الموقع ما يزال في مرحلة التطوير ساهموا معنا بأفكاركم و إقتراحاتكم

+249-9-15176522 drarchhashim@hotmail.com

جزء من كتاب من تأليف الدكتور هاشم خليفة سيصدر قريباً بعنوان (تاريخ البيت الحضرى فى السودان)

 

     

المعمارى السودانى جاك إشخانيص عراب عمارة ما – بعد – الحداثة السودانية

من الأوفق أن يكون مدخلنا للتعرف على تجربة جاك إشخانيص هو النظر فى خلفيته بكل أبعادها المتعددة. هو من أصول أرمنية إذ جاء جده إلى السودان فى فترة الحكم التركى ما يعرف التركية السابقة ( 1821- 1885 ). أستقر والده لاحقاً بمدينة ود مدنى و قضى طفولته هناك بحى ود أزرق فى أجواء تحيط بها قباب و أضرحة أولياء الله الصالحيين التى تضمخها بعبق الصوفية. قد كان والده مقرباً من أحد الشيوخ و هو الذى إختار له شريكة حياته و هى من أصول تونسية.

كانت دراسته للعمارة واحدة من أسباب تميزه على أقرانه المعماريين السودانيين إذ درسها بمدينة وارسو ببولندا قد كانت حالة نادرة زمانئذ. وارسو مدينة قديمة تحتشد فيها المبانى الأثارية يختلط فيها التراث المسيحى مع التراث الإسلامى. تميز شعب تلك البلاد بإحساس فنى و مقدرات عالية ترجموها فى روائع من أعمال الزجاج النقى- البلور. بالإضافة إلى ذلك الواضح أن دراسته هناك أعانته كثيراً فى تطوير مقدراته الفنية إذ يعتبر مصوراً أو ملوناً لا يشق له غبار. فى هذا السياق يجب الإشارة إلى إحتمال تأثير المورثات- الجينات. يؤثق المؤرخون و النقاد و يشيرون بأن أجمل ما جادت به الفنون البيزنطية هو من صنيعة الأرمن جدود جاك إشخانيص.

مراحل لاحقة فى مسيرة حياته ساهمت بشكل كبير فى بلورة شخصيته بشكل مميز. كانت اول محطاتها بتونس موطن جدود والدته. لكآن الأقدار هنا أرادت أن تتفاعل المورثات مع المعايشة معاً لتخلق طاقة متقدة فى دواخله فجرت لاحقاً ينابيع من الإبداع الفنى و المعمارى. تجربته هناك فى تلك البلاد المحتشدة بروائع تراث العمارة الرومانية القديمة فى الشمال الأفريقى أثرت بشكل عميق على ذاكرته البصرية. رسخت فى عقله الباطن  رؤى صارت أشبه بالزغللة after vision.  فحمل بين جوانحه صورة ذلك العامود الرومانى الممعن فى الرشاقة، فراح يطرز بها عمارته فى شتى أرجاء الخرطوم. إنتشربعد ذلك فى المدينة كما الوباء.

جانب أخر من خلفية و ملكات و مقدرات جاك إشخانيص لعب دوراً أساسياً و مهماً فى بلورة أسلوبه المعمارى. ظاهرة يشار إليها بشكل عام فى مجال العمارة بالحِرفية. تعنى الإهتمام الخاص بمساهمة و مستوى أداء كل أنواع الحرف المتعددة التى ترفد العمارة بمكوناتها و مفرداتها. التركيز على هذا الجانب إنحسر مع تنامى تيار عمارة الحداثة لأنه كان قبل ظهورها مرتبطاً إلى حد كبير بالعمارة التراثيىة. إلتفات جاك و تركيزه على القيم العالية لمساهمة الحرف و الحرفيين كان متوقعاُ و منطقياً لأنه إعتمد بشكل أساسى على إستلهام التراث. طريقة تعامله و عنايته الفائقة بهذا الأمر كانت واحدة من اهم أسباب تفرد أسلوبه. هى التى جعلته بتقدم الصفوف و يصبح رأس الرمح فى تأسيس عمارة ما- بعد- الحداثة السودانية.  

إهتمام جاك إشخانيص بالمردود الحرفى فى العمارة يظهر بوضوح فى أكثر من جانب من أعماله. تعامل مع هذا الأمر بطريقة خاصة ساهم فيها بشكل مباشر معتمداَ على إحساسه الفنى المرهف و طاقاته الإبداعية العالية و مقدراته الفنية المميزة. متسلحاً فى تحقيق هذه الأهداف النبيلة بعلاقته اللصيقة و متابعته الدقيقة للحرفى. إلتحم فى مسعاه المتصل الدؤوب ذاك و عمل جنباً لجنب مع الحرفيين فى تشكيل و تطويع كافة الخامات المستخدمة فى العمارة. الخرصانة والأسمنت و الخشب و الحديد و تجاوزها إلى خامات أخرى جديدة. حلق بها إلى أفاق بعيدة بجناحين أحدهما الفن و الأخر التقنية. فى إطار هذه الثنائية قدم جاك اعمالاً  معمارية مفرطة التمييز.

تفجيره و توظيفه الذكى الخلاق  لطاقات الحِرفية تجلى فى كافة أرجاء أعماله المعمارية. بداءً من أطراف المبنى و أجزائه الخارجية. أنتج بشكل مبتكر قطع حواف مساحة الرصف التى تحيط بالشوارع الخارجية المعروفة باللغة الإنقليزية بال  curb stone. صممها و أشرف على تنفيذها بطريقة مبتكرة، و جاء تصميمها من نسج خياله فمنحت العديدة من أعماله المعمارية مزيداً من التميز. نفذها فى البدء فى فيلا مبروكة بشارع جامع السواحلى بحى الطائف بالخرطوم التى آلت لاحقاً للوجيه محمد إسماعيل، و كررها بعد ذلك فى عدة أعمال.

حلق جاك إشخانيص فى فضاءات التراث الكلاسيكى الغربى فطوف و إغترف من نبع روائع عمارة الإمبراطورية الرومانية القديمة. تأثر إلى حد بعيد بنسختها التى حلت بالشمال الأفريقى فى إطار تمدد تلك الإمبراطوربة. أفتتن هناك خلال فترة عمله المبكرة بتونس بما تبقى منها من معابد على وجه الخصوص بتلك الأعمدة الصغيرة المفرطة الرشاقة و الأناقة. تيجانها الصغيرة الأنيقة منحتة رقة لا تضاهى. إختزنها فى حرز مكين فى ذاكرته البصرية.

حمل جاك إشخانيص صورة تلك الأعمدة المدهشة بين جوانحه و إرتحل بها للسودان بعد أكثر من عقد من الزمان ففجرها فى إطار أنهار من الإبداع . أعانته على ذلك قناعته التامة بجدوى نهج الحِرفية الذى حقق و أنتجه من خلاله نسخ متقنة من أعمدة عمارة شمال أفريقيا رومانية الأصول. أعطت فيلاته نفساً كلاسيكياً فواحاً عطر أرجائها. أحدثت تلك الأعمدة ضجة فى فضائات العاصمة الخرطوم و إنتشرت نسخها إنتشار النار فى الهشيم. بذلك أسس جاك لمدرسة مهمة من مدارس توجه ما- بعد- الحداثة يشار إليها بالكلاسيكية الراجعة.

خطى جاك إشخانيص بعد ذلك خطى معتبرة فى مسيرة تآسيه بالعمارة الكلاسيكية الغربية، فإرتاد أفاقها و حلق بأجنحة إبداعية نأت تماماً عن النقل الحرفى. خاطب فيها على وجه الخصوص الأعمدة التى تعتبر من أهم ركائزها. أنجبت فى سياقها عدة نظم و طرز – الدورى و الأيونى والتسكانى. إفتتن بها الناس حتى زماننا هذا و ما طفق المعماريون و المصممون يستجرون ألقها. ما زالت بنفس طرازاتها تلك تختال و تشمخ فى خيلاء تمنح العمارة كامل ألقها.                    .

تشرب جاك بالحضور الطاغى لطرازات الأعمدة الكلاسيكية و إستلهم منها نسخاً مبتكرة فى غاية الروعة حداثية المحيا كلاسيكية الروح. تعامل مع تصميم تيجانها و باقى أجزائها بروح إبتكارية عالية. فأنتج نسخاً  جديدة تقف بندية مع نظم رصيفاتها الأصلية يمكن أن نشير إليها بإسمه- نظام جاك إشخانيص.  طرز بها أرجاء بعض فيلاته مثل فيلا الأمين الشيخ مصطفى الأمين بحى كافورى بالخرطوم بحرى قبل أن تنالها أيادى التبديل الأثمة. تضاف لأعماله فى هذا السياق فيلا يوسف قلسبى الأنيقة بحى الجريف غرب يالخرطوم. إنتصبت هناك فرعاء شامخة فمنحت العمارة القاً كلاسيكياً باذخاً بدون نقل حرفى. قدم جاك هنا أنموذجاُ مشرفاً معبراً عن مدرسة الكلاسيكية الراجعة التى خرجت من رحم توجه ما- بعد- الحداثة.

قدم جاك إشخانيص فى تصميم فيلا الأمين الشيخ الأمين قبل أن تضاف إليها عدة طوابق أخلت بعمارتها أنصح أنموذج لمدرسة الكلاسيكية الراجعة. فكرتها الأساسية هى التى ضخت فيها روح الكلاسيكية. الفيلا بكاملها محاطة برواق شاهق الأرتفاع إحاطة السوار بالمعصم. عرشه المائل المغطى ببلاطات المارسيليا محمول على نفس تلك الأعمدة ذات السمات الكلاسيكية التى أشرنا إليها من قبل. فكرة الرواق هنا التى تضفى علي العمارة أجواء العراقة و القدم بكل ألقها و هيبتها مستوحاءة من معابد قدماء الأغريق أهل حضارة اليونان القديمة.

عاش جاك إشخانيص فى حالة إفتتان بعوالم الكلاسيكية جعلته أشبه بدرويش فى قمة الإنجذاب. صار كصوفى منغمس لدرجة أصبح معها لا يفرق بين طريقة صوفية و أخرى. يطوف فى تلك العوالم كما النحلة تنتقل بين بستان و أخر غير معنية بإختلاف نوع الأشجار و الأزاهير. حالة الوله الفائق و إلإنجذاب الشديد للتراث جعلته يجتاز الحدود يطوف عبر الزمان و المكان. يرتحل من الجنوب الآوربى فى عصور ماقبل التاريخ و يطوف بأرجاء العالم الإسلامى بالغ  التنوع لدرجة الإدهاش. تفاعل بحيوية غيرمسبوقة مع تراث تلك الحضارات و الكيانات العالمية و الإقليمية.

بلغ إفتتان جاك إشخانيص بمكونات و مفردات و تفاصيل العمارة الإسلامية أعلى درجات العشق. أهم محطات مغامراته الغرامية كانت مدينة سواكن الساحرة الرابضة عند ساحل البحر الأحمر. بهرته تفاصيل عمارتها المسربلة بالغموض الفتان. تعلق بمشربيات بيوتها فحملها فى وجدانه و إدخرها فى عمق ذاكرته البصرية. إستدعى ملامحها مرات و مرات، فعاش معها حالة زغلغلة after vision إذ أصبحت لا تفارق مخيلته. أنتجها أكثر من مرة فى معية أحذق الحرفيين، فى كل مرة فى ثوب جديد.  كحل بها عيون عمارة أروع الفيلات المنتشرة فى أحياء الخرطوم الراقية. قدم من خلالها أكثرالنماذج تعبيراً ماذج فيه بين مدرستى المحلية الراجعة و الكلاسيكبة الراجعة المنضويتين تحت لواء توجه ما- بعد- الحداثة.

الواضح أن إفتتان جاك إشخانيص الفائق بجماليات المشربية مذهلة التفاصيل صرف نظره عن جوهر فكرتها. البعد الجمالى كان واحد فقط من عدة جوانب أرتبطت بها. بالإضافة إلى ذلك، كانت كل واحدة منها تعتبر من أهم محاور عالم نساء الدار، منها يطلون على الحياة من حولهم. لهذا السبب كانت مساحتها كبيرة لتتسع لتفاعل رية الدار مع صويحباتها. كانت تلك الترتيبات نابعة عن ظروف دينية و مجتمعية محددة سادت قبل أكثر من قرن من الزمان. لكن بعضها لا زال قائماً إلى حد ما. مشربيات جاك فى مجملها لم تكن مهيئة لمثل تلك الأدوار المجتمعية. جلها كانت تبدو لكآنها وحدات زينة معلقة على الواجهات.

إفتتان جاك إشخانيص المفرط بجمال واجهات عمارة بيوت سواكن المزدانة بالمشربيات المزخرفة قلل من إهتمامه بباقى مكونات الدار الواقعة مباشرة عند مدخله. الإشارة هنا لذلك الصحن- الفناء- الأمامى الصغير حسن الإعداد الذى كانت أرجائه تزدان أحيناً بعناصر البستنة. أهميته عند أهل سواكن كانت نابعة من دواعى مناخية عززها طبيعة إستخداماته. وجوده عند مدخل الدار و حسن إعداده بأجمل عناصر البستنة الداخلية جعله أنسب مكان لإستقبال ضيوف الدار من الرجال. إرتبطت أهمية هذا الصحن بالكرم و الإحتفاء بالضيف و هى من اهم القيم الإسلامية. بالرغم تأثر جاك إشخانيص و إفتتانه بعمارة بيوت سواكن إلا أنه لم يحاول إستصحاب فكرة هذا الصحن الداخلى الأمامى.

 

إنجذاب جاك إشخانيص و تعلقه بالتراث بشكل عام جعله يبحث فى كل الإتجاهات. وجد ضالته هذه المرة فى لدن وطنه السودان فإتجه نحو التراث المحلى ما يعرف بالعمارة المحلية- عمارة القبائل. إتجه بكلياته نحو ذلك الكنز الثمين عمارة البيت النوبى التقليدى التى تجلت و كانت تتزين بها قراهم المصطفة على شواطى النهر فى أقصى شمال السودان. إغترف من معينها و أستوحى منها أفكاراً نيرة. أعاد تدويرها بتصرف محمود فأنتج أعمالاً بالغة التمييز جلها من العمارة السكنية أغلبها بيوت و فيلات. منحت العمارة تلك الأعمال نكهة محلية محببة.

تجلت عظمة عمارة تلك البيوت النوبية فى أن أجزائها و تفاصيلها تفاعلت مع كل جوانب حياتهم بما فى ذلك هواجسهم المؤرقة. روضت مناخهم العدائى و طقسهم المتأرجح بين حرارة ملتهبة و برد قارص. كذلك أستوعبت إفرازات النظام الإقتصادى المؤسس على تصدير العمالة الذى فرق بين أفراد الأسرة فخلق أجواء من الحرمان و الإحساس بعدم الأمان. بعض السمات الجينية و الترسبات الثقافية كان لها مردوداً مؤثراً على نفسياتهم و مجتمعاتهم. أورثتهم إهتماماً فائقاً لدرجة الهوس بأمر الأرواح و تحديداً الشريرة منها. نفس المورثات منحتهم إحساساً و مقدرات فنياً عالية ساعدتهم فى إنتاج أجمل أنواع العمارة. شكل ذلك الواقع بكل تفاصيله جملة تحديات نجحت عمارة البيت النوبى فى التعامل معه بشكل متوازن و مدمج و متكامل.

من أهم ميزات عمارة بيوت النوبيين ملائمتها لمناخهم العدائى. يضاف إلى ذلك شكلها الجذاب ذو القيمة النحتية العالية و المحتشدة بالمسات الفنية الجمالية و بالتفاصيل المدهشة. تلك الخصائص جعلته جذاب للغاية يوصف باللغة الإنقليزية بال very photogenic. تصميم البيت الداخلى و نوعية مكوناته تنافس عمارته الخارجبة. نجح جاك إشخانيص إلى حد بعيد فى إستثمار أفكار و روح تلك العمارة المحلية. شكلت واحدة من أهم مرجعياته. ساعده فى عملية إستنساخها أنها عمارة تقوم على شكل المكعب. مع أنها مشيدة من الطين لكن بالإمكان تشييدها بالطوب و الأسمنت.  

تلك الخصائص و العوامل مشتركه جعلت عمارة بيوت النوبين التقليدية جذابة و مرغوبة جداً لعموم أهل السودان. إستثمرها جاك إشخانيص بذكاء أسسه على دراية معمقة بطبيعة هذه العمارة المحلية. تسلح لهذا المشروع بنزعة إبتكارية متوثبة و إحساس و مقدرات فنية عالية فهو فنان تشكيلى و ملون لا يشق له غبار. عزز عمله بشراكة ذكية و علاقة لصيقة مع أمهر الحرفيين. كانت النتيجة فى النهاية مدهشة بحق. قدمت عمارة البيت النوبى فى نسخة مبتكرة جاذبة حداثية الملامح حضرية الهوى إحتلت مكاناً متقدماً فى أرقى أحياء العاصمة. تهافت عليها اثرياء المدينة و عدد منهم لا علاقة له بالنوبة و النوبيين فصارت لهم بيوتاً يفاخرون بها.

ركز جاك إشخانيص بشكل خاص على شكل البيوت الخارجية بكل أجزائها و تفاصيلها. ساعده فى هذا المسعى الزخم الفنى العالى للعمارة النوبية و تجاوبه معها المعزز بإحساسه الفنى المرهف. بالرغم ثراء ذلك التراث لم يجنح للنقل الحرفى إلى فى بداية أعماله. عمد لاحقاً مدفوعاً بروحه و طاقاته الإبداعية العالية لتوجه أخر مؤسس على النقل بتصرف. إختط له لاحقاً نهجاً أكثر إبتكارية، لجاء فيه لأسلوب الإيماء من طرف خفى عملاُ بمبداء اللبيب بالإشارة يفهم. له فى هذا المجال صولات و جولات جعلت تصاميم أعماله دائماً محتشدة بالمكونات و المفردات المدهشة، و هذا واحدة من أهم مقومات عمارة توجه ما- بعد- الحداثة.

لجاء جاك أشخانيص فى إطار تصميمه للبيوت و الفيلات المستوحأة من عمارة البيوت النوبية التقليدية إلى التركيز على الواجهات. وهو جانب يمكن إلى حد ما أن يؤخذ عليه كما سنوضح لاحقاً. واجهة البيوت فى نسختها الأصلية فى موطن النوبيين كانت تقول الكثير عبر مكوناتها و تفاصيلها. تتكون من جدار، حائط ممتد بعرض البيت. تنتصب فى وسطه بوابة عملاقة إلى حد ما. و تتمدد أمامه (دكة) أو كنبة طينية تبنى بإمتداد عرض الحائط على جانبى المدخل و هى مشيدة من الطين نفس مادة بناء الحائط و البيت.

أهم ما يميز واجهة البيت النوبى التقليدى إحتشادها بالأعمال الفنية من نوع النقش الغائر المعروفة بإسم ال relief work . تنفذ بعمل خدش على سطح الحائط الطينى قبل أن يجف و أحيناً تثبت قطع طينية بأشكال معينة أثناء عملية تشييد الحائط. فى بعض الحالات تثبت أطباق و أحيناً قطع مرايا. الأعمال الفنية الحائطية جزء منها عبارة عن رسومات بعضها مآخوذ من المعابد الفرعونية فى المناطق المجاورة. بعض الرسومات مرتبط بدرء العين الشريرة أو جلب الحظ السعيد مثال لذلك رسمة الكف. اما الكتابات فأغلبها عبارة عن تحصين ضد الحسد و العين الحاسدة.

بوابة البيت النوبى كانت تحظى بنصيب الأسد من إهتمام المعمارى و المزخرف و هو بالضرورة محترف. البوابة ضخمة و تنهض بارزة أمام الحائط الأمامى و عالية سامقة فوق مستوى البيت. تصميمها و شكلها العام أشبه بقطع نحت عملاقة. تتميز عن باقى أجزاء الحائط الأمامى بذلك الجزء المثبت أعلى فتحة الباب، غالباً جمجمة حيوان مثل تمساح صغير أو غزال بالضرورة به أجزاء حادة مثل القرون و الأنياب. تحتشد على جانبى البوابة حول مدخلها كتابات و رسومات تهدف للحماية من العين الحاسدة و جلب الحظ السعيد. رسم كف أو بعض أيات بغرض التحصين.

واجهة البيت النوبى التقليدى كانت عالية و متمددة بإمتداد كتلة البيت فوفرت مساحة سخية بشكل أتاح فرصة كبيرة للمزخرف. عزز من تلك المساحة خلو واجهة البيت من النوافذ ما عدا تلك الصغيرة المفتوحة على إرتفاع عالى. حجم و شكل ذلك الحائط الأمامى و تصميم الجزء الأعلى منه جعل البيت يبدو لكآنه قلعة و هو مؤشر مهم ذو رمزية خاصة. تصميمه و كل تفصبلاته الكبيرة و الصغيرة تحكى الكثير من عالم نوبيين ذلك المكان و الزمان. من إمتلك مفتاح تلك الشفرة بإمكانه معرفة جوانب مهمة من حياتهم. جاك إشخانيص المتيم بهذا التراث المعمارى تشبع به و حاول أن يستثمر فيه فوفق إلى حد كبير و يحمد له بأنه تناوله له جاء بشكل إبداعى مبتكر.

من ملامح واجهات البيت النوبى التقليدى شكل الجزء الأعلى من الحائط الأمامى، معالجة تغازل خط الأفق و تبرز العمارة فى إطارها السماوى. تتوج ذلك الجزء أحيناً أشكال نصف و ربع دائرية و مثلثة. معالجات يمكن أن نجد لها أكثر من تفسير. واحد منها ولع النوبى الفطرى بالثراء الشكلى النابع من ذاكرته البصرية المحتشدة برؤى رسومات المعابد القديمة المحيطة بموطنه. تفسير آخر مرتبط بمناخ النوبة. السماء هناك دائماً شكلها و لونها متكرر إذا لا تغشاها السحب بتكويناتها المتغيرة. التلاعب بشكل أطراف الواجهات العليا بلا شك يضفى بعض الحيوية على أفق القرى.  قد تكون هذه التفاسير هى التى تسببت فىى تكرار هذه الملامح التى أصبحت كما الماركة المسجلة لعمارة بيوت القرى النوبية.

وظف جاك إشخانيص ذلك الملمح فى عدد من فيلاته فمنحتها نكهة بائنة. إستخدمها بكثافة فتوج بها أطراف واجهات فيلا مبروكة المطلة على شارع الجامع بحى الطائف فى الخرطوم. يطل علينا مرة آخرى و بشكل متكرر فى أفق فيلا المحامى فاروق شمينا بحى أركويت الواقع فى الجزء الجنوبى من الخرطوم. ظهرمرة فى  زمان لاحق مطرزاً أفق فيلاته الثلاثة التؤام بضاحية الجريف غرب بالخرطوم. ساهمت الإحادية اللونية لفيلاته المطلية بلون واحد و جلها بيضاء فى إبراز ذلك الجزء الأعلى من الواجهات. هذه الخلفية المحايدة تساهم بشكل كبير فى إفساح المجال لهامات العمارة لكى تسطع و تغازل الأفق.

ثمة ملمح أو موتيف motif أخر إستلفه جاك إشخانيص من عمارة البيوت النوبية و أسهب فى إستخدامه هنا و هناك فى فيلاته الرائعات. شكل ثنائية منسجمة مع تلك الأشكال التى توجت أعلى واجهاتها. معالجة لجأ إليها المعمارى النوبى اللتقليدى و إستخدمها كنوع من أنواع كاسرات أشعة الشمس sun breakers. وظف فيها قطع الطوب اللبن أو الطينى و رصها بطريقة معينة مائلة قليلاً بحيث تترك بينها فتحات أشبه برقمى السبعة و الثمانية فى اللغة العربية. بذلك صدت أشعة الشمس و منعتها من التسلل داخل المبنى. صدت معها أيضاً النظرات المتطفلة فأمنت خصوصية أهل الدار . بالإضافة إلى ذلك ساهمت عملية رص الطوب بتلك الطريقة فى نثر لمسات جمالية أضفت مزيد من الحيوية على صفحة العمارة. إستنسخ جاك هذه الملامح و إستثمرها بتصرف خلاق و وظفها لخدمة أغراض شبية و صنعها أحيناً من خامات مختلفة. فى كل تلك الحالات زين بها واجهات عمارته فمنحتها الهوية النوبية.

فيلا مبروكة تمثل حالة خاصة فى عمارة جاك إشخانيص نوبية الهوى و الهوية. علاقته بها بالغة التميز إذ أطلق عليها إسم والدته. تعتبر من أول أعماله صممها فى فترة كان مشبع فيها بعمارة البيت النوبى التقليدى،  فنضحت و ضجت أرجائها بمكوناتها و مفرداتها. تيجان بعض حوائطها شكلت إطاراً لمعالجات جدارية أخرى حاكت ملامح البيوت النوبية التقليدية. إستخدم فيها نوع من الزخارف معروف بإسم النقش البارز باللغة الإنقليزية relief work. نهضت على سطح الحوائط تصاميم مأخوذة من فنونهم الشعبية، نجوم و أهلة و بعض كتابات. تجلى تلك المكونات و المفردات و سطوع نجمها ساهم فيه توشح العمارة بكاملها بلون واحد مقارب للأبيض. بذلك دمغ جاك عمارة فيلا مبروكة بسمت نوبى بائن.

مما لا شك فيه أن جاك إشخانيص قام بعمل عظيم لافت للنظر إستلهم فيه تراث عمارة بيوت النوبيين. من خلال ذلك العمل فجر شلالات من الجمال. لكن المتأمل فى هذه التجربة يلاحظ بعض قصور فى تناولها و التعامل معها. هناك تركيز كبير على المكونات و المفردات الجمالية جاء على حساب جوانب أخرى لا تقل أهمية. على سبيل المثال نكاد لا نرى أثرأً لفكرة الصحن أو الفناء الوسطى أهم سمات هذا البيت النوبى التقليدى. أهميته نابعة من مردوده المناخى و المجتمعى. بالإضافة إلى ذلك وجوده كان سيوفر مساحة رحبة للأبداع عبر اللوحات الجدارية. 

نجح جاك إشخانيص فى توظيف تلك المنظومة من المكونات و المفردات المعمارية المنقولة أو مقتبسة او مستوحأة من التراث العالمى الغربى و الإقليمى الإسلامى و المحلى النوبى. إستخدمها بذكاء كمحسنات بديعية مؤثرة. قدمها لجمهور العاصمة فى نسق تصاعدى بداءً من منتصف الثمانينات فى فترة شهدت بداية تراجع مستوى عمارة الحداثة و خفوت بريقها. جائت أعمال جاك فى أوانها محمولة على أجنحة أفكار عمارة ما- بعد- الحداثة. الواضح إنه إستخدم الجماليات المدهشة المبرقة كرأس رمح حقق به إخترقات ملموسة.

حقق جاك إشخانيص ذلك الإختراق بفضل حسه و مقدراته الفنية العالية بالغة التميز و روح الإبتكار العالية.  متكئاً على شتى ضروب منابع التراث. مستثمراً عدداً كبيراً من موادالبناء و التزيين. تعامل معها بشكل مدهش مبتكر, شكل الخرصانة و الجبص فكاد أن ينطقها. طوع حديد التأمين- القريلات- فصنع منه لوحات رائعة. إستحدث فناً جديداً، نفذ لوحات من أعماله معززة بفنون الخط على البلاط الصينى العادى. عالجها فى أفران مخصصة لها فإنتج مفردات فنية أثرته أعماله. فأنتج روائع معمارية مفرطة الثراء و البهاء جائت فى زمانها، زمان القحط و الجدب الجمالى الذى أفرزته عمارة الحداثة فى فترة إنحدارها. فاُستقبلت عمارته بحرارة من كافة قطاعات المجتمع المتعطشة للزخم الجمالى.

إبتداءً من منتصف الثمانينات و فى نسق تصاعدى وضح إفتتان الناس بعمارة جاك إشخانيص، و هناك عدة شواهد تدلل على ذلك. الأمر كله يستحق مزيداً من البحث و التقصى لقياس درجة شعبيته و أيضاً للتعرف على سر جاذبية أعماله. الواضح أن المكون الجمالى هو واحد من أهم أسباب الإنجذاب الجماهيرى. ثمة أسباب أخرى يجب وضعها فى الحسبان. أعمال جاك على طرف نقيض من منافستها عمارة الحداثة جائت محمولة على أجنحة شتى ضروب التراث. يجوز جداَ أن سبب إقتتان المغرمون بأعماله هو أنهم وجدوا أنفسهم فيها بشكل أو أخر. فهى قد خاطبت و لمست أحاسيس أطياف من عشاق الكلاسيكية و المفتتنون بالتراث الإسلامى و النوبيين أو المعجبين بعمارتهم التقليدية.

أجد لزاماً على أن أوجه بعض اللوم لجاك إشخانيص لأن تركيزه كان دائماً على شكل العمارة الخارجى و واجهاتها. كان ذلك يتم دائماعلى حساب العمارة و التصميم الداخلى و أحيناً عناصر البستنة. لومى ينصب  لأن العديد من الحالات التراثية تتوفر على رؤيا متكاملة تذوب فيها العمارة الخارجية مع الداخلية فى وحدة عضوية. نلاحظ مثلاً غياب أو تجاهل الفناءات الوسطية و الامامية فى بيوت و فيلات تصاميمها مستوحاة من العمارة الإسلامية و بيوت سواكن و القرى النوبية.

نسثنى من هذا اللوم حالات محددة. تحديداً عندما صمم بعض الفيلات المستوحاة من تراث روما القديمة. الإشارة هنا لفيلا نورما كافورى و فيلا الأمين الشيخ مصطفى الأمين و كلاهما فى حى كافورى بالخرطوم بحرى. فى كلا الحالتين تحتضن الفيلا بين ذراعيها صحن أنيق التصميم و الإعداد مفتوح للسماء تتوسطه بركة سباحة. هنا وظف جاك إشخانيص عناصر البستنة فأستدعى معها أجواء طبقة أثرياء روما القديمة و حياتهم الباذخة و منح طراز الفلل الكلاسيكى مزيداً من الفخامة.

ثمة دفوعات يمكن أن تبرى من ساحة جاك إشخانيص أو تقلل من وقع سهام النقد التى وجناها له. قد نجد له بعض العذر فى عدم إستيعاب أفكار التصميم الداخلى و البستنة فى أعمال ذات طابع تراثى تبناه فى عمارته. الدفاع عنه يمكن أن يرتكز على أكثر من مبرر. من أهمها أننا لا يمكن نحاسبه بصرامة على بعض إخفاق فى مجال خارج تخصصه. يجب أن نضع فى الإعتبار أن التأسيس لمجالى التصميم الداخلى و البستنة المعمارية قد بداء متأخراً فى خطوات لا  تخلو من العثرات. قد نجد لجاك مبرر لقيامه بمهام المختصين فى حدود رؤيته نسبة لعدم توفر من يثق فى قدراته العالية المتسقة مع أفكاره. 

بالإضافة إلى ذلك هناك دفوعات أخرى يمكن أن تفسر لنا عدم إستيعاب أو تجاهل جاك إشخانيص لأفكار التصميم الداخلى لتوجهات تراثية إستلهم منها أعماله المعمارية. قد يكون المبرر أن تلك الأفكار أسست على معطيات مناخية تجاوزها الزمن بالإعتماد على التبريد و التكييف الصناعى. قد يكون المبرر أيضاً أن أفكار التصميم الداخلى نشأت فى زمان سابق فى إطار واقع قيمى دينى صارم لينت من مواقفه متغيرات ثقافية و مجتمعية فى زماننا. من أهم الدفوعات أن بعضاً ممن أستهدفه جاك بعمارة إسلامية أو نوبية السمات قد لا يكون بالضرورة شديد التمسك بالدين الإسلامى أو من أصول نوبية. قد يكون فى هذه الحالة إختياره لجاك لتصميم بيته أو فيلته نابع من دوافع جمالية بحته أو لتفرد أسلوب أعماله.

قد يتهمنى البعض بأننى دائماً أميل للتركيز على مكونات و جوانب العمارة الجمالية. قد يستدلون على ذلك بإهتمامى الزايد بعمارة جاك إشخانيص مترفة الجمال. هى تهم لا أستطيع أن أنفيها تماماً لكن عندى لها من المبررات ما يقنع. أعرف تماماً بعضاً من غلاة الحداثيين يستعرون من جماليات العمارة، و منهم من يعتبرها ميوعة. لكننى على عكس ذلك، أحتفى بها أيما أحتفاء. لكننى أتعامل مع المكون الجمالى من منطلق نابع من تخصصى. أتناوله بفهم ميتافيزيقى بالإشارة لمجال ال metaphysics. لا أنظر فقط للجانب الملموس من جماليات العمارة the tangible. أحاول دائماً التعمق اكثر مستخدماً أدواتى الخاصة بما فيها التأمل الفلسفى فى محاولة لتلمس المحسوس the non-tangible. لهذا السبب أجد متعة خاصة فى تناول أعمال جاك إشخانيص المعمارية.   

من حسن حظ جاك إشخانيص أن عمارته أستهوت بشكل كبير طبقة أثرياء البلد. تهافتوا عليها و منحوه فرصة ممتازة إذ كان فى حالات كثيرة يعمل بميزانية مفتوحة. ففعل بالعمارة ما شاء له، و ما أروع ما كان يفعله. تعامل فى هذا الإطار مع أطياف من أثرياء المدينة. تباينوا فى مستوى تعليمهم و خلفياتهم و أتفقوا جميعاً فى بسطة فائقة فى الثروة. أعظم ما فى هذه التجربة أو التجارب إنه فى بعض الحالات إرتقى هو بذوق بعضاً من عملائه حديثى العهد بمثل هذه الحالات الحضرية المتقدمة. كثيراً ما راينا العكس يحدث فى مرات عديدة تنازل فيها المعمارى و إستجاب لذوق و مزاج عملائه الركيك فجائت النتيجة سالبة.  

أسمحوا لى فى هذا السياق أن أسمى جاك إشخانيص و أنصبه عراباً لعمارة ما- بعد- الحداثة السودانية، و   كنت من قبل قد نصبت أستاذى عبد المنعم مصطفى عراباً لعمارة الحداثة السودانية. أوسس خطوتى هذه على مبررات قوية و مقنعة أدعمها بنماذج من عطائه فى مجال العمارة السكنية موضوع إهتمامننا فى هذه الدراسة. قسم النقاد  توجه عمارة ما- بعد- الحداثة لعدة مدارس إتبعت نهجاً مختلفاً لكنها فى النهاية أتفقت على مبادئى ذلك التوجه. من أهم ملامح عبقرية جاك إنه و فى حالة نادرة تحرك و تنقل بحرية فى فضاءات عدد من تلك المدراس. معززاً فى كل تلك الحالات نجاعة توجهها العام فى الخروج من نفق عمارة الحداثة المظلم الذى دخلت فيه بسبب إهتزازها و عدم مواكبتها  لآخر المستجدات.

واحد من أهم مدارس توجه ما- بعد- الحداثة يشار إليه باللغة الإنقليزية بال neo-vernacular و أترجمها بالمحلية الراجعة. العمارة المحلية هى إلى حد بعيد تعنى عمارة القبائل. كانت حجر الزاوية فى عطاء جاك أشخانيص المتصل حتى الآن لقرابة الثلاثة عقود من الزمان. إتكاء فيها بشكل كثيف على إرث عمارة قرى النوبيين الشماليين. سار فيها على نهج إختطه من قبله و أسس له فى مصر العبقرى الفذ المرحوم حسن فتحى فى خمسينيات الفرن الماضى. كان هو أول من لفت النظر لثراء و جمال و عمق تلك العمارة المحلية.

شكل تراث عمارة بيوت النوبيين الأرضية التى إنطلق منها جاك إشخانيص. بداء مسعاه ذك بنهج إعتمد فيه إلى حد بعيد على النقل الحرفى، أشرنا إلى ذلك من قبل بشئى من التفصيل. يتجلى ذلك فى فيلا فاروق شمينا و المرحلة الأولى من فيلا مبروكة. النقل الحرفى هنا كان لا يخلو من بعض التحوير، بشكل أدق الإرتجال بمعناه الإنقليزى الموجبimprovisation . بلغة المسرح كانت هناك حالات الخروج من النص، لكنها خروج لمصلحة النص و العمل ككل. على سبيل المثال، أقحمت على عمارة فيلا شمينا على الجانب الغربى مجموعة ثلاثة مشربيات و هى خارج إطار العمارة النوبية التقليدية. لكنها فى النهاية تراثية الهوى و إن إختلفت المرجعية.

فى أعمال لاحقة و فى إطار إرتباطه الوثيق بتراث عمارة البيت النوبى تحرر جاك إشخانيص من إسار النقل الحرفى. حلق بعيداً فى فضاءات الإبداع. فعل العجب فى مشروع فيلاته الثلاثة التوأم فى حى الجريف غرب الخرطومى. ظهرت مكونات و مفردات العمارة فى شكل إبداعى مبتكر. مارس عملية الإرتجال الأيجابى بحرية فى أكثر من جانب و ناحية فى مجمع الفيلات. لكن فى إطار مغامراته الإبداعية تلك سعى فى النهاية لبث و بعث روح العمارة النوبية التقليدية بدون ما نقل حرفى.

على سبيل المثال، أطل علينا هنا ذلك التخريم على شكل رقمى السبعة و الثمانية العربيتين فى إطار مختلف و بمواد مختلفة. ظهر على أطراف الشرفات، البلكونات، الطائرة. إستبدل جاك فى هذه الحالة الطوب المستخدم فى القرى النوبية و إستعاض عنه بالمواسير المعدنية المربعة المجوفة خفيفة الوزن. فى النهاية كانت النتيجة مشابه لذلك الملمح المهم فى تلك العمارة التراثية فمنح فيلاته التوأم البصمة المرتجأة. عززها بالجزء الأعلى من الإطار الكبير المتوج لمجمع الفيلات، أشكال هندسية شبيه بتلك التى كانت تكلل هامات بيوت القرى النوبية.

تدفق شلال إبداع جاك إشخانيص فغطى جوانب أخرى من واجهات فيلاته الثلاثة التوأم. إهتم  بشكل خاص ببواباتها التى جاء تصميمها إلى حد ما شبيه بمثيلاتها فى البيوت النوبية التقليدية. الإختلاف كان فى تفاصيل التصميم حول البوابة و فى الخامات المستخدمة. لم ينقله نقلاً حرفياً، إستحدث أشكالاً فى نفس السياق لم تخرج من إطارموتيفات motifs  الزخارف النوبية. تحوطاً لسهام الحاسدين توج التصميم المؤطر للبوابة برسمة للعين. شبك التأمين الحديدى داخل البوابة جاء فى نفس إطار المنظومة الزخرفية. تمدد إبداع جاك فبدل خامة الزخارف، إستعاض عن مادة الطين بالحجر الرملى. تعامله مع تصميم البوابات جاء معبراً عن مدرسة المحلية الراجعة neo-vernacular school المؤسسة على فكر طراز ما- بعد- الحداثة.

واصل شلال إبداع جاك إشخانيص تدفقه فتمدد إلى لفناء مجمع الفيلات الثلاثة الخلفى.  تسلق حوائط المبنى الخلفية فأطر كل الفتحات الأبواب و النوافذ بخطوط بيضاء بارزة حاكت الأشكال الهندسية المتوجة لحوائط المجمع الأمامية. فربط بين أجزاء المجمع الخارجية و الداخلية، الأمامية و الخلفية، فحقق وحدة هذا العمل المعمارى الرائع. نثر درر الإبداع على جنبات الحوائط المحيطة بالفناء الخلفى، إرتدادات تحتضن تحفاً فنية و جرار- أزيار- غاطسة داخل الحوائط مستخدمة كمزهريات. يحتشد الفناء الخلفى بمكونات و مفردات ذات نفس تراثى تؤمى بطرف خفى لعمارة بيوت النوبة. الأجواء العامة هنا حبلى بالمفأجأت فى كل جانب و ركن و منعطف. هذا هو نهج توجه ما- بعد- الحداثة المحفز لإنتاج عمارة الدهشة.

فى جانب أخر بعيد فى الخرطوم الكبرى طرح جاك إشخانيص أنموذج آخر من مدرسة المحلية الراجعة neo-vernacular. عبر النهر- النيل الأزرق- و إرتحل لحى أو ضاحية كافورى بالخرطوم بحرى. تجاوز بمخيلته البحار و حط رحله فى مستلهماً أفكاره ربوع جنوب إيطاليا. صاغ على ضفاف النيل الأزرق عمارة أسطورية السمات. أعانته فى مسعاه هنك صاحبة الفيلا مدام/ نورما كافورى، شخصية غريبة الأطوار تعيش فى عالمها الأسطورى الخاص تهوم فيه بأحساس الفنان. فهومت به و ساقته معها ليخرج من أطواره المعمارية فأنتج عمارة مفرطة التميز. عمل مركب بالغ التعقيد من الناحية الطرازية. نهجه التراثى يطوف فى عدة فضاءات. ينفلت أحيناً ليغازل الكلاسيكية على إستحياء. 

من أغرب ملامح عمارة فيلا/ نورما كافورى أن لها وجهين يتحدث كل واحد منهم بلغة مختلفة. الجزء الأمامى الشمالى و به مدخل موقع الفيلا من الشارعالداخلى فى الحى. هذا الجانب محتشد بالمكونات و المفردات التراثية ذات النفس الأسطورى. شرفة، بلكونة ناهضة تحمل مشربية منمنة التفاصيل مشتعلة الالوان. كل المكونات و المفردات الأخرى هنا تنضح تراثية ضاجة بالزخارف. الأجواء الإسطورية فى هذا الجانب تشعلها الألوان الصارخة الأحمر مع مساحات صغيرة من الأصفر.

الجانب الأخر الجنوبى من الفيلا المطل على النهر عنوانه البساطة و لغته الهادئة ذات نغمة كلاسيكية. تهيمن عليه أقواس كبيرة نصف دائرية مشعة باللون الأحمر الصارخ، اللون المهيمن هنا.  الجانب الجنوبى مصمم على شكل حرف اليو الإنقليزى U محتضناً صحناً وسطياً مكشوفاً تتوسطه بركة سباحة. أرضيته مغطأة بقطع من أجمل أنواع الرخام منسقة فى أشكال هندسية بديعة. العمارة هنا تتسم بالبساطة و تخلو من التفاصيل و الزخارف. تبدو فى مجملها و تفاصيلها لكأنها مستوحاء من الإرث الكلاسيكى الغربى. تستدعى أجواء الفيلات التى نشاءت فى كنف حضارة روما القديمة.

صنع جاك إشخانيص فى عمارة فيلا/ نورما كافورى عملاً بالغ التعقيد من الناحية الطرازية. يتجلى ذلك فى التباين الواضح بين معالجات الجانب الشمالى و الجنوبى. زاد من تعقيد هذه الحالة و غرابتها المنظومة اللونية. ألوان قوية و صارخة للغاية يتسيدها اللونان الأحمر و الأصفر. وقعها القوى كان صعباً إن لم نقل صادماً بالنسبة لجاك، و كان أمر تحديد الألون  و تنفيذها قد تم فى فترة غيابه. لكن إصرار مدام نورما  حسم الأمر. دافعت عن رأيها بقوة بإعتبار أن هذه الألوان هى السائدة فى موطنها الأم- جنوب أيطاليا. مرافعتها هنا صنفت هذا العمل و وضعته فى إطار مدرسة المحلية الراجعة neo-vernacular architecture.      

بعد وقت وجيز من الإنتهاء من فيلا نورما كافورى إرتحل جاك إشخانيص بضع مئات من الأمتار فى إتجاه الشرق فى نفس الحى. حط رحله هناك فى موقع مطل على النهر ليصنع واحد من أروع أعماله. فيلا كانت خاصة فى البدء بالوجيه الأمين الشيخ مصطفى الأمين. لعلها من أعظم ما صممه جاك فى إطار مدرسة الكلاسيكية الراجعة المنبثقة من توجه و طراز ما- بعد- الحداثة. كنت قد أشرت إليها فى أكثر من موقع فى إطار تناول مساهماته. أعظم ما فى هذا العمل الرائع إنه إستدعى روح الكلاسيكية الراجعة بدون ما نقل حرفى.

الواضح أن حالة هذه الفيلا بكل جوانبها و تفاصيلها تتكئى على تراث الكلاسيكية الغربية تحديداً رافدها الرئيس المضجع على روابى اليونان الجبلية. تخطيط الفيلا فى موقعها المترامى الأطراف يعلن ضربة البداية. مبناها الرئيس المطل على النهر يتوسط الموقع فى منطقة ترتفع تدريجياً. منظر الفيلا الشامخة السامقة هناك تكلله و تجلله أجواء من المهابة للمقبل نحوها من الشارع الواقع شمال الموقع. مشهد طلتها المهيب يستدعى معه أجواء معابد قدماء اليونانيين الرابضة فى روابى موطنهم. حرم المبنى، تلك المساحة الخضراء الممتدة أمامها تمنح زواره المتلقين فى هذه الحالة فسحة من الوقت لتأمل و إستيعاب سحر هذه العمارة المترعة بالمعانى و المغازى.

عمارة فيلا الأمين الشيخ مصطفى الأمين بكامل ملامحها و تفاصيلها تكمل و تعزز أجواء روح الكلاسيكية بإيماءات ذكية و بدون نقل حرفى. مستدعية تجربة عمارة معابد قدماء اليونانيين. المبنى الجالس على مصطبته محاط تماماً من كل جوانبه برواق عرشه القرميدى محمول على أعمدة سامقة ترتفع لقرابة الثمانية أمتار. أوجه الشبه هنا فى الفكرة العامة، بالرغم من بعض تباين فى التفاصيل، يحاكى طلة المعبد اليونانى الشامخ الرابض فى ربوته.

نأى جاك إشخانيص هنا بنفسه عند تعامله مع تلك الأعمدة السامقة من السقوط فى فخ النقل الحرفى. فعل ذلك بالرغم من إغراءات طرازات و نظم العمارة الكلاسيكية الفتانة التى ما فتأت تغازل المعماريين عبر العصور. التى ما زالت تتبرج فى صالات عرض مكملات العمارة تغوى المعماريين من كافة الاجيال فيحملونها على أكف الراح لتزين البيوت و الفيلات حداثية التصميم. تجرأ جاك فصمم و إبتدع نظاماً خاصاً به، فوضع نفسه بثقة فائقة منافساً للنظم الكلاسيكية- الدورى و الأيونى و التسكانى. أتى بنظام حداثى الملامح كلاسيكى النفس. فجسد مدرسة الكلاسيكية الراجعة المرتكزة على قواعد توجه عمارة ما- بعد- الحداثة الراسخة.

تجول جاك أشخانيص فى أرجاء فيلا الأمين الشيخ مصطفى الأمين شبه الداخلية فوضع بصمة بائنة لروح العمارة الكلاسيكية بدون أن يلجاء لإستلاف مفردات من تلك الأزمنة القديمة. إستلهم أفكاره هنا من أجواء فيلات روما فى أيام إمبرطوريتها القديمة باذخة الثراء. فوضع فى وسط المبنى و فى حضنه بركة سباحة  مكتملة الاناقة و مفتوحة للسماء. بإضافة هذا العنصر ذو الطابع البستانى إكتملت جوانب و أضلع المعالجة كلاسيكية الهوى و الهوية. إبتدرسعيه بالمعالجة التخطيطية و عمقه بالتصميم المعمارى بكل مكوناته و تفاصيله و وضع لمساته النهائية بالعنصر اليستانى المائى- بركة السباحة. 

مسيرة جاك إشخانيص القاصدة و سعيه الدؤوب المتصل لما يزيد من الثلاثة عقود من الزمان مكنه من وضع بصمة بائنة فى سجل العمارة السودانية. خطى بها فى وتيرة تصاعدية محسوبة بعناية تجاوز بها فترة الحداثة وهى تعانى من تحدياتها المعوقة فطوف بها فى فضاءت ما- بعد- الحداثة الرحبة.  عزز من موقفها بأعماله المتنوعة فوضعها فى المسار السليم. تنقل بثقة بين مدارسها المتعددة فإستعاد و جدد الق تراثنا الإسلامى و المحلى. فإستحق بجدارة لقب عراب عمارة ما- بعد- الحداثة السودانية.    

الدكتور معمارى/ هاشم خليفة محجوب

أمدرمان – فبراير 2018

Leave a Reply

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d bloggers like this: