+249 90 003 5647 drarchhashim@hotmail.com

حوار الكاميرا و العمارة: البريطانيون يعودون بأشرعة السدابة في الثمانينيات

تعتبر الحقبة من نهاية القرن التاسع عشر و حتى منتصف خمسينيات القرن الماضي فترة مظلمة في تاريخنا الحديث. جثمت على صدورنا خلالها طغمة محتلة باغية. حكمتنا و سيرت أمور بلادنا تحت راية ما يعرف بنظام الحكم الثنائي الإنجليزي المصري. من البديهي أن ترتبط مثل تلك الحقبة بالمظالم و المرارات التي رصدتها و دونتها العديد من المصادر. تركت أثارها السلبية في العديد من جوانب حياتنا. بالرغم من قتامة الصورة و مهما تشددنا في الحكم على هذه التجربة نجد فيها بعض جوانب مشرقة. تشهد عليها إنجازات مقدرة في عدة مجالات حيوية لا ينكرها إلا مكابر. عليه يصبح من مصلحتنا أن ننظر إلى ما تبقى من الجانب الممتلئ من هذا الكوب بغية التعرف على مردوده الإيجابي. في محاولة للاستفادة من بعض الدروس القيمة التي ارتبطت به. هذا ما سنحاول أن نفعله في هذه المقالة و هي معنية بشكل خاص بالنظر في جانب مهم من مجال العمارة. بالرغم من الأمر معنى بتجربة فترة الحكم الثنائي إلا أننا سننظر أيضاً هنا في واحدة من إسقاطاته المهمة. التي ارتبطت بمرحلة لاحقة تجاوزت فترة الاحتلال بثلاثة عقود من الزمان.

المتأمل و المتعمق في بعض جوانب فترة الحكم الثنائي يمكنه أن يلاحظ ظاهرة التنافس بين طرفي الحكم اوانئذ بريطانيا و مصر. يتضح ذلك بشكل واضح في أكثر من مجال. كان للعمارة حظها الوافر في هذا السياق و السباق. الذي نتجت عنه أعمال رائعة توزعت في أرجاء العاصمة الخرطوم الكبرى بمدنها الثلاثة. من أهم أبعاد تلك المنافسة أن كل جانب منهم اجتهد من خلال تلك الأعمال بالغة التميز أن يبرز عظمة حضارته. في هذا الإطار كانت الخامة البنائية الأثيرة لكل طرف خير أداة للتعبير عن كل حالته. تجلى كل منهما في إظهار عظمة تقنياتها و فنياتها. فدخل الطوب الأحمر تحديداً نوع السدابة خيار الجانب البريطاني في منافسة حامية مع الحجر الرملي الذي تبناه الجانب المصري. في هذا السياق و السباق يعنينا هنا عطاء و بذل و مساهمة الجانب البريطاني المقدرة المؤثرة عبر تلك الخامة النبيلة. التي تمددت و تداعت انعكاساتها هنا فعبرت بعمارة الطوب الأحمر إلى مراحل بعد نيل بلادنا لاستقلالها. كانت بفضل هؤلاء البريطانيون عاملاً مؤثراً لثمانية عقود بعد تاريخ احتلال سلطتهم لبلادنا. راسمة صورة ملحمة معمارية جديرة بالتأمل و استلهام العبر.

قصة البريطانيين مع طوب السدابة في سياق تاريخ بلادنا الحديث متعددة الفصول استمرت كما ذكرت من قبل قرابة الثمانية عقود من الزمان. مرت بعدة مراحل لعبوا فيها أكثر من دور مؤثر للغاية. من خلال إدارة شئون الحكم في فترة الاحتلال و لاحقاً بعد الاستقلال عبر أدوار ثانوية مؤثرة. ساهموا من خلالها فوضعوا بصمتهم البائنة في مراحل و منعطفات مهمة في مسيرة العمارة السودانية. بالرغم من أننا معنيون هنا بمرحلة محددة حديثة نسبياً إلا أنه من المهم النظر إلى هذه الظاهرة في إطارها التاريخي. نبدأه بخلفية ألقت بظلالها الكثيفة على علاقتهم بهذه الخامة البنائية النبيلة. عدة شواهد تدل على ارتباطهم بها وجدانياً. واحد منها تدل عليه تواجدها الكثيف في واجهة مبنى بالغ الأهمية في عاصمتهم لندن و عنوانه (تن دأوننق ستريت). أهميته نابعة من أنه به مسكن و مكتب رئيس الوزراء. ثمة مبررات أخرى مقنعة لتبنيهم لها كمادة بناء رئيسة في مشروعاتهم المهمة التي دشنوها في بلادنا مع بداية القرن الماضي. من أهمها توفر المادة الخام الأساسية لإنتاجه و هي أنواع محددة من التراب. بالإضافة إلى ذلك سهولة تصنيع وحداته. ثمة مبرر أخر له علاقة بواحد من أهم هواجسهم عندما حلوا ببلادنا. هي درجات الحرارة المرتفعة التي لم يعهدوها في بلادهم. فالطوب الحمر يعتبر من أنسب مواد البناء لمثل هذه المناخات. هذه الأسباب مجتمعة دعتهم لتبنية كمادة بناء رئيسة. قناعتهم الفائقة بجدواها جعلتهم يبذلون قصارى جهدهم ليؤسسوا لصناعته على أحسن وجه. في هذا الإطار وفروا بشكل طيب من جوف أرضنا السخية خامة أخرى كانت خير شريك لوحداته البنائية. لعدم توفر الإسمنت في ذلك الزمان وجدوا له بديلاً ممتازاً. استخرجوا الجير من ارض مدينة امدرمان فعالجوه و استخدموه بكفاءة عالية كمادة رابطة تعرف باسم المونة.

بعد ذلك الإعداد الجيد و الحماس الدافق بدأت الجهات البريطانية المعنية بأمر التنمية العمرانية و العمارة مسيرتها القاصدة مع مطلع القرن العشرين. مؤسسة على كل ما سبق ذكره ابتدرت ملحمة عمارة الطوب السدابة في بلادنا في العصور الحديثة في عاصمتهم الجديدة اوانئذ الخرطوم.  قدمتها في أشكال معمارية مخدومة بعناية فائقة فجاءت عالية الجودة. تقدموا بها خطوات مقدرة لاحقاً فطروحها في طرازات متنوعة تجاوبت و استوعبت كافة المستجدات التقنية و الطرازية. فكأنى بهم هنا يَسدون لنا خدمة جليلة و هم يؤسسون لحلقة كانت مفقودة في سياق مسيرة عمارة الطوب في تاريخ بلادنا. جزورها ضاربة في القدم ترجع لعصور تعود لبضع ألاف سنة قبل ميلاد السيد المسيح. وصلت أوج مجدها في نهايات عصر ممالك النوبة المسيحية تحديداً مدينة سوبا عاصمة مملكة علوا. واصلت مسيرتها الظافرة لاحقاً فظهرت بشكل مشرف في سنار عاصمة مملكة الفونج الإسلامية. مجموعات معادية سودانية و أخرى   غازية تركية دمرت ذلك الألق المعماري فجعلته أثراً بعد عين. بعد ذلك و خلال القرن التاسع عشر و لأسباب متعددة مرت عمارة الطوب الأحمر بحالة كسوف و خسوف بائن. إذ لم يكن لها وجود يذكر في أطلال الخرطوم عاصمة التركية السابقة أو أمدرمان التي اتخذها المهدويين عاصمة لهم. مع مطلع القرن العشرين كتب الله لتلك العمارة نبيلة المحيا و قيض لها ميلاد جديد. على أيدي المعنيين بأمرها من جانب الشريك البريطاني في إطار الحكم الثنائي. حملوها على أكف الراح فظهرت في أبهى صورها لستة عقود من الزمان طوال فترة حكمهم. تواصلت جهودهم بشكل محدود لكنه مؤثر بعد رحيلهم عندما نالت البلاد استقلالها في منتصف خمسينيات القرن.

كانت أولى ساحاتها موقع مفتاحي ممتاز مترامي الأطراف مطل على النيل الأزرق. اختارته إدارة الحكم الثنائي ممثلة في جانبها البريطاني لواحد من أهم مشاريعها. الذي ارتبط وجدانياً بقيم عالية جداً لأمتهم هو مبنى كلية غردون التذكارية. فجروا فيه كل ينابيع عمارة الطوب السدابة كلاسيكية الطراز بكل مكوناتها و تفاصيلها. دشنوا من خلال تشييده العمل في ذلك الموقع الذي صار لاحقاً النواة لتلك المؤسسة الجامعية الرائدة جامعة الخرطوم. أهميته الفائقة لموضوعنا هنا أنه أصبح فيما بعد منصة انطلاق لعدد من مراحل تحور عمارة السودان في العصر الحديث. منذ مطلع القرن العشرين حتى زمان لاحق سطع فيه نجم السودان كبلد حر مستقل. في كل تلك العهود و المراحل كانت عمارة السدابة دائماً بمثابة راس الرمح. من ذلك الموقع صُوبت سهام كلاسيكية السدابة بعيداً عنه لتستقر في قصر الحكم بجوار القصر الذي تشغله حالياً وزارة المالية. أرسلت رسائلها المعمارية الرصينة لاحقا بعيدا لتطل على أهل عواصم أقاليم البلاد عبر مباني بلدياتها. في تلك السنوات الأولى ظهر مبنى كلية غردون كمركز الإشعاع المتوهج معمارياً الذي أسس لما عرف بعمارة (الكولونيال). تداعت بعده روائع عمارة السدابة الكلاسيكية تحيط به في موقعه المترامي الأطراف. تنشر ألقها و تؤكد وجودها و وجود من تبنوها من إدارة الحكم الثنائي عبر عمارة تنضح هيبة و (برستيجاً). تواتر تلك السنوات الأول خفف بعض الشي من نبرتها و سَمتها الكلاسيكي لكنه لم ينتقص من حضورها المهيب المهاب.

هبت على عمارة السودان الحضرية في النصف الثاني من الخمسينيات رياح مؤثرة مصحوبة بتداعيات بالغة الأهمية. فأحنت عمارة السدابة هامتها للعاصفة. ثم نهضت مرة أخرى متجاوبة مع تأثيراتها فظهرت في رداء جديد جوهراً و مظهراً. ثمة عوامل تفاعلت مجتمعة مع ظروف و ملابسات تلك المرحلة المفصلية المهمة. لعب فيها ثلة من الأساتذة البريطانيين الذين أسسوا أول قسم لتدريس العمارة في كلية الهندسة بجامعة الخرطون دوراً محورياً مؤثراً. مستصحبين معهم نفس ذلك السلاح المضاء. الذي استعان به من قبل أقرانهم البريطانيين قبل بضعة عقود من الزمان في أرجاء موقع كلية غردون التذكارية. فاستجاروا ولجأوا لطوب السدابة فأجارهم و كان خير معين لهم. لكأني بهم هنا يلتقطون من أسلافهم المشعل ليواصلوا مسيرة عمارة السودان في زمان مختلف. هبوا في تلك الحقبة يصنعون تغييراً ملوساً مؤثراً. ليَعبروا من خلال أعمالهم المعمارية بطوب السدابة من عوالم الكلاسيكية إلى أفاق الحداثة الرحبة. التي طرزوا بها مواقع جامعة الخرطوم المنتشرة في أرجاء العاصمة المثلثة. شأنهم شأن الأساتذة الأوفياء الأنقياء في كل العصور بثوا الرسالة و أودعوها في عقول و نفوس طلابهم السودانيين النجباء. الذين استلموا منهم الراية بعد رحيلهم لاحقاً في الستينيات. فقاموا بكافة مهامهم بجدارة فائقة. من ضمنها و من أهمها تنزيل رسالة عمارة الحداثة من خلال أعمالهم المتميزة مبتدئين بمواقع الجامعة. ليؤكدوا مرة أخرى دور أرضها الطيبة المعطاة الولود دائماً كمنصة رئيسة لانطلاق مسيرة العمارة السودانية في كافة منعطفاتها. قد حدث ذلك بالفعل إذ انطلقت من هناك عمارة الحداثة المحمولة على أكف طوب السدابة بفضل ابكار الخريجين من القسم.  لتعلن عن نفسها بعد ذلك في خيلاء في كافة أرجاء العاصمة وباقي عواصم و حواضر البلاد. تجدون تفاصيل أوفى عن هذه المرحلة المهمة في عدد من مقالاتي المضمنة في موقعي الإلكتروني.

رحيل الأساتذة البريطانيين من بلادنا في منتصف الستينيات و هم مشبعون بذكريات عطرة عن عمارة طوب السدابة لم يكن نهاية المطاف. لدى إحساس بأن نفوسهم كانت تهفو لإعادة تلك الذكرى على نحو ما. جاءتهم الفرصة على طبق من ذهب في عقد الثمانينيات في شكل مشروع كبير في الخرطوم خاص ببلادهم. مجمع ضخم يضم مبنيي السفارة و القنصلية. اختاروا له موقعا مترامي الأطراف في حي الخرطوم شرق غير مطل مباشرة على شارع البلدية لكنه على مرمى حجر منه. مثل هذه المجمع يحمل قيم رمزية عالية من واقع طبيعته التي تحكمها الأعراف الدبلوماسية. بالرغم من أن أرضه و موقعه في قلب عاصمة بلادنا إلا انه يعتبر أرضاً بريطانية. الواضح أن تلك العوامل بالإضافة لأخرى ذات صلة بالإسقاطات التاريخية التي أشرنا إليها من قبل كانت مؤثرة للغاية. شكلت الدوافع الأساسية التي أنتجت هذا العمل الكبير. تجلت في عدد من جوانبه و ملامحه المعمارية من أهمها الاجتياح الكاسح لطوب السدابة. الذي شكل حضورا كثيفاً بتغطيته الكاملة للمبنى خارجياً. بالإضافة لتغلغله داخله و تغليفه لكافة الأعمدة و كل جدران أهم صالاته الداخلية.

ثمة جانب مهم في هذا العمل الكبير بالغ التميز يجب الإشارة إليه بالتحديد. جاءت مساحات السدابة المتمددة عبر الأفق محمولة على أكف نظام إنشائي مؤسس على أخر المستجدات في هذا المجال. التي تحمل بعض أجزاء و مكونات المبنى الناهضة أمام الواجهات بجرأة فتجعلها تحلق بجسارة. بعضها محمول بثقة على أكف بلاطة أرضيات خرصانية، سلابات، نظام إنشاءها كان الأحدث في الثمانينيات. ظهور الأجزاء السفلى منها مكشوفاً يبدو لكأن المقصود منه التباهي بتبني أحدث مخرجات تقنية إنشاءات المباني. مثل تلك المكونات و الملامح التي منحت العمارة تميزاً باذخاً هي في الواقع مؤشرات بالغة الأهمية. فيها إشارة واضحة للتقدم العلمي في العالم الغربي الذي كانت بريطانيا واحداً من أهم أركانه زمانئذ. بذلك خطت هذه التجربة بعمارة السدابة حداثية النهج خطوات إضافية في ذلك الدرب مستثمرة في أخر مخرجات ذلك النهج التقنية. اللافت للنظر أن ما فعلته هنا لم يكن على حساب التخلي عن أبسط مواد البناء المستخدمة التي صدحت بها واجهات المبنى. الإشارة هنا لطوب السدابة المصنع أساساً من المواد الترابية. إن ذلك الأمر إن دل على شئي فإنما يدل على وفاء هؤلاء القوم لخامتهم الأثيرة. الذي دعاهم للتمسك بها في إصرار واضح بعد عودتهم لبلادنا بعد ثمانية عقود من ظهورهم الأول في بدايات القرن. في إطار صيغة و علاقة سياسية مختلفة بعيدة عن هيمنة المحتل و مؤسسة هذه المرة على شراكة قِوامها الندية.

إصرار الجانب البريطاني على التمسك بطوب السدابة هنا يُستدل عليه في أكثر من جانب من جوانب هذا العمل المفرط في التميز. في البدء هو ظاهر جداً في عدة مواضع في واجهاته تحديداً الأجزاء الإنشائية. تتجلى في محاولات ناجحة مستميتة في استبدال العناصر الخرصانية بأخرى بديلة مؤسسة على طوب السدابة. نلاحظها مثلا ذلك في التعامل مع البروز البسيط في الجزء الأسفل من واجهة الحيطان الخارجية. فهو محمول على بروز متدرج لمداميك أو صفوف الطوب في ذلك الجزء الذي يحل هنا محل العناصر الخرصانية. تظهر بوضوح عملية الاستغناء عن تلك العناصر في أجزاء أخرى من الواجهات ذات طبيعة إنشائية. هي تلك الأعتاب، جمع عتب، التي تثبت فوق فتحات النوافذ لحمل الحيطان التي تعلوها. تم الاستعاضة عن الأنواع التقليدية الخرصانة بخيارات مستحدثة قوامها وحدات طوب السدابة. نفس ذلك الإجراء تم إتباعه في تشييد الجزء الأسفل من تلك الفتحات التي تعرف باسم الجلسة. حيث تم استبدال الوحدات الخرصانية بأخرى مشيدة من طوب السدابة. استبدال الأعتاب و الجلسات الخرصانية بالخيارات الطوبية خلص الواجهات من أجزاء خرصانية صغيرة كانت تبدو كما البثور على وجه الحسناء. بذلك سمحت لمساحات الطوب بالاسترسال و التمدد بأريحية و سلاسة فائقة على واجهات المبنى مشكلة لوحة بالغة الروعة.

قد يحسب المرء أن الإفراط في استخدام طوب السدابة في الواجهات هو مجرد مجاملة قصد منها إظهار تعلقهم بهذه الخامة النبيلة. لكن جوانب أخرى من عمارة المبنى تشير لعمق هذه العلاقة. هي استخدامه بكثافة داخله كمادة تغليف أو تجليد أساسية و في أهم الأجزاء هناك. في وقت كنا نتوقع أنهم بعد أن قاموا بالواجب نحو السدابة خارجياً أن يستجلبوا أحدث و أرقى و أفخم المواد للتشطيبات الداخلية. لكنهم ذهبوا في اتجاه مغاير تماماً حيث يتمدد طوب السدابة بكل جلالة قدره فيغطى كافة الحيطان الداخلية لكل صالات الاستقبال الرحبة في مبنيي السفارة و القنصلية. ستأخذك إليها برفق سلالم داخلية مكسوة على جانبيها بنفس ذلك الطوب. لتصل إلى صالات الاستقبال الرحبة و الشاهقة الارتفاع. المحاطة من كل الجوانب بطوب السدابة. منظرها (الدراماتيكي) تزيد من هيبته و جلاله إضاءة طبيعية تنسرب بلطف من نوافذ علوية.  ترتفع الدراما المعبرة عن كل الود لهذه الخامة النبيلة لأقصى درجاتها بمنظر حائط عريض مكتسى بطوب السدابة. يشهق في صالة دخول و انتظار المبنيين لارتفاع ثلاثة طوابق. يرقد على صدره بكل وداعة في كلتا الحالتين مباشرة على سطح السدابة شعار المملكة المتحدة. تغازله من عُلى و تمسح على سطحه برفق أشعة شمسنا المدارية في غدوها و رواحها.

حمل ابكار المعماريون و رموزهم في الزمان الحديث تحديداً في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي طوب السدابة على أكف الراح. فقدموا به عمارة الحداثة السودانية في أنصع صورها و أزهى حللها. تضعضع موقفها بعد ذلك و إنتاشته السهام من أكثر من جهة. تجسد واحد منها في تدهورت صناعته من حيث نوعية المنتج و أبعاد وحداته. ثمة عامل أخر مهم للغاية يجب أخذه في الاعتبار. كانت الأعمال المعمارية الممتازة في عصرها الذهبي من أهم عوامل الترويج لهذه الخامة. التي تدنى تأثيرها لاحقاً مع الانخفاض في مستويات العمارة. من جانب أخر كانت السهام التي أضعفت موقف طوب السدابة مصوبة من أبناء عمومته من المنافسين الجدد مثل الطوب الإسمنتي و الآلي. تلقى لاحقا ضربة قاضية من منافس جديد في مجال المباني المهمة. ظهر في رداء التغليف الخارجي بالألواح المعدنية الشبيه بالألومنيوم. لكن بالرغم من كل تلك المتغيرات و المستجدات سيبقى إلى زمن طويل لطوب السدابة حضوره المتميز بالذات في بعض الحالات الخاصة. سيبقى ما بقيت تلك الأشياء القديمة محتفظة بسحرها المتجدد. مثل الشعر الجاهلي و معلقاته المتفردة و السيمفونيات الغربية الخالدة و أغاني أم كلثوم و فيروز و روائع حقيبة الفن المعتقة. ستبقى دائماً مثل هذه الأعمال الخالدة ملهمة لكل مبدع أصيل خلاق. يستشف من روحها أعمالاً جديدة لا تقل صدقية و ألق. لقد فعلها من قبل البريطانيون في ديارنا محلقين بطوب السدابة في بداية القرن و في ستينياته ثم في ثمانينياته. طوفوا فيها به بطرازات متعددة خاطبت كل حقبة زمانية بتقنياتها وفنياتها بكفاه عالية. فهل معماريونا أقل كفأه و إبداعا منهم؟

البروفيسور مشارك دكتور معماري/ هاشم خليفة محجوب

أمدرمان-مارس 2020 

Leave a Reply

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d bloggers like this: