الموقع ما يزال في مرحلة التطوير ساهموا معنا بأفكاركم و إقتراحاتكم

+249-9-15176522 drarchhashim@hotmail.com

تراث العاصمة المعماري في مهب الريح: حالة مدينة امدرمان

إذا نجي تراث بلادنا المعماري من الإزالة فإنه غالبا لن يسلم من التعديل والتشويه. يحدث ذلك في المدن المهمة وتحديداً العاصمة الخرطوم الكبري. على مرآي ومشهد من السلطات والجهات العليا المسئولة عن الحفاظ على تراثنا. المحزن تؤاطي تلك الجهات واشتراكها أحيناً في بعض الاعمال التي تعتبر إجرامية بالمعايير العالمية العلمية والوطنية. شهدت الخرطوم الكبري سلسلة متتابعة من تلك المجازر خلال العقود الماضية. المحزن ان كثافتها ازدادت خلال فترات الحكم الوطني وارتفعت وتيرتها بشكل مقدر في فترة نظام ثورة الإنقاذ الوطني. الواضح هنا أنه مرتبط بحجم العمل الكبير والملموس في مجال التنمية الحضرية. سأركز هذه المرة على حالة مدينة امدرمان املاً في أن تمتد تغطيتنا لباقي المدن الثلاثة في مرات قادمة. 

نبدأ طرحنا لهذا الموضوع بالمنشآت والمباني الدينية باعتبار أنها تتوفر على مخزون تراثي مقدر. سنتعامل معها على اساس تاريخي مبتدئين بأقدامها وفي هذا الإطار سنعطي اسبقية لأكثرها اهمية. قد يستغرب المرء ان تتضمن القائمة ميدان او ساحة باعتبارها ليست مبني لكي نضعها في قائمة الاعمال المعمارية التاريخية. تناولنا لتاريخها وسيرتها الذاتية سيبرر اختيارنا لها ضمن هذه القائمة ووضعها على راسها. سيكون كافياً لإقناعكم بأهمية ان تكون ساحة جامع الخليفة التاريخية بأمدرمان هي فاتحة حديثنا عن عمارتها التاريخية. الذي أستُهدف ولا زال عرضة للاستهداف حتى زماننا هذا عبر عهود سياسية متلاحقة. سيظل مستهدفاً إذا استمرت الاوضاع على ما هي عليه الآن.

أهمية الميدان ارتبطت ببداية تأسيس الامام محمد احمد المهدي قائد الثورة لعاصمته الوليدة امدرمان في نهاية القرن التاسع عشر.  تأسياً بأحداث مشهودة في سيرة المصطفي عليه السلام جعل دابته تختار له موقعا في وسطها مجاوراً للميدان جعله مسكناً ومقراً له. عزز خليفته الذي تولي منه قيادة الدولة الوليدة بعد وفاته من أهمية الميدان بشتى الطرق. إذ سوره واحاطه بأهم المباني ذات البعد الروحي والسيادي والاداري. فبني على الجانب الشرقي فوق قبر الإمام المهدي ضريح تعلوه قبة شامخة. ثم شيد على الجانب الجنوبي الشرقي منه مجمعاً ضخماً من طابقين ضم مسكنه الخاص وخصص جزءً منه لمكاتب مجلس الشورى.  ثم شيد مسجداً صغيراً من الصفيح على الجانب الشرقي من الميدان. بالإضافة لمنشاءات بسيطة شيدت في أطراف الساحة كانت هي الدواوين التي اديرت منها شئون الدولة.

الاحداث التي شهدتها تلك الساحة وارتبطت بها منحتها اهمية فائقة وهالة متوهجة. إذ خصصت لأداء الصلوات الخمس اليومية وصلاة العيدين وايضاً لإقامة كافة الاحتفالات الدينية. ضوابط أداء الصلوات هنا كان لها وقع مؤثر جداً على استخدامه واهميته. إذ كان على كل سكان المدينة ان يؤدوا كل تلك الصلوات فيه. اُلزموا شيوخ الحارات على متابعة حضور كافة منسوبيهم والتبليغ عن الغيابات. منعاً لأي منافسة لهذا الميدان حُظر تماماً تشييد المساجد والمصليات وما شابهها في اي مكان في المدينة.  كل تلك الضوابط منحت الساحة اعتبارا خاصاً وقيمة عالية. بالرغم من انه كانت ولا زالت مكشوفة وغير معروشة سميت بجامع الخليفة. ما زالت تحمل ذلك الاسم بالرغم من مرور أكثر من قرن من الزمان وتعاقب حقب تاريخية مؤثرة.

ارتبطت ساحة جامع الخليفة خلال العهد المهدوي بأحداث موسمية راتبة ويومية مهمة بالإضافة طقوس أداء الصلوات. كانت مسرحاً لتنفيذ الأحكام التي تطال المذنبين من اهل المدينة. في ذلك الإطار شهدت نصب مشانق تنفيذ أحكام الإعدام على رؤوس الأشهاد. كانت تمور بحركة المواطنين الذين يرتادون دواوين الدولة المتناثرة في ارجاء الساحة لمتابعة شئونهم الخاصة. عزز من دراما الاحتشاد الجماهيري سلسلة المباني المهيبة التي كانت تحيط بالساحة.  صروح تطوقها مثل قبة الضريح الشامخة من ناحية الشرق لكأنها ترسل التبريكات وتشع بوهج الدعوة. من ناحية الجنوب الشرقي يهيمن على الأفق مجمع بيت الخليفة ومبني مجلس الشورى المكون من طابقين.   

جغرافياً وبشكل أكثر دقة جغرافيوسياسياً كانت لساحة جامع الخليفة مكانة خاصة خلال فترة الدولة المهدية. إحاطتها بمباني المؤسسات الروحية والدينية والسياسية منحتها ثقلاً مؤثراً في عاصمة الدولة. المعروف انها قامت على مجاهدات مشهودة أرخت لها معارك حامية على كافة أرجاء الدولة. أبلي فيها أنصار المهدي بلاءً بالغ التمييز شهد به الأعداء قبل الأصدقاء. فكان الجانب العسكري الجهادي هو كف الميزان الثاني التي قامت عليه دولة المهدية. أفردت له مكانة خاصة ومساحة مقدرة في الجانب الغربي من عاصمتهم في الموقع الحالي لإستاد المريخ. عليه اكتسب ما يعرف حالياً بشارع العرضة أهمية خاصة لأنه يربط بين شقي الدولة المهدية. الشق الروحي الديني السياسي المتمثل في جامع الخليفة والمرافق المحيطة به في الطرف الشرقي. يقابله في الطرف الأخر الغربي ساحات التدريب والاستعداد للمعارك.

منحت ساحة جامع الخليفة مدينة امدرمان عاصمة عهد الدولة المهدية القاً خاصاً. إذ رفعتها لمكانة العواصم المهمة في العالم على مدي العصور. التي تميزت تركيبتها الحضرية دائماً بما يعرف بميدان المدينة باللغة الإنجليزية city square. عدد من الجوانب أشرنا إليها من قبل جعلت امدرمان تنافس شبيهاتها في ارجاء العالم. المؤسف ان كل ذلك لم يحصنها من الاستهداف الذي تعرضت له عبر الزمان خلال حقب سياسية متتابعة. من المؤسف أكثر ان جل الاستهداف حدث خلال فترة الحكم الوطني. سأتعرض هنا لبعض منها الذي استوعبته تجربتي ومعايشتي الشخصية.

تعددت وتنوعت أسباب الاستهداف. كان بعضها نتيجة لغبن سياسي بائن. اراد وعمل بهمة عالية لطمس ملامح ذلك المعلم العتيق المهيب. بعضه الاخر ناتج عن جهل وجهالة للأسف ممن يعتبرون هم سدنة وحراس مثل هذه المعالم الحضرية ذات القيمة الآثارية العالية. بعض الاستهداف للأسف الشديد تسبب فيه أولي القربي. احفاد ذلك السلف الصالح الذي اسس للساحة في إطار إنجازاته الجهادية الملموسة في سابق العصور.  تعددت وتنوعت الأسباب لكن النتيجة المفجعة كانت واحدة. تعرضت الساحة لإضافات مخلة وزرعت فيها اجسام غريبة فعلت فيها ما تفعله مثل تلك الأجسام في الإنسان التي يمكن ان تهلكه. لا زال المسلسل المحزن متواصل طالما كان المتسببين فيه فاعلون يؤدون ادوارهم المدمرة بهمة عالية.  

عدد من حالات الاستهداف كان ورائها العداء السياسي. جهات سياسية حكمت السودان ناصبت حزب الأمة وآل المهدي وطائفة الأنصار العداء فصوبت سهامها نحو تلك الساحة. متجاهلة ومتناسية انها اصبحت ملكاً للشعب السوداني وجزءً من تاريخ نضاله. كنت شاهداً على بعض تلك الأحداث وقريباً من وقائعها. خلال فترة السبيعات احتدم الوغي بين نظام مايو والرئيس نميري وبين الأطراف التي اشرت إليها هنا. فصوب سهامه نحو كل ما يمكن ان يرمز بطرف خفي لتاريخ الأنصار ومجاهداتهم فأصاب بعضها ساحة جامع الخليفة. استندت جهات تابعة لنظامه على فتوي من مصلحة الآثار فقامت باستبدال سوره القديم بحجة أنه لا يتوفر على قيمة آثارية. فتح هذا العمل الباب على مصراعيه لعهود اتت بعده فمضت بهذا الامر لنهايات مزعجة سنستعرض حالاتها لاحقاً.

الضربة الموجعة التالية من سلطة ثورة مايو لساحة جامع الخليفة في بداية السبعينيات سلكت مساراً مختلفاً. تدثرت برداء الحداثة وجاءت محمولة على أكف خبراء أجانب (خواجات) محصنين بسيرة ذاتية أكثر من ممتازة. لكن واحدة من تصويباتهم اخطأت الهدف لأنهم لم يحترموا حرمة المكان المستهدف. كانت الجهات المختصة في نظام ثورة مايو قد استقدمت مجموعة استشارية إيطالية عالية الكعب بهدف الارتقاء بشكل الخرطوم الحضري. هي مجموعة ميفت والتي قاد العمل فيها رموز من مخططي ومصممي المدن. كان على راسهم من أعتبره واحد من شيوخي وهو المعماري العبقري الإيطالي باولو بورتيقيزي. الحق لله انهم أتوا بأفكار رائعة رأي النور عدد محدود منها. لعل من أعظم ما قدموا هو صرح الوحدة الذي ينتصب امام بوابة مجمع القصر الجمهوري الجنوبية.

واحدة من تصويباتهم التي ركزت على إقامة عدد من الصروح لتجميل العاصمة أخطأت الهدف. رصانة الفكرة وتصميمها المفعم بالرمزيات وروعة الرخام الذي تدثرت به لم يشفع لها. كان الخطأ الفادح في عدم اختيار المكان الملائم إذ شيد الصرح في قلب ساحة جامع الخليفة. كان عملاً نحتياً عملاقاً تجريدياً بحتاً لا يحمل اي ملامح تشابه اي مخلوق. معروف بالطبع تحفظ المسلمين تجاه الأنصاب والأزلام. بالذات بالنسبة لمجموعة محافظة تقليدية مثل أنصار المهدي الذين لم يتقبلوا الفكرة. زاد الطين بلة أنها جاءت من نظام نميري عدوهم اللدود الذي ارتبط اسمه ونظامه بالشيوعية. عبروا عن غضبتهم المضرية بعد عدة سنوات من زوال النظام. كان ذلك في إطار احتفالهم بمناسبة يوم تحرير الخرطوم من المستعمر المصري التركي. تدافعوا في مساء ذلك اليوم بهمة عالية محاولين تدمير الصرح فنجحوا في نزع غلافه الرخامي.

استمر استهداف ساحة جامع الخليفة خلال فترة حكم نظام الإنقاذ الذي ناصبهم العداء. إنتاش نفس ذلك السور الذي استهدفه نظام مايو من قبل. تعامل معه هذه المرة بمفهوم الصديق الجاهل الذي يقدم خدمة ممتازة بشكل غير ملائم. تؤشر هذه الواقعة إلى واحدة من سلبيات هذا النظام الذي تأسس على مبدأ التمكين. إدارة الأعمال في كل المجالات بواسطة المؤالين للنظام مما يعني استبعاد الكفاءات من ذوي العلم والخبرة وهذا ما عين ما حدث هنا. التعامل مع مثل هذه المواقع ذات القيمة الآثارية العالية يحتاج لاختصاصين بمواصفات عالية خاصة افتقدها من قاموا بهذه المهمة. جاء السور الذي شيد هنا في منتهي الروعة والجمال إلا انه غير متسق على الإطلاق مع خلفية الإطار التاريخي التي تميز الموقع. خطأ جسيم نتج عن ضحالة فهم من تعامل معه.

استمر استهداف الميدان خلال العقد الأول من الألفية وجاء هذه المرة مختلفاً تماماً في كل تفاصيله. ساهم فيه بشكل مقدر واحد من أحفاد المهدي. أنطوي هذا العمل على جسارة فائقة تصدي لها للأسف الشديد ممن هم غيروا مؤهلين للقيام بمثل هذه الأعمال الكبيرة. تعرفت على المزيد من خبايا هذه الحالة قبل زمن وجيز ونحن في نهايات عقد الألفية الثاني. عبر شخص مأذون ليس لمجال عمله وتخصصه علاقة بهذا الموضوع ذو الصلة بمجال التنمية الحضرية بشقيها التخطيطي والتصميمي. لكنه نصب نفسه ولياً على المشروع.   بالرغم من أنه لا يتحدر من صلب الخليفة عبد الله التعايشي خليفة المهدي الذي ارتبط اسمه بهذه الساحة. تصدي لهذا العمل باعتباره ابن حفيد الإمام المهدي مع ان احفاد الخليفة وبعضهم من أميز الإداريين والسياسيين كانوا موجودين وأحياء زمانئذ.

نستعرض هنا خلفيات وتفاصيل هذا الخطب الجلل بالرغم من ان نتائجه تبدو للوهلة الأولي عظيمة وموفقة. كان بالإمكان أن تحقق نجاحاً ملموساً لو أنها اتخذت المسار السليم موظفة الإمكانيات المتاحة. نركز هنا على إفادات ذلك الشخص الغير ملائم الذي تصدي لقيادة مسيرة هذا العمل الكبير. صرح بأنهم كانوا يخططون لمشروع طموح يهدف لتطوير ساحة مسجد الخليفة. لم يحدثنا عن الاختصاصيين في هذا المجال الذين استعان بهم لإنجاز هذه المهمة. لأنه في الواقع كلف بها معماريين حديثي التخرج أحدهم ابن شقيقته. أعرفهم معرفة شخصية واطلعت على مشروع تخرجهم أحدهم الذي انجزه بشكل مرض جداً. إلى انه موضوعه ليست له علاقة له بمشروع تطوير الساحة. كانت هذه الخطوة هي بداية الطريق الذي قاد هذا المشروع إلى المجهول.

عدة اسباب ومبررات تجعل التعامل مع مثل هذا المشروع عملية بالغة التعقيد. واحد منها مساحته المترامية الأطراف. جوانب اخري متعددة تشكل تحديات لا يستهان بها. من أهمها ان العمل فيه يدخل في دائرة عمل عدة تخصصات. مثل التخطيط العمراني والتصميم الحضري والعمارة والنحت إذا استدعي الأمر استيعاب المجسمات كعناصر في المشروع. واحد من التحديات المهمة ايضاً البعد التاريخي الذي يرتبط بالمكان والساحة ومكونهما التراثي وإسقاطاتهما المعمارية. تلك العوامل مجتمعة تقتضي ان يتعامل مع مثل هذه المشاريع فريق عمل بمستوي رفيع من عدة تخصصات. يضاف في هذه الحالة للمخططين العمرانيين والمصممين الحضريين والمعماريين، الآثاريين والمختصين في مجال التاريخ. على ان يعملوا معاً بتناغم تام وبروح الفريق من أول بداية العمل حتى نهايته.

من واقع ما تنامي إلى علمي كان العمل في هذا المشروع بعيداً كل البعد عما كان يجب ان يكون عليه. المشكلة الأساسية أن ذلك الشخص الذي اخذ الأمر بيديه تعامل معه لكآنه واحدة من سرايات السيد عبد الرحمن المهدي. تصريحاته في الوسائط الإعلامية التي استمعت إليها مرة تعزز ما اشرت إليه هنا. تجاهل حقيقة ان الساحة التي تشكل جزء من مجمع كبير مرتبط بالأنصار صارت عبر الحقب التاريخية مفتوحة لكل الناس. تناسي أنها صارت إرثاً تاريخياً يجب أن يطبق عليها قانون الآثار.  فهي من واقع العديد من المعطيات يجب ان تصنف كما يشار إليها باللغة الإنجليزية ضمن ال listed buildings.

المشكلة أنه وحسب علمي من تصدي لإدارة العمل في هذا المشروع لم يشرك معه اختصاصين من الجهات ذات الصلة بموضوعه. ترك الأمر لهذين المعماريين حديثي التخرج. قد يعترض بعضكم على تحفظي عليهم مشيراً لحالة شبيه بما حدث هنا. فقد قام بتصميم مجمع مسجد النيلين بأمدرمان الذي نال اهتمام وإعجاب العديد منكم معماري حديث التخرج. لكن هناك ثمة فوارق مهمة. اُسس هذا العمل على مشروعه تخرجه من قسم العمارة بجامعة الخرطوم في منتصف السبعينيات. أعده حسب النظام المعمول به في القسم خلال عدة أشهر بإشراف أستاذ ومتابعة باقي الأساتذة. المهم أنه بعد اختيار المشروع استعان المصمم الاساسي بعدد من الاستشاريين لتطويره. الفرق بين الحالتين أن أفكار هذين الشابين حديثي التخرج لم تمر بمثل هذه المراحل ولم تخضع لمتابعة ومراجعة فاحصة. بالرغم من أهمية المشروع الذي يشكل التعامل معه قدراً كبيراً من التحديات.

كل ما نتج عن هذا المشروع في مرحلته الأولي التي أنجزت في بداية العقد الاول من الألفية ثلاثة مآذن. ليس على اعتراض على تصميمها. لكن اقل ما يمكن ان يقال عنها انها طرازها ليست له اي علاقة بالطابع المهدوي او حتى طراز مباني مجمع القبة.  توقف الامر عند هذا الحد ولم نسمع عنه بعد ذلك خبر. قبل فترة من الزمان تواترت أنباء مزعجة عن الساحة يبدو انها كانت مجرد شائعات. بأن الجهات المسئولة في الولاية بصدد بناء كبري طائر يخترق اجواء ساحة مسجد الخليفة كامتداد شرقي لشارع العرضة. كرد فعل لتلك الاخبار هاتف إعلامي في قناة فضائية ذلك الشخص من آل المهدي الذي اعتبر نفسه القيم على هذا المشروع يستوضحه الأمر. فأفاض في الحديث باعتباره انه هو المسئول عن المشروع ونفي الخبر وطمأنه بأن الامر تحت السيطرة بدون توضيح إضافي.

 تلك الأحداث وما انجز وما لم يتم إنجازه في مشروع تطوير مشروع ساحة جامع الخليفة يدعو للانزعاج. كل ما تم إنجازه هو تلك المآذن التي تقف كل واحدة منها كما قال الشاعر احمد محمد صالح في قصيدته الشهير كالسيف وحدها. فذلك الشخص لا يزال قابضاً على مقاليد الامور. بالرغم من انه يتحدر من صلب الإمام المهدي وليس الخليفة عبد الله التعايشي (سيد الميدان) إذا كانت الامور تقاس بتلك الطريقة. لا زالت الساحة هي نفس الساحة بنفس حالة رصفها المغبر. كانت في غابر الزمان مسرحاً لمباريات كرة القدم عشوائية الممارسة مما يعرف بالدافوري وأحسب انها ما زالت كذلك.  في موسم معين تنال بعض الاهتمام عندما تنتظم فعاليات الاحتفال بمولد النبي المصطفي. حينها للأسف يسد افق الساحة ومنظر قبة المهدي من الشارع الغربي الرئيس لعدة أشهر (اكشاك) متواضعة الهيئة لبيع الحلوى.

لا يمكن بأي حال من الأحوال ان يتم التعامل مع واحد من اهم ميادين مدينة امدرمان بهذه الطريقة. المشكلة الأساسية في مثل هذه الحالات نوعية من يتعاملون معها. في سالف الزمان عندما كانت الامور تسير في مسارها الصحيح كان الإداريون الذين يديرون دفة العمل هم من اهل الاختصاص. كانوا بالضرورة ضباطاً إداريين ترقوا في هذا المجال حتى وصل بهم الامر قمة سنام من يبت في امر مدينة عريقة مثل أمدرمان. في زماننا الحالي زمان ثورة الإنقاذ صار تولي مثل هذه المهام يوكل لكوادر الحزب الحاكم بغض النظر عن تخصصهم او خلفيتهم المهنية. في ظل هذه الظروف يتراجع دور الجهات المعنية بشئون هذه الساحات التاريخية مثل هيئة الآثار والمتاحف.

تغييب وتجاهل دورها سمح لذلك الطبيب الاختصاصي من آل المهدي بإدارة دفة الامور. مكنه من تكليف معماريين حديثي التخرج بحكم القرابة ليقرروا في امور مصيرية. لها إسقاطات مؤثرة على ساحة في قلب مدينة امدرمان ارتبطت بذكريات وجوانب مهمة من حياة أهلها. الوضع المثالي في مثل هذه الحالة ان يتعامل مع الامر فريق متكامل من الاختصاصين. الأوفق ان يطرح في مسابقة مفتوحة. على ان تقوم لجنة عالية المستوي بتنظيم إدارة عملها واختيار الجهة الأكثر تأهيلاً بالتعامل مع المشروع مع إمكانية استيعاب بيوت خبرة أجنبية. الإشارة لبيوت خبرة أجنبية او إتاحة الفرصة لعناصر من تلك الجهات لم تأتي من فراغ.

دافعي مؤسس على تجربة جاءت في سياق مشروع مشابه لحالة ساحة جامع الخليفة. بالرغم من بعد المسافة بين مسرح أحداث الحالتين إذ تفصل بينها بلدان ومحيط. افتتنت بتلك التجربة بشكل جارف ولا ازال بالرغم من تقادم الزمن. جرت احداثها بمدينة سان فرانسسكو الامريكية في عقد الثمانينيات من القرن الماضي. مدينة تمثل الجالية الإيطالية الاصول حجم مقدراً من مجمل سكانها وجلهم جزوره من جزيرة صقلية. رغبت تلك الجالية في إهداء المدينة تذكاراً عزيزاً يثري أجوائها ويخلد ذكرى حضارة بلادهم الام العريقة المضمخة بأرقي الفنون. ارتأت أن تكون هديتها تخطيط وتصميم وإعداد ساحة عامة اختارت لها موقعاً في وسط المدينة. شحنوا اسم المشروع بدفق من العواطف الجياشة التي اشتهروا بها فصار متنزه (دا إيتاليا) إشارة لإيطاليا موطن اجدادهم.

توجت الجالية جهدها باختيار معماري رقم سطع نجمه أوانئذ كراس رمح تصدر توجهاً جديداً سعي لإحياء التراث المعماري بنهج مبتكر. وقع اختيارهم على شارلس مور الذي ادى هذه المهمة بجدارة فائقة وقدم طرحاً جديد المنحى. أحيا به وبعث فيه مجد تراث (الطلاين) الإيطاليين المعماري في إهاب جديد استوعب كل مستجدات ورؤى الزمان الحديث. ارتكز فيه على فكر وأفكار عصر النهضة الإيطالي تعبيراً عن مشاعر من تبنوا فكرة المشروع من الجالية إيطالية الجزور. أيضاً كتحية تقدير للمتحف المكرس لهذا التراث الذي يقع على مرمي حجر من الساحة. أصبح هذا العمل علامة فارقة مضيئة. أنموذجا بازخ التعبير عن مدرسة في إطار توجه ما- بعد- الحداثة يشار إليها بالكلاسيكية الراجعة. 

ارتكز شارلس مور على تراث عصر النهضة الإيطالي وتنقل بأريحية وحرية مطلقة في فضاءات مراحله الاربع. خاطبها معلناً بكل صراحة بكامل ولهه وافتتانه الفائق بها. نهل من ينابيعها الثرة لكنه لم يقع في مصيدة النقل الحرفي المباشر. انفك من إسارها وحلق مرفرفاً في فضاءت الإبداع ليغازل مستجدات عصرنا الحديث فنثر الحيوية وروح المفاجأة في ارجاء الساحة. مازج في عمله بين مكونات وعناصر تراث المجموعة الكلاسيكي وجغرافية موطنهم الأم. طرز مجمل العمل بملامح ولمسات حداثية شكلت فارقاً مهماً جاءت في شكل ومضات مبهرة. وفر وسط تلك الأجواء إطاراً رائعاً زاد من حيويته اصطحاب مجموعات رواد الساحة من ذوي الأصول (الطليانية) الذين اشتهروا به.

أحاط شارلس مور جزء الساحة الأوسط الرحيب ببوابات زائفة عملاقة. ازدانت كل واحدة منها بأعمدة ازدهرت تيجانها بطرازات الأزمنة القديمة الزاهية. طوقت مساحة شاسعة توسطتها خارطة إيطاليا. الشبيه برجل امرأة تنتعل (بوتاً) وتكاد تركل جزءً منفصلاً يمثل جزيرة صقلية. التركيز على تلك الجزيرة عززه شكل رصف الساحة، فدوائره المتمركزة تضعها في المركز. معالجة ذلك الجزء الأوسط محتشدة بالمرموزات التي تؤجج اوارها عناصر البستنة والإضاءة. إذ ينساب دفق المياه على سطحه برفق وأريحية. يؤجج من روعة المنظر المبهر ومضات مصابيح (النيون) المبثوثة في كافة الأرجاء. التماعها يغازل من طرف خفي معدن (إستينلستيل) جزوع الأعمدة. فيبرق كما كانت تفعل سنة الدهب في ثغر مفتر عن ابتسامة ساحرة لحسناء من زمن السودان الجميل.

لم يكتف شارلس مور بذلك القدر من الدفق الابتكاري إذ مضي به خطوات مقدرة في نفس ذلك الدرب. استحضر بعض المكونات والتفاصيل من عمارة عصر النهضة الإيطالية لكنه تعامل معها بروح تصرف عالية. إذ صارت البوابات الزائفة هنا لا تقود إلى أي هدف. إلا إذا أخذنا في الاعتبار ذلك الهدف النبيل. هو بعث الروح فيها من جديد بتوظيفها لخلق اجواء ذات حضور طاغي محتشد ومضمخ بعبق التاريخ. في إطار نفس ذلك التوجه تعامل مور مع نظم أعمدة البوابات الكلاسيكية بقدر عالي من روح الابتكارية. استبدل الحجر الرخامي بخامات من لدن أخر مستجدات العصر. فسطعت على جذوعها وتيجانها خامة (البلور) أنقي انواع الزجاج ومعدن (الإستنليستيل) البراق. بعث مور هنا مكونات عمارة عصر النهضة الإيطالية من جديد وجعلها تخاطب العصر بلغته.

يتمني المرء أن يتم التعامل مع ساحة جامع الخليفة في أي محاولة لتجديده بمثل تلك المفاهيم الرائعة. أتمنى أن تستوعب الحلول معها وتستصحب روح عمارة التراب التي تدثرت بها عمارة العهد المهدوي. يمكن بحلول ذكية ان تأخذ معها أيضاً في الاعتبار طراز فترة الخمسينات والستينات المتناسقة. التي انداحت في مكونات مجمع القبة خلال فترة الإمام عبد الرحمن المهدي. بأسطحها الناعمة الملمس ولونها البيجي السائد المبرق هنا وهناك بلمسات وشرائط من اللون الفضي. مشكلة عملاً فريداً أنتج بفطنة بالغة وحساسية مفرطة طرازاً كلاسيكياً يغازل تراث العمارة الإسلامية من طرف خفي. يحتاج العمل في مشروع الساحة لفكر معمق ثاقب ولمسات عبقرية للموائمة بين الطراز المهدوي والأخر الأكثر حداثة. إذ أنجزت المهمة بنجاح ستأخذ مكونات مجمعات بيت الخليفة والقبة المحيطة بالساحة، ستضمها في احضانها برفق وحنو دفاق.

يعتبر التعامل مع مشروع ساحة جامع الخليفة من المهام الصعبة البالغة التعقيد بالذات إذا اخذنا في الاعتبار تنوع الأنشطة المراد استيعابها فيه. لدي رؤية معينة لا بأس من ضرحها كأفكار اولية. لا بد من منح الاحتفالات الدينية الأسبقية. مثل صلاة العيدين واحتفالات المولد النبوي الشريف. أري في سياق الاخيرة منها أن تعد وتشييد في شكل حلقة في كل جوانب الساحة منشاءات خفيفة شبه مفتوحة لا يزيد عمقها عن الستة أمتار. تكون في شكل سرادقات أشبه بالصوالين تخصص لمجموعات الطرق الصفية. تستخدم في باقي السنة بعد نهاية احتفالات المولد لأغراض اخري مثلاً معارض الكتاب. المهم ان لا تتعدي السرادقات ذلك العمق مفسحة المجال للمنطقة الوسطي لتستوعب أنشطة رواد الساحة.

يجب ان يترك الجزء الأوسط من الساحة بدون أي منشاءات او عوائق مؤثرة. يمكن عمل نصب بمواصفات خاصة وملامح عمارة إسلامية متوجاً بهلال كبير ليحتل مركز الساحة ووسطها. شبيه بالذي ينصب كل مرة في نفس المكان إعلاناً وإيذاناً ببداية مراسم الاحتفال بالمولد النبوي. يشار إليه بالصاري تحريفاً لكلمة سارية التي يركب فيها العلم. يجب ان تعالج أرضية الساحة برصف مناسب بخامة لا تختزن الحرارة مع إمكانية إضافة عناصر مائية بشكل لا يعترض حركة الرواد. مع أهمية عمل تجهيزات على الأرضيات غير ظاهرة تسمح بثبيت أعمدة مؤقتة مثل المواسير لتحمل عروش خفيفة مؤقتة. تستخدم في بعض المناسبات مثل اداء صلوات العيدين والمناسبات الشبيه الأخرى. يجب أن تكون كل تلك التجهيزات متسقة مع إعداد وشكل باقي أجزاء الساحة.

في إطار تناول تراث عمارة المساجد في مدينتنا الفاضلة امدرمان يجب ان نتوقف عند تجربة تمثل حالة محزنة بحق. لو أنها حدثت في بلد متحضر يحترم تراثه لعلقت المشانق الإدارية لمن تسبب فيها. كان الخليفة عبد الله قد حرم تشييد المساجد والمصليات طوال فترة حكمه. أنتهي سريان هذا الأمر مع بداية الحكم الثنائي البريطاني المصري المحتل. أول مسجد بني في المدينة مع بداية تلك المرحلة هو مسجد قدح الدم الذي شيد في الجزء الجنوبي الأوسط من حي العباسية. عمارة طينية تنضح تراثاً وتحتشد داخلياً بركائز ضخمة تزاحم المصلين. ساهمت في تغطيتها كجزء من فيلم وثائقي عن تراث عمارة امدرمان الطينية أنجزناه في مطلع العقد الأول من الألفية. فافتتنت بهذا العمل التراثي إيما افتتان لكنها فرحة لم تدم طويلاً. إذ تسلطت عليه جهة ما فمسحته من الوجود تماماً. استبدلته بعمارة لا طعم لها ولا رائحة بدعوي أهمية التجديد.

في إطار الحديث عن استهداف نظام الإنقاذ للمساجد الأثرية لا بد من الإشارة لواقعة أكثر إيلاماً كان مسرحها ايضاً مدينة أمدرمان. استهدفت مسجدها العتيق والأكبر الذي احتل موقعاً في وسط سوقها القديم الذي تأسس في العهد المهدوي. تم تشييده في بدايات القرن العشرين خلال فترة الحكم الثنائي البريطاني المصري. عمارة طوبية كلاسيكية الهوى تزهو بمكوناتها ومفرداتها المستمدة من طرازات العهود المصرية الإسلامية ناصعة التاريخ. قدم الشريك المصري فيها اهم مساهماته لمدينة امدرمان. وجوده في قلب سوقها كان أشبه بالشامة التي زينت وجه عمارتها اصيلة السمات. بالرغم من طرازه الإسلامي الناصح إلا ان بعص سمات وملامح عمرانه جعلته يتماهى مع مجمل نسيج السوق المعماري. تحديداً لون الطوب البني المشابه لألوان مبانيه جلها طينية. بالإضافة لعقداته او أقواسه المشابه لمداخل رواقات او برندات السوق النصف دائرية المرسلة على جانبي الطرقات.

عدة عوامل منحت المسجد أهمية خاصة. واحدة منها عمارته مفرطة التميز وحجمه المتمدد طولاً وعرضاً. من العوامل بالغة الأهمية الأنشطة الإضافية التي استضافتها أروقته خلال عقود متعاقبة من الزمان. كانت لها ادوار مؤثرة في تاريخ المدينة والسودان في عدد من المجالات. على سبيل المثال وضع فيه الأساس لأعمال كبيرة في مجالي التعليم والدعوة الإسلامية. فقد نشأت بين رحابه نواة ما عرف لاحقاً بمعهد أمدرمان العلمي. الذي اَسس للتعليم الديني في السودان وخرج أفذاذاً من الأدباء والشعراء.  بالإضافة إلى ذلك اضطلع المسجد بدور ريادي مجتمعي منذ زمان بعيد فقد كان ملتقًي لأهل المدينة من عموم الناس والصفوة. فأرتبط العديد منهم به وجدانياً قبل أكثر من نصف قرن من الزمان. نشأت علاقة خاصة بين عدد مقدر منهم وبين خطيب المسجد وإمامه زمانئذ الراحل الشيخ عوض عمر الإمام.

للأسف كل تلك الإنجازات والأدوار المؤثرة لمؤسسة المسجد والعلاقات الخاصة بين من أداروا العمل فيه ومرتاديه لم تشفع له وتحصنه من الإزالة. لم يشفع له طرازه الفريد وقيمته الآثارية العالية وكونه من اهم معالم المدينة. بالرغم من كل ذلك استهدفته بعض الجهات. تعللت ببعض المشاكل الهندسية التي اعتبرتها مهددة لمبانيه فقامت بهدمه وإزالته تماماً.  بالرغم من أن هناك جهات فنية هندسية عالية المستوي كان بإمكانها معالجة مثل هذا المشاكل بكفاءة عالية. مضت في عملها ذاك غير عابئة بتوسلات الحادبين على تراث مدينة أمدرمان المعماري الذي كان ذلك المسجد العتيق هو الجوهرة في تاجه. الواضح انه كانت هناك حاجة في نفس يعقوب عجلت بحسم عملية الهدم والإزالة بهمة عالية وسرعة غير معهودة في أداء الجهات الرسمية.

هدم ذلك المسجد التاريخي كان هو الفصل الأول من مأساة اليمة. الفصل الثاني الذي كان أكثر إيلاماً عمق من أثار هذه التجربة المحزنة. الواضح ان تلك الجهات كانت مبيته النية لهذا العمل لإشباع رغبة نرجسية. كان الغرض منها استعراض مقدراتهم المعمارية المتدنية المهزوزة.  التي كشفت للأسف درجة إفلاسهم العلمي وفهمهم المعماري الضحل. الواقع أن ما حدث لمسجد امدرمان العتيق لم يكن حالة منعزلة. إذ شكل واحدة من سلسلة من الحالات التي انداحت في أرجاء العاصمة المثلثة. مستهدفة عمارتها التراثية بالتشوية والإزالة كما حدث لهذا المسجد. أبطالها في كل تلك الحالات كانوا للأسف من أضعف الكوادر الهندسية والمعمارية الذين قفزوا لمواقع قيادية ممتطين جواد الانتماء السياسي. تشهد على ذلك العديد من الحالات في الخرطوم سنستعرضها في مقالات لاحقة. سنركز هنا على حالة مسجد أمدرمان البديل.

فليكن مدخلنا في تقييم المسجد البديل هو استعراض عمارة الأنموذج القديم العتيق الذي عصفت به أهواء تلك الشرذمة من صناع القرار. تعامل معه المصمم بمنتهي الحكمة والفطنة التي تدل على حساسية مفرطة نحو هذه الحالة المتفردة. لعل من اهمها اختيار خامة البناء الرئيسة وهي الطوب الأحمر. نستعين في هذه الحالة بالتعبير باللغة الإنجليزية الذي يصفها بأنها very down to earth. مقربة جداً لأهل امدرمان لأنها تشبه لون تربتهم وترابهم المحمر. هذا جانب مهم لمسجد سيرتاده اهل امدرمان بكافة اطيافهم بمن فيهم عامة الناس وأبسطهم مقاماُ. لكن بالرغم من ذلك منح المصمم مبني المسجد كامل مقامه السامي وهيبته الذي حققه بالتطاول في البنيان. بالإضافة لتمييزه بملامح وسمات العمارة الإسلامية السامية مرتكزاً على إرثها الذي طوره المصريون في عهودهم الإسلامية.  

عمارة المسجد البديل جاءت في فكرتها العامة وكافة ملامحها وتفاصيلها على طرف نقيض من حالة المسجد العتيق. إن دلت علي شئي فهي تدل بوضوح على ضحالة فهم الجهة المصممة وبرس ثقافتها. عمارة متنافرة الأجزاء من ناحية طرازية هذا إذا اعتبرنا أنها في الأساس كان لها ثمة طراز. فهي على سبيل المثال تضج بعدة انواع من العقدات، الاقواس او الآرشات كما يشيرون لها. هذا في حد ذاته خطأ طرازي مبين لا يغتفر. تنافر نمط مكوناته ومواد بنائه وتشطيباته يجعل هذه الحالة شبيهة بما نشير إليه بأنها (لحمة راس). معروف نوعية مكونات ذلك الطبق السوداني المشهور الذي يحتوي على عدة أجزاء من راس الخروف. أكبر دليل علي التنافر وسمات النشار مبني المئذنة الذي لا يمت بصلة لطراز المسجد.

فكرة التصميم بشكل عام وكل تفاصيلها جاءت متجاهلة تماماُ لتراث المدينة الذي شكل المسجد العتيق ركناً ركيناً من اركانه. كآنها تتبرأ منه تماماً. نهضت العمارة هنا وسط إطار سوق أمدرمان التاريخي ونسيجه الحضري المميز كجسم غريب. حالة شبيهة بتلك الاجسام التي تشكل مصدر خطورة في اجسامنا إذا تسللت داخلها وغالباً ما تؤدي بحياة الإنسان. يحس الشخص بأن العمارة بشكلها العام والعديد من مكوناتها ومواد تشطيباتها وكآنها تتعالى على الناس من حولها. المعروف ان جلهم من البسطاء من الناس العاملين بالمحلات المجاورة وعابري السبيل. الوضع مختلف تماماً عما كان عليه الحال بالنسبة للمسجد العتيق الذي تمت إزالته. ما آل إليه الحال هنا يدل بوضوح على سطحية وضحالة فهم من قاموا بالتصميم.

استمر أمر استهداف الأثار الخالدة للعهد المهدوي بشتى الطرق والسبل وإن كانت بشكل غير مباشر. من أهم ما يميز منطقة الواجهة النيلية في مدينة أمدرمان طوابي المهدية التاريخية المواجهة للجانب الشرقي لحي الملازمين. تضجع في دلال بائن عند حافة النهر محاطة بكافة عناصر الطبيعة البكر المرسلة حولها بأريحية مفرطة. حفظها الله ورعاها في مرقدها ذاك لأزمنة متعاقبة. عندما كانت امور الحكم المحلي تدار بواسطة كوادر متعلمة ومؤهلة ومدربة بشكل أكسبها حساسية فائقة تجاه المدن التي تكلف بإدارة شئونها. تبدل الحال في العقود الأخيرة حينما تولي زمام الأمور ممن حملتهم أجنحة السياسة بدون سابق معرفة تذكر بمثل هذه المسائل. فحلت الكوارث وصوبت سهامها تجاه منطقة الطوابي الوادعة على حافة النهر.

إنتاشت حملة شرسة منطقة الطوابي. مباني ضخمة تكاد تكون مغلقة أحاطت بها إحاطة السوار بالمعصم. واحدة منها من ناحية الجنوب مطعم أطلق عليه اسم الحوش. لكنه للأسف ليس لنوع النشاط الممارس فيه ما يدل على معني ذلك الاسم. تحول لاحقاً ل (سوبر ماركت) فصار بالضرورة أكثر انغلاقاً.  تصاعد تضييق الخناق على الطوابي عندما نهض قبل عدة سنوات من الجهة الشمالية مبني مشابه كاد ان يكتم انفاسه. متعدد الأغراض، مطعم لكنه يستضيف بشكل منتظم حفلات الأفراح وما شابهها من أنشطة. منشأت ضخمة متعددة الطوابق شبه مغلقة تكاد تسد منظر النيل البديع. مثل هذه المشاريع الخرقاء يستهجنها الغرب فيسميها الأفيال البيضاء بلغتهم الإنجليزية white elephants. نحن هنا أمام حالة تعبر بصدق عن هذه المسمى.

يتكرر هذا النهج من تنمية الواجهة النهرية كثيراً على شاطئي النهر في المدن الثلاثة. ثمة مثال صارخ على بعد بضع مئات من الأمتار من الطوابي كان مسرحه حديقة الريفيرا المجاورة. حُجب منظر جزيرة توتي الساحر بمبني صالة أفراح مغلق شبيه بورشة صيانة الطائرات- الهانقر. المسلسل مستمر على طول الواجهة النهرية في الخرطوم. قامت على طرف حي قاردن سيتي صالات أفراح مغلقة اشبه بالقلاع. درسنا في سالف الزمان وندرس طلابنا بأن المباني تنقسم لنوعين. النوع الأول يركز من بداخله نظره وانتباه إلى ما يحدث داخل المبني. الثاني عكسه تماماً إذ ينصب الاهتمام والانتباه لما يدور بالخارج. جل المباني المشيدة على الواجهة النهرية هي من النوع الأول. بالرغم من ذلك احتلت بدون مبرر موقعها على ضفة النهر فحجبت منظره الساحر بدون أسباب وجيهة.

المعروف عادة والمتفق عليه بأن من يديرون المجالس البلدية هم بالضرورة من يحرسون كافة أمور البلد ومن أهمها تراثها المعماري. ثمة واقعة محددة أشير إليها هنا ارتبطت بمبني بالغ الأهمية بمدينة امدرمان. شيده نظام الحكم الثنائي البريطاني المصري وهو يهم بمغادرة البلاد مع بداية خمسينيات القرن الماضي. عرف زمائذ بمبني مجلس المدينة البلدي ولا زال حتى الآن مخصص لأغراض شبيهة مع اختلاف المسميات. كان دائماً مقر رئاسة الجهاز الإداري المسئول عن إدارة كافة شئون المدينة. تعززت أهميته بموقعه عند تقاطع اهم شارعين بالمدينة، شارعي الموردة والعرضة. اكتملت الصورة بعمل معماري بالغ التفرد.

أهمية هذا المبني الفائقة نابعة من عدة عوامل. فطرازه يشكل مرحلة تحول من الطراز الكلاسيكي إلى خطوة مقدرة نحو الحداثة. نمط عمارته الطوبية تؤكد على طبيعة ثنائية سلطة الاحتلال البريطانية المصرية. فالرغم من التزامه بخامة الطوب الأحمر السدابة الأثيرة عند البريطانيين هناك مؤشرات تؤمي بمكانة الشريك المصري. نجدها في بعض المداخل الرئيسة في الواجهات متمثلة في قطع المشربيات الخشبية التي تتصدرها فوانيس تراثهم المجيد. مزاج البريطانيين المعماري البازخ يشكل حضوراً متوهجاً في واجهة الطابق الأعلى في الجانب الشمالي من المبني وهو الأهم. إذ يضم بين جنباته مكاتب قيادات العمل في المجلس البلدي زمانئذ. ما زال كذلك بالرغم من مرور الزمن وتبدل نظم الحكم والهياكل الإدارية.

اخترت هذا الجزء من المبني لعدة أسباب تطرقت لبعضها هنا. إذ لقي اهتماما متعاظماً لعل من أهم ملامحه تلك الشرفات، البلكونات، الناهضة على الواجهة الشمالية الرئيسة. من يطل منها هم بالضرورة من كبار الإداريين. تمنحهم من مكاتبهم هناك إطلالة عريضة (بانورامية) على أهم جزء من مدينة أمدرمان. لهذه الأسباب وجدت هذه الواجهة عناية فائقة من المصمم. لعل اهم ما فيها الأجزاء البارزة المحيطة بالنوافذ. استعرضوا فيها قمة تقنيات وجماليات عمارة الطوب الأحمر فقدموا ابلغ الدروس في تلك المجالات. كل ذلك الألق لم يشفع لهذا الجزء الرائع من المبني. لم يعمل على المحافظة عليه القابعون في المكاتب الواقعة خلفها. بالرغم من أنهم يعتبرون من واقع مواقعهم سدنة تراث المدينة. استعدوا لمتابعة مأساة متعددة الفصول.

مرت عقود من الزمان حافظ ذلك المبني الأثري على جماله وألقه المتفرد. حفظه المولي خلاله من أفاعيل الزمن وكيد الكايدين. إنتاشته بعد ذلك السهام مع مقدم نظام الإنقاذ مع نهايات القرن الماضي فأصابته في مقتل. العجيب في الأمر أنها ارتبطت بتحسن الوضع المالي للمؤسسة التي تدير عملها من داخله. جاءت وتزامنت الحملة الباغية مع نهاية القرن الماضي عندما عزمت الإدارة على تطوير نظام التبريد في المكاتب. فأدخلت النظام الذي يعمل بغاز الفريون المعروف بنوع النافذة باللغة الإنجليزيةwindow type. الذي يستدعي بالضرورة عمل فتحات في الحوائط لاستيعاب تلك الأجهزة. كانت هذه هي بداية الكارثة التي تلاحقت فصولها المأساوية.

أولي الأثافي حدثت نتيجة لعملية فتح تلك الفتحات التي قام من أوكلت إليه هذه المهمة بإعمال إزميله بطريقة سبهللية عنيفة. فكسر أجزاء الحوائط البارزة الناهضة حول الفتحات التي شيدت بطريقة متدرجة كواحدة من اروع التفاصيل في الواجهة. كانت هذه هي بداية المجزرة التي شوهت الواجهة. تلتها خطوات اخري محزنة. لم يكلف من طلب منه تركيب الأجهزة إنجاز المهمة بالطريقة السليمة. لم يقم بتركيب أنبوب صغير أسفل الجهاز ليرمي بالمياه الساقطة منه بعيداَ عن سطح الواجهة. نتيجة لذلك تسربت المياه وسالت تحت الفتحة بشكل عشوائي. بمرور الزمن خلفت أثاراً في شكل طحالب مكونة تشوهات محزنة في تلك الواجهة الرئيسة الرائعة. التي اكتسبت اهميتها من إطلالتها على شوارع رئيسة.

لم تكن تلك هي اخر فصول تلك الرواية الفاجعة التي استهدفت أهم واجهة في المبني. بمرور الزمن تحسن موقف المؤسسة الإدارية التي تستخدم المبني فرأت أن تستجلب أحدث نظم التكييف. فلجأت لما يعرف بنظام الوحدات المنفصلة المعروف باللغة الإنجليزية بال split units. التحول إلى النظام الجديد استدعي بالضرورة سد فتحات الواجهة التي كانت تركب فيها الوحدات القديمة الذي تم بطريقة كارثية. سدت الفتحات بطريقة سيئة للغاية استخدمت فيها ما وجد من قطع طوب رصت بطريقة عشوائية. حدث ذلك في واجهة مكاتب كبار الإداريين المفترض أنهم القيمين على امر المدينة. المؤتمنين على حراسة منظرها العام وشكل مبانيها.

تركيب نظام التكييف الجديد أدي إلى نتائج سلبية كان بالإمكان تفاديها. تتكون كل وحدة كبيرة منه من وحدتين داخلية وخارجية التي تركب بالضرورة في مكان ما خارج المبني. اختارت الجهات المعنية بتركيب الوحدات الخارجية الحل السهل فوضعتها مباشرة فوق الشرفات او البلكونات. الأمر الذي كانت له انعكاسات سلبية وجاء خصماً على الق واجهة العمارة الطوبية محكمة التصميم متناسقة الأجزاء. صارت كل واحدة من تلك الوحدات كما اشير إليها دائماً أشبه بالضب المعدني. الحل الامثل في هذه الحالة هو ببساطة وضعها فوق عرش المبني بحيث لا تظهر في الواجهة. من المحير ان تفوت مثل هذه الحلول البديهية في مبني تتبع لإدارته جهات تمثل قمة الهرم في الشئون الهندسية. صدق من قال باب النجار مخلع.

لم يقتصر استهداف مجمع مبني المجلس البلدي على تلك الإصابات المباشرة إذ إنتاشته سهام اخري. بالرغم من أن ضررها يبدو غير مباشر إلا انه كان مؤثرةً لمن ينظر إليها بعين مدققة فاحصة. حدث تجديد لسور المجمع ركز على الجانب الشرقي واستهدف بشكل خاص البوابة. جاءت معالجتها في منتهي السذاجة إن لم نقل العبط المعماري. في حالة من حالات الهوس التراثي المعماري رُكب فوقها جسم معماري في شكل مجوعة قباب. عمل خارج النص يعتبر عنصر تشويش لمن يتأمل ويسترق النظر لمجمع مبني المجلس من خلال سوره. أري ان إقحام القباب هنا مجرد ابتذال رخيص حاول من قام به التودد للتراث الإسلامي بأسلوب ساذج. شبيه بالنزعة الهتافية في الشعر التي تنتقص كثيراً من قيمته.

لفتت نظري حالة اخري في مجمع مجلس امدرمان البلدي. هو الامتداد الذي شيد في نهاية العقد الاول من الالفية جنوب المبني الرئيس وضم مركزاً ثقافياً متعدد الاستخدامات. فكرته من ناحية المبدأ في منتهي الروعة وتصميمه وكل مكوناته وتجهيزاته الداخلية ممتازة. عتبي الأساسي ينصب على طرازه الذي لا يمت بأي صلة للمبني القديم. قد نجد العذر للمصمم في تجنبه لاستخدام الطوب السدابة كمادة بناء خارجية باعتبار ان الزمن تجاوزها. لكن كان بإمكانه توظيف نفس نوع البلاطات التي استخدمها بشكل يؤمي به من طرف خفي لطراز المبني القديم. أشرت في هذه المقال متعمداً لمبني شارلس مور في نيو اروليانز كنموذج لمثل هذه المعالجات. واحد من مشاكل بعض معماريينا ضيق الأفق الذي يحد من رؤيتهم ويمنعهم من التفكير خارج الصندوق، او الأطر المتعارف عليها.

سأحاول أن أجد الأعذار لمن استهدفوا هذا المجمع او فشلوا في تقديم حلول متناسقة مع إطاره العام. المشكلة هنا في نوعية المعماريين من منسوبي الجهات الرسمية الذين تعاملوا معه. جلهم من محدودي المؤهلات والخبرات لان عروض عمل تلك الجهات غير جاذبة لمن هم أكثر منهم كفاءة. في سابق الزمان قبل ان يحل نظام الإنقاذ وزارة الأشغال كانت هي التي تتعامل مع المشروعات الكبيرة والمهمة. غيابها شكل فراغاً تسلل منه مثل هؤلاء المعماريين قصار القامة العلمية لذين أنتجوا هذه الهفوات المعمارية. قد نجد مبرراً مقنعاً لنمط وطراز المركز الثقافي المجاور لمبني المجلس البلدي التاريخي. نمى إلى علمي بأن الجهة المصممة مكتب استشاري من دولة مجاورة، وهي خطوة في حد ذاتها غير مقنعة. إذ صحت هذه المعلومة فإنه لم يكن من المتوقع أن يهتم المصمم باستلهام واستيعاب التراث السودان في رؤيته التصميمية.

الإشكالية الخطيرة ليست فقط في حل نظام الإنقاذ لوزارة الاشغال إنما في البديل الذي اتت به ليحل محلها. استبدلته بما يعرف بالدار الاستشارية لتطوير الخرطوم. نمي إلى علمي أن من تبني فكرتها من رموز الهندسة في السودان من امثال البروفيسور دفع الله الترابي كانت لهم رؤية مختلفة لما حدث بعد ذلك. ارتأوا أن تعني تلك الدار بالتخطيط للعمل في المجالات الهندسية وتشرف عليه بشكل عام. بدون ان تقحم نفسها في امور تصميم المباني. لكن من اختطفوا الفكرة حادوا تماماً عن تلك المقاصد النبيلة. شغلوا أنفسهم تماماً بمهام التصميم واحكموا قبضتهم على كافة المشروعات القومية الرئيسة الحالية والمستقبلية في الخرطوم. المشكلة الاساسية كانت في مستوي تأهيل قياداتهم. كانوا ولا زالوا إلى حد كبير يفتقدون إلى المؤهلات العالية والخبرة الرصينة اللازمة لإدارة العمل الذي تصدوا له.

فتحي لذلك الملف لم يأتي من فراغ. استعراضي المحدود لحد ما هنا يأتي في سياق تناولي لقضية تراث العاصمة التاريخي الذي عنونت به مقالتي. التي تشير إلى انه صار في مهب الريح. إدارة تلك الدار الاستشارية كان لها دور مقدر في وضعه في وجه عواصفه الهوجاء التي زلزلت اركانه. تجولت إدارتها بهمة في ارجاء العاصمة واستهدفت المباني التي شكلت مرتكزات تراثها فأدت إلى نتائج كارثية. تجربة مؤلمة كانت أشبه بحالة ذلك الثور الهائج الذي أطلق له العنان في مستودع ضم اروع الأعمال من فنون الخزف. سنستعرض في مقالات قادمة تفاصيل ما حاق بتراث العاصمة من أذى نتيجة لأفعال الدار الاستشارية. التي أسست عملها على فهم مغلوط لكلمة تطوير التي تشكل جزءً من اسم هذه المؤسسة. فتابعوا مقالاتنا في هذا الشأن.

جزء من كتاب من تأليف الدكتور هاشم خليفة سيصدر قريباً بعنوان (العمارة السودانية: مواقف ومشاهد)

Leave a Reply

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d bloggers like this: