة بالدار. تصميم بيوتهم يصعب من هذه المهمة. فالغرف الملتفة حول الصحن تشكل حزام أمان ضد الاختراق البصري للأعين الحاسدة الحارة الحائمة. بذلك يصبح نظام الخارطة وشكله الحلقي واحد من أهم إجراءات التأمين النفسي.

جوانب الأمان تتنوع بعضها ذو طابع مجتمعي له صلة قوية بتماسك علاقة مكونات وأفراد أسرة الدار الممتدة. كان النوبيون دائماً يحرصون على معالجة كافة إشكالياتها داخل حدود بيتها. أكثر من جانب في تصميمه يعتبر من التحوطات التي تساهم في المحافظة على تلك الاعراف. تركز بشكل خاص على منع تسرب أسرار الأسرة خارج نطاق بيتها. تتم بتجنب فتح نوافذ عادية على الشوارع. حلقة الغرف المحيطة بصحن الدار الذي يتواجد فيه أفراد الأسرة بكثافة تلعب دوراً مؤثراً في هذا السياق. فعمق الغرف وحوائطها الطينية السميكة تشكل عازلاً جيداً للأصوات يحتفظ بها داخل حدود البيت. تحضرني هنا ملاحظات وردت على لسان بعض المهجرين من النوبيين الذين تم أسكانهن في بيوت مختلفة التصميم. اشتكوا من تسرب أسرار الأسرة للجيران والشوارع المحيطة بالبيوت. مما يعقد من أمر معالجة المشاكل الأسرية في إطار بيتها.  

منظر الصحن من الداخل كان أشبه بالحصن الحصين وهو بلا شك كان يمنحهم أحساس غامر بالأمان. عرف عن النوبيين أنهم أكثر المجموعات السودانية الأثنية ً جنوحاً للسلم فعاشوا مع بعضهم البعض في أمن وسلام. لكنهم في زمان مضي كانوا مستهدفين من مجموعات البدو الهائمة في الصحراء. الذين كانوا يغيرون على قراهم فشكلوا لهم هاجساً مستمراً يبدو أنه ظل يؤرقهم لزمان طويل بالرغم من اختفاء هذه الظاهرة. فبقت تلك التحصينات العالية المحكمة بالرغم من اختفاء مبرراتها الواقعية المقنعة. وجودها كان بلا شك يعطيهم بعضٌ من الإحساس بأنهم داخل سجن. تمكنوا من معالجة هذا الأمر فخففوا منه بطريقة ذكية سكبوا فيها من وافر إبداعهم وفنونهم المترفة.

يبدو أن النوبيين ورثوا عادة الاستعانة باللوحات الجدارية لتسجيل وقائع من حياتهم من أجدادهم الأولين. فنجدها في حالات عديدة تزين الجدران المحيطة بالصحن الوسطي. مواضيعها مأخوذة من عناصر الطبيعة من حولهم. أشجاراً وأزاهيراً وطيوراً محلقة. صوراً تجسد الواقع بدرجة عالية من الصدقية لدرجة تواجد العقارب ضمن مكونات تلك اللوحات الجدارية. بعض تلك المكونات كان لها علاقة بالتحصين من الأرواح الشريرة. استدعاء صور عناصر الطبيعة هنا يخفف من الإحساس بالعزلة. تصميم وتنفيذ تلك الأعمال الفنية كانت تقوم به فتيات الأسرة. يجهزن الوانها من صخور الجبال المحيطة بالمنطقة متعددة الألوان. يخلطون مسحوقها بالصمغ فينفذون بها أروع اللوحات التي تنشر الجمال والحيوية في أرجاء الصحن فيبدد الإحساس بالوحشة هناك.

انتشرت اللوحات الجدارية على الحوائط المحيطة بالصحن كما الوباء. لم يقتصر وجودها على ذلك الجزء من الدار إذ تسللت الى داخل بعض حجراته. فشكلت حضوراً باذخاً في أجزاء جناح العريس معطرةً الأجواء بنفحات فرايحية. كان لها احيناً وجود في أجزاء اخري مثل الديوان. في هذا الإطار يذكر في زمان مضي عندما تمت تعلية خزان أسوان أكثر من مرة وفي ديار النوبيين الكنوز أغرقت المساحات الخضراء. فيما يبدو كردة فعل لتعويض الفاقد تضاعفت مظاهر الخضرة في اللوحات الجدارية. لا زالت تلك اللوحات تشكل حضوراً بائناً في بيوتهم فكسرت حاجز الزمان والمكان. إذ ظهرت بكثافة في بيوتهم الحضرية مع بدايات الالفية الثالثة.    

اللوحات الجدارية المحيطة بالصحن جلبت لأهل الدار العالم المحيط بهم بدون أن تعرضهم لأخطاره فقدمت لهم دعماً نفسياً مقدراً. الإشارة للجانب النفسي ارتبطت بظاهرة تميزت بها مجتمعاتهم في القرن الماضي. تجسدت في انشغالهم الواضح بالأرواح الخيرة والشريرة. تعتبر من إفرازات تركيبتهم السكانية التي لم تحظ بقدر معقول من التعليم. كان جلهم من كبار السن، جدود وجدات يرعون في دورهم بالإضافة لأطفالهم أسر أبنائهم المنتشرين في المهجر. كل الظروف كانت مهيئة لسيطرة هذه المفاهيم على عقول الناس. ما يدهشني حقاً أن الرسومات التي ارتبطت بها لا زالت سائدة حتى بداية العقد الثاني من هذه الألفية. وثقت لها رسومات التمساح الأسطوري بحجم كبير التي زينت حوائط الصحن الداخلي لبيوت شيدت في مدينة وادي حلفا.

عاش هؤلاء القرويين شبه الأميين واقعاً تهيمن عليه أساطير موروثة. فشكلت الملائكة والشياطين جزءً مؤثراً في وجدانهم. حاولوا التعايش معها في قراهم الوادعة المضجعة على ضفاف النهر في عالم محاط بالأخطار. تعاملوا معها بشتى الطرق وعبر عدد من الخطوات والإجراءات التخطيطية والتصميمية. على مستوي العمارة اهتموا بالتفاصيل والاعمال الفنية التي برعوا فيها بشكل بالغ التميز. وظفوها بطرق ذكية لتحقيق الأمان النفسي مستخدمين كافة أنواع الرسومات والمرموزات. أشرنا من قبل لهذه الجزئية عند تعرضنا للوحات فتيات الأسرة الجدارية التي تزين الحوائط المؤطرة لصحن الدار الوسطي.

فلننظر في المبتدئ لتخطيط ذلك الشريط من البيوت والحقول التي كانت تتمدد أمامه بشكل متقطع على ضفتي النهر. بعضها يقع شرقه والبعض الأخر على الضفة الغربية. كانت تحيط بها وتحفها من الجانبين صحاري تكاد تكون بغير حدود، النوبية شرق النهر والليبية غربه. النظر لهذه الحالة يجب أن يستصحب معه مفاهيم وهواجس هؤلاء القرويين في ذلك الزمان. كان لهم اعتقاد راسخ بأنهن يعيشون جنباً لجنب مع أطياف من الملائكة والشياطين. سعوا سعياً حثيثاً للتعامل معها واستيعابها بالطرق التي تستثمر في خير بعضهم وتأمن شر البعض الأخر. استعانوا في ذلك بنظامهم التخطيطي وعمارتهم بكل تفاصيلها.

كانت لهم قناعة جازمة بأن الملائكة موطنها النهر. بدليل أن نداءات إستغاثات النساء في حالات الفزع والجزع توجه الى ملائكة البحر أي النهر. اكتملت رؤيتهم الأسطورية لذلك العالم من الغيبيات بالشق المنافس للملائكة إذ كانوا مهمومين تماماً بأمر الشياطيين. من واقع طبيعة بيئتهم المقفرة المجدبة اعتبروهم من سكان الصحاري المحيطة بمستوطناتهم المحفوفة بكل أنواع الأخطار الجسيمة. كان للمعتقدات الخاصة بمفاهيم مكونات عالمهم الأسطوري المتخيل تأثير مقدر على العديد من قرارات حياتهم الحيوية. انعكس ذلك بشكل مؤثر على تخطيط قراهم والعديد من جوانب وتفاصيل عمارة بيوتهم.  

قري النوبيين الفاديكا المصطفة في شكل شرائط على ضفتي النهر كانت موزعة على الجانب الشرقي والغربي منه. كان لبيوتهم عادة مدخل وباب واحد في كل الحالات يكون بالضرورة مواجه ومطل على النهر. الواضح أن هذا القرار مؤسس على قناعات راسخة سعوا على أساسها لتوجيه مداخل بيوتهم صوب النهر أملاً في استدراج ملائكته. في اتساق مع تلك القناعات قل أن تجد أبواب الدار في جانبها الخلفي المواجه للصحراء موطن الشياطيين.  توجه بيوتهم وموضع مداخلها وعلاقته بالنهر والصحراء يشير لسعيهم الحثيث للتعامل مع عناصر عالم غيبياتهم. فقد اجتهدوا في عملية اصطياد ملائكة النهر وتجنب شياطين الصحراء. حسب رؤيتهم ومفاهيمهم نجحوا في استيعاب وإسكان الإنس والجن معاُ في توافق تام.

كان ذلك العالم الغيبي بملائكته وشياطينه حاضراً بقوة في جوانب وجزئيات عمارة بيوتهم. البيت نفسه ناهض لكأنه قلعة حصينة وقد كان بالفعل إذ تعامل بذكاء خارق مع كافة المهددات الحقيقية والمتخيلة. الشواهد على ذلك كثيرة. من أهمها انعدام أو قلة النوافذ في واجهات البيوت المطلة على الشوارع. كانوا يكتفون بفتحات صغيرة في الجزء الأعلى من الغرف. إجراء سليم يروض المناخ الحار بحكمة بالغة. يقلل من نسبة دخوله لبيوتهم ويسمح للهواء الحار بالهروب عبر الفتحات الصغيرة في أعلى الواجهة. هو إجراء متسق أيضاً مع نهج تعاملهم مع هواجس عالم الغيبيات المسيطر عليهم. فانعدام او قلة النوافذ الكبيرة المطلة على الشوارع كان حسب رؤيتهم إجراء احترازي مهم. يحمي أهل الدار من العين الحارة المتجولة في الشوارع.

جانب أخر في تصميم واجهات بيوتهم مكرس بشكل كثيف ومتنوع لدرء العين الحاسدة وجلب الحظوظ السعيدة لأهل الدار. تلعب فيه فنون الزخرفة المعمارية دوراً مؤثراً. الواضح كما أشرت من قبل أن هؤلاء النوبيين تأثروا بشكل واضح بتراث عمارتهم التاريخية الضاربة في القدم. فقد اشتهرت باللوحات الجدارية البديعة التي تزين الواجهات. تميزت بيوتهم الطينية بنفس تلك الملامح فجاءت الواجهات محتشدة بالزخارف والرسومات والكتابات. استثمروا في خامة الطين المطواعة فشكلوها كما يشاؤون وخدشوها هنا وهناك. قطعوا منها أشكالاً ألصقوها على السطح. وثبتوا عليها عناصر أخري مما أكسبها مزيداً من الزخم. زاد من تأثير الواجهات البوابة العملاقة ذات القيمة النحتية العالية الى تتوسطها ويتصاعد فيها الزخم الزخرفي.

استفاد الحائط الأمامي للبيت من عدم او قلة عدد فتحات النوافذ الكبيرة فتوفر له سطح عالي الارتفاع يتمدد بعرض الواجهة الامامية. بذلك افسح مجاَلاً كبيراً للوحات الجدارية مترامية الأطراف. احتشدت بالزخارف والكتابات التي تتخللها هنا وهناك قطع بارزة على شكل اهلة ونجوم. مطعمة أيضاً ببعض الأطباق- صحون الصيني- وقطع المرايا الملتمعة المبرقة. تختلط فيها الأعمال الزخرفية مع الآيات القرآنية لزوم التحصين مع بعض رسومات رمزية فرعونية الجذور تحمل نفس المعاني. تتخللها رموز وعناصر ارتبطت بجلب الفأل الحسن ودرء العين الحاسدة مثل بصمة الكف وحدوة الحصان.

بوابة الدار العملاقة الشامخة تحتل مكانها في وسط الحائط الامامي. هناك اهتمام خاص بشكلها إذ تبدو كقطعة نحت عملاقة محكمة التصميم. لأنها مدخل البيت تتكثف على جانيها وتحتشد في الجزء الأعلى منها الرموز الموجهة لدرء العين أو جلب الفأل الحسن. يتوجها دائماً جزء مميز ينهض فوق مستوي الواجهة. تتوسطه أحيناً جمجمة حيوان له قرون حادة او أنياب بارزة تمساح أو غزال. العامل المشترك بينها هو الأجزاء المدببة. هي وقطع المرايا تشكل أهم عناصر واجهة البيوت. المعروف عالمياً حتى في العالم الغربي الممعن في التحضر أن مثل تلك العناصر تستخدم لدرء العين الحاسدة. المسننة يفترض حسب معتقداتهم أنها تثقبها وقطع المرايا تردها على أعقابها فتسحر صاحبها.

قد يتحفظ البعض على اهتمامي بالجوانب التاريخية التراثية للبيت النوبي وتركيزي على بوابته. أرد عليهم بأن بعضاً منها لا زال موجوداً ويحتل واجهات بيوت شيدت في المدن والعواصم خلال العقود الماضية. تحتشد بالزخارف والكتابات وتحتل المعنية منها بدرء العين وجلب الفأل الحسن مكاناً مرموقاً منها مثل الآيات القرآنية وبصمة الكف. المدهش أن جماجم الحيوانات وفك التمساح لا زالت متداولة وتظهر أعلى بوابات بيوت حداثية الملامح. استمرار وجودها بشكلها المميز اللافت للانتباه يمكن أن يفسر كمحاولة لإضفاء بعض الحيوية على عمارة باهتة الملامح. الأمر برمته يستحق الدراسة ويدعونا للفت نظر المعماريين بضرورة الاهتمام بهذا الجزء من عمارة المنزل. يحمد للمعماري السوداني جاك إشخانيص أن أولاه بعضاً من اهتمامه.

هناك عدة تفاسير للاهتمام المتزايد بزخرفة واجهات البيوت. قد يبررها البعض بتأثر النوبيون بتراث روائع عمارة الحضارات القديمة في منطقتهم بواجهاتها المحتشدة بالرسومات. قد يرد لعوامل جينية ذات علاقة بإحساسهم الفني العالي. العديد منا يري أن الأمر نابع من هواجس الأرواح الشريرة المسيطرة عليهم بشكل مؤثر. هناك تفسير أخر يبدو مقنعاً للغاية يري أن الهدف من المبالغة في الزخرفة هو صرف النظر عن أهل الدار. أرجح الراي الذي يربط هذه الظاهرة بالجينات الموروثة. أسسه على مقارنة البيت النوبي ببيوت قبائل نوبية الجزور مصطفة بجوارهم على ضفاف النيل. اختلطت تاريخياً بشكل كثيف بمجموعات عربية ويبدو أن تفاعلهم معها كان على حساب جيناتهم النوبية. يظهر ذلك في عمارة بيوتها التي تخلو من الزخارف.

المبالغة في تخوف تلك المجموعات النوبية من الأرواح الشريرة تتبدي في العديد من جوانب حياتهم. تفاديهم لأخطارها تجاوز توظيف توجه بيوتهم وزخرفة واجهاتها. نمي الى علمي من مصادر موثوق بها بأنه ذلك يتجلى في زي المرأة النوبية. فهو أشبه بالعباءات النسائية إلا أنه يختلف عنها في طوله وتحديداً الجزء الأسفل. ينسدل الى مستوي الأرض بشكل تبدو فيه المرأة لكآنها تكنسها وهذا هو السر هنا. أفادني مصدري بأن للأمر علاقة بممارسات ارتبطت بالسحر. هناك اعتقاد بأن من أراد أن يسحر شخصاً عليه إحضار حفنة تراب من أثر خطواته على الأرض. يصبح في هذا الحالة زي نسائهم تلقائياً خير وقاية للمرأة من مفعول العين.

نماذج بيوت النوبيين التراثية تقدم لنا دروساً مجانية عن نوعية العمارة الصادقة. من أهم سماتها التعامل بجدية وحساسية فائقة مع هواجس الشرائح المستهدفة. من المهم في هذه الحالة الاجتهاد في تحقيق هذا الهدف حتى لو كانت الحالة غير حقيقية أو منطقية. يجب أن نصوب جل اهتمامنا على قناعات الجهة المستهدفة. العديد من الدراسات النفسية أثبتت أن تجاهل هذا الأمر قد يسبب لهم ضغوطاً نفسية. إذا لم يتم التعامل بجدية مع مسبباتها كثيراً ما تتطور فتصبح مشاكل وأمراض خطيرة. لا أعتقد أن مهمة المعماري في مثل هذه الحالات هو إعادة تشكيل شخصية الناس بأي ثمن. ثبت في حالات كثيرة خطل مثل هذه الادعاءات التي تقوم على فلسفة الحتماتية التي تعرف باللغة الإنجليزية بال .determinism

من المهم أن يتمتع المعماري بقدر عالي من الحساسية عندما يتعامل مع مثل هذه المجتمعات التقليدية التي تمر بمرحلة تحول حرجة. عليه في مثل هذه الحالة إذ اراد أن يحدث تغييراً في حياتهم أن يمرحل هذه العملية بشكل تدريجي وسلس. المعماري الأريب هو الذي يتفهم بعمق ويحاول بشتى الطرق أن يتفاعل مع مرئياتهم ومزاجهم الخاص. مثلاً عند التعامل مع تلك المجموعة النوبية عليه أن يجعل المكون الزخرفي جزءً مهماً من عمله. لن يضيره شئي إن عززه بمؤشرات ومرموزات إسلامية. يجب في هذه الحالة أن يكون المعماري مؤهلاً تماماً للقيام بهذه المهمة. بالعدم عليه الاستعانة بتشكيلي يعمل وفق رؤيته. مثل هذه المعالجات ستدخل السكينة في نفوسهم وتشعر بعضهم أنه صار في مآمن من استهداف الشيطان الرجيم.

يقودنا الحديث عن هذه الجوانب الجمالية لموضوع محوري بالغ الأهمية. مآزق كبير نعيشه نحن معشر المعماريين السودانيين من أكثر من جيل إلا من رحم ربي. جاء نتيجة حتمية لاستسلامنا التام لقوانين وقواعد توجه الحداثة. التي استدرجتنا لها الدراسة في جامعاتنا السودانية المؤسسة على مفاهيمها. من أهم ركائزها نظرتها السالبة للجانب الزخرفي فقد أفتي أحد أهم منظريها المؤسسين بحرمتها. جاء ذلك على خلفية فكر الحداثة الذي يلغي أي ارتباطات تاريخية او تراثية. بناء على ذلك استنبط هذا التوجه له مشروعاً جماليا مؤسساً على نهج تجريدي بعيداً عن الارتباطات الإقليمية والمحلية. أنتج في النهاية في أغلب الحالات عمارة فطيرة مجدبة. إلا إذا استثنينا أعمال قلة من المعماريين نجحوا في إنتاج أعمال مميزة في إطار قيود الحداثة الصارمة.

كسر طوق حصار قيود مفاهيم الحداثة وإنتاج مشروع جمالي خارج إطارها يدعو للاحترام يشكل تحدياً كبيراً. إذ أنه في هذه الحالة يجب أن يرتكز على مقومات مقنعة وألا يكون نتيجة لنزوات شخصية. الارتهان للتراث يعتبر واحداً من المداخل المهمة لتحقيق مثل هذه الأهداف السامية. في السودان يبرز اسم المعماري السوداني أرمني الأصول جاك إشخانيص كواحد ممن تنكب هذا الدرب بدرجة مقدرة من النجاح. أعانه على ذلك إحساس ومقدرات فنية عالية. أخترته وأشرته إليهم هنا على وجه الخصوص لأنه اتكأ على تراث بيوت النوبيين التقليدية كواحد من أهم مرجعيات عمارته.  التي منحت أعماله ألقاً بائناً وتميزاً لافتاً.

أفتتن جاك أول مرة بعمارة بيوت النوبة عندما عبر ديارهم في رحلة مدرسية الى القاهرة في نهاية الخمسينيات. انطبعت صورتها المبهرة في مخيلته وحملها بين جوانحه لسنين عدد بعد تخرجه من الجامعة. أيقظت مستجدات معينة أشجانه مرة اخري وأعادت الى ذهنه منظرها الذي أفتتن به قبل عقدين من الزمان. الإشارة هنا لتغطية كثيفة لأعمال المعماري المصري الفذ حسن فتحي بالغة التميز التي استلهم فيها تراث تلك البيوت. تأثر جاك بهذه التغطية وفعلت فيه فعل السحر فحركت غيرته المعمارية. فتوجه بكلياته في إنتاج عدد من الأعمال المعمارية التي سارت على نفس ذلك النهج. ابتداء مسعاه بنقل ملامح التراث النوبي نقلاً حرفياً منتهياً بنهج ممعن في الابتكارية متكئأً عليه كمصدر إلهام أساسي.

تجربة جاك إشخانيص جديرة بالانتباه والاهتمام حتى ولو اختلفنا معه في التوجه والسلوب لأنها فريدة في نوعها. لفتت انتباهي منذ بداياتها الأولي في منتصف الثمانينات لارتكازها على التراث خلال فترة هيمن فيها توجه الحداثة الذي يحُرم هذا المنحى. هذا هو سبب تفردها الذي دعاني للإشارة اليها هنا في إطار تناول تراث بيوت النوبة الذي كان من أهم محاور اهتماماته وعمله.  تتبعت تجربته عن قرب منذ بدايتها حتى أخر ما وصلت اليه الآن من مراحل متطورة. أعتقد بأنها حققت نجاحاً مقدراً بالرغم من تحفظ العديد منا عليها. من مقاييس نجاحها تزايد عدد عملائه، زبائنه. لمست ذلك أيضاً من انطباعات عامة الناس. أعتقد أن واحداً من أهم أسباب نجاح تجربة جاك إحساسه الفني الرفيع ومقدراته العالية في هذا المجال.

نعود مرة أخري لحالة البيوت النوبية التقليدية. استوقفتني فيها عدة جوانب فوقفت لها إجلالاً واحتراماً. من أهمها أنها نجحت في حلحلة بعض مشاكلها بشكل مدمج. المعروف أن المعماري من خلال عمله وتعامله مع أجزاء معينة يواجه بعدة تحديات مختلفة في نوعها وطبيعتها. منها ما هو مناخي وبعضها معني بالشأن المجتمعي وأخرى ذات صلة بالجانب النفسي. جرت العادة أن يتم التعامل مع كل واحدة من تلك التحديات ومعالجتها بشكل منفرد وعلى حدة. واحدة من جوانب عبقرية عمارة البيت النوبي تكمن في أنه ابتدع حلولاً مدمجة تتعامل مع كل تلك التحديات من خلال حل واحد. يتجلى ذلك في أكثر من جانب أو جزء من عمارة بيوتهم.

واجهة البيت وحائطه الأمامي يقدم لنا أبلغ مثال. فهو يكاد يخلو من النوافذ الكبيرة والمنخفضة الارتفاع. هذا الترتيب ساعد في التعامل مع عدة تحديات أساسية. روض المناخ بالتقليل من تأثير الأجواء الخارجية مرتفعة الحرارة وهو قرار حكيم. حقق في نفس الوقت نوعاً من الأمان النفسي لأهل الدار إذ جنبهم أخطار العين الحاسدة لبعض من يجوبون الشوارع المجاورة. نفس تلك الاهداف تحققت نتيجة لخلو الواجهة من الفتحات او قلتها. فمساحاتها الرحبة أفسحت المجال للكتابات والرسومات وتثبيت عناصر درء العين الحاسدة وجلب الحظ السعيد. فأصبح الحائط الأمامي حسب مفاهيمهم الراسخة خط دفاع محكم التصميم.

الحلول المدمجة تتجلي بوضوح في جانب أخر مهم من جوانب عمارة البيت النوبي التقليدي وهو صحن الدار الوسطي. أشرت من قبل وتناولت بالتفصيل الأدوار المتعددة التي يقوم بها. فهو مناخياً يعتبر الحل الامثل للعمارة في المناطق الحارة الجافة مثل موطن النوبيين. أشرت أيضاً لمردوده المجتمعي النفسي المؤثر لمثل هذا المجتمع النوبي الذي كان يواجه العديد من التحديات. شكل مكاناً جاذباً لكل أفراد الأسرة الممتدة فإدخل السكينة وفيض من الحنان على أنفس أسرة المغتربين من أهل الدار. كان للصحن مردود تجميلي مقدر من خلال اللوحات الجدارية المحتشدة بمظاهر الطبيعة التي زينت أرجائه. فنشرت أجواء من البهجة وقللت من الإحساس بالعزلة لأهل الدار الملتئمين هناك. لقد أحسنوا توظيف الصحن الوسطي فقدموا من خلاله حلولاً ذات طابع مناخي ومجتمعي ونفسي وجمالي.

هذه الملامح والمزايا هي سبب افتتاني الفائق بعمارة بيوت النوبيين التقليدية وهو عشق شاركني فيه العديد من الزملاء وعامة الناس. لا زال العدد يتضاعف بالرغم من مرور نصف قرن على مأساة مسحت هذا التراث المعماري المدهش من الوجود. من المحزن أنه قد ذاب في مياه بحيرة ناصر العارمة التي غمرت المنطقة كلها. اكتملت بذلك فصول هذه المأساة التي نفذها المصريون في إطار مشروع السد العالي في منتصف ستينيات القرن الماضي. لكن ذكري تلك العمارة النبيلة العطرة لا زالت حية. كنت من جانبي أساهم دائماً في تسليط الضوء عليها كل ما سنحت لي الفرصة أملاً في أن أجعل جذوة ذكراها مشتعلة. بعض الأفذاذ من المعماريين خطي خطوات أهم وأكثر فعالية. إذ بث فيها الروح من خلال أعمال مميزة مستوحاة من تراثها الرائع.

من أهم من اضطلع وتصدي لهذه المهمة باقتدار المعماري المصري الرسالى الفذ المرحوم حسن فتحي. قدم في البدء أعمالاً كبيرة للغاية في خمسينيات القرن الماضي. استثمر فيها تقنية عمارة الطين التقليدية المؤسسة على تراث أهل بلده النوبيين. وظف فنياتها وجمالياتها فشيد مباني قريتين في صعيد مصر عكست روعة ذلك التراث. فتنت أعماله أثرياء القاهرة فصمم لبعضهم في ضواحيها فيلات ساحرة الجمال مفرطة الأناقة. روج لأفكاره ومشاريعه في كتب تٌرجم بعضها للغة الإنجليزية فذاع صيته في أرجاء العالم. انفعلت وتفاعلت معها مجموعة من مسلمي ولاية نيومكسيكو الأمريكية فدعته لتصميم مركز إسلامي بمنطقتهم. فانتقل إليهم برفقة أمهر الحرفيين في هذا المجال الذين شيدوا معهم المبني بالطرق النوبية التقليدية. فأنتجوا عمارة ازدانت وازدهرت بملامح وسمات التراث النوبي.

أكثر ما أعجبني في فهم وتوجه حسن فتحي هم تعامله مع التراث بحرية مطلقة. مع أنه ارتكز بشكل أساسي على تراث بيوت قري النوبة المصرية. لكنه لم يجد حرجاً في التنقل والتوقف والإستلاف في شكل إلهام من منابع تراثية اخري. في حالات محددة اقتنص مكونات ومفردات من بيوت الفلاحين البسطاء بصعيد مصر. فطعم بها بعض فيلاته فجَلست هناك في أمن وأمان معماري. في حالات أخري غازل تراث العمارة الإسلامية ونهل من معينها وأستلف مشربياتها فزين بها واجهات عمارته. نزعته التحررية أطلقت صراحه فمكنته من التحليق بحرية في فضاءات الإبداع. فأنتج عمارة هجيناً مترفة الجمال بالغة التميز.

موهبة حسن فتحي الفذة وطاقاته الإبداعية الهائلة مكنته من الجمع بين صيغ تراثية متنوعة الجزور في بوتقة واحدة. نجح في ترويضها وتوظيفها بحنكة بالغة لملائمة الحالة المصرية. من إنجازاته أنه حررها من إسار قيود مفاهيم ونهج الحداثة. فأفلت الى حد بعيد من قيود الخط المستقيم والزاوية القائمة والأشكال المكعبة وأنتج عمارة مفعمة الحيوية. كتلها البيضاء بأشكالها النصف الكروية والمصطخبة بالأقواس والعقدات تفاعلت بهمة وغازلت شمسهم المدارية. العمارة الداخلية استمدت حيويتها من العمارة الخارجية. تفوقت عليها بعناصر الدهشة المنتشرة في كل جانب منها وركن. أجوائها المفعمة بالحميمية والدفء تكاد تأخذ من بداخلها في أحضانها.

قد يعجب بعضكم من انتقالي في مبحثي هنا من حالة النوبيين السودانيين في البداية الى حالة إخوتهم على الجانب الشمالي للحدود في المنتهي. النوبيون في كلا الجانبين من الحدود هم شعب واحد جمع بينهم التاريخ والتراث والمصير الواحد إذ تعرضوا معاً لتجربة التهجير المرة. أفرزت تلك القواسم المشتركة فيض الإبداع المتجسد في عمارتهم التقليدية التي أنتجت نماذج بيوتهم المدهشة. هناك اختلافات طفيفة بين الحالتين على جانبي الحدود السياسية المصطنعة تعزي لتباينات في الظروف المحيطة بكل حالة منهما. تبقي هناك جوانب كثيرة متشابهة مردها الخلفية المشتركة المؤسسة على الجينات المؤرثة. من أهمها انغلاق العمارة النسبي على نفسها وتدثرها المترف بالزخارف. قد نجد لها تفسير في طبيعة تركيبة الشخصية النوبية على جانبي الحدود.                   

لم يكن الهدف من مبحثي هذا دعوة لاستنساخ عمارة بيوت النوبيين التراثية ونقلها بشكل حرفي. مقصدي الأساسي هو تسليط الضوء على العديد من جوانبها التي تقدم لنا دروساً قيمة للغاية. نحن في أمس الحوجة اليها في زمان فقدت العمارة العديد من دفقها الإنساني ومعانيها السامية. من أهم ما ركزت عليه من المبادئ الأساسية أن تستجيب وتتجاوب مع كافة مطلوبات وأشواق من تستهدفهم. من المهم جداً أن يؤسس ذلك المسعي على خصوصية حالتهم فيشمل برؤية فاحصة معمقة كافة جوانب أمالهم وأحلامهم. على ألا يستبعد هواجسهم حتى وإن بدت غير منطقية للمصمم. إذ أنها في الكثير من الحالات تشكل ركناً أصيلاً من تركيبتهم النفسية. استيعاب هذه الجوانب والمطلوبات سينتج عمارة تقطر إنسانية.  

البروفيسور مشارك دكتور معماري/ هاشم خليفة محجوب

أمدرمان أغسطس 2018

 

هذه المقالة هي واحدة من أخريات مشابه ستصدر قريباً في إطار كتاب من تأليف الدكتور هاشم خليفة عنوانه (بيوت السودان).

Leave a Reply

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d bloggers like this: