+249 90 003 5647 drarchhashim@hotmail.com

حوار الكاميرا و العمارة: محمد حمدي في مسجد القصر

تجمعني علاقات خاصة جداً بأستاذنا المعماري المتميز محمد محمود حمدي. فهو في الأساس كان استأدى بقسم العمارة بجامعة الخرطوم في مطلع السبعينيات. قد عُرف خلال تلك الفترة بعلاقاته الخاصة مع طلابه التي اتسمت بالتواضع و الحميمية و السخاء المفرط في بذل العلم و المعرفة. سمات علاقة تواصلت لاحقاً و لا زالت حتى الأن معي و مع غيرى من الأقران. لم تجمعني به و بمكتبه الاستشاري صلات عمل بمعناها المعتاد و المعروف. لكنه كلفني في زمان سابق بتوثيق كل أعماله و أعمال مكتبه الاستشاري بالتصوير الفوتوغرافي. فكانت هذه بداية عملية تعرفي على مسيرته المعمارية. التي أكملتها بعد ذلك بلقاءات لا زالت تتواصل حتى زماننا هذا مما زاد من معرفتي به و بأعماله. سرت في هذا الدرب و ما زلت من واقع دوري كمؤرخ و موثق للعمارة السودانية. فلتكن هذه الفذلكة القصيرة مقدمة لمقالتي التي سأستعرض فيه جوانب مهمة لواحد من أميز أعماله المعمارية حسب رؤيتي الشخصية.  

العمل المشار إليه هنا هو مسجد القصر الجمهوري. الرابض في الركن الجنوبي الغربي من موقع مجمع القصر والمطل على شارع الجامعة. اخترته هنا لأسباب وجيهة جداً جَعلته ضمن سلسلة مقالات قصيرة قررت أن أدبجها تحت عنوان- حوار الكاميرا و العمارة. اخترته لأنه بلا شك يستحق أن يكون على راس القائمة من الأعمال المعمارية التي يشار إليها باللغة الإنجليزية بأنها very photogenic. هو تعبير يوصف به عادة الأشخاص الذين يظهرون في الصور الفوتوغرافية أجمل مما هم عليه في الواقع. إذا نظرنا إلى المبنى من هذه الزاوية نجده أكثر من ممتاز. تشهد على ذلك غزوات كاميراتي التي طفقت تهاجمه من كل الجهات و الزوايا و تغللت في دواخله. أشهد بأنها في كل تلك الحالات كانت هي التي تقودني و كنت أنا مستسلم و مطيع لها تماماً. تجاوزت غزواتي حدود الكاميرات الثابتة إلى أفاق أرحب أكثر حركية و إثارة. حلقنا فيها في رحاب عوالمه و نحن مدججين بسلاح و نوع أخر من الكاميرات المتحركة- الفيديو. استعنت فيها بمن هم أعلم منى بأسرارها. بواحد من أمهر و أذكى الشباب المختصين في هذا المجال. المخرج المصور الحاذق الفنان لؤي بابكر الصديق. بهره المبنى من الداخل فجال فيه مأخوذاً تماما بمنظره المحتشد بالمفاجات الفضائية. ثم طفق يتدحرج على الأرض مذهولاً يبحث كل مرة عن زاوية أكثر إثارة. توجنا عملنا ذاك بفيلم وثائقي عرض في قناة النيل الأزرق في رمضان عام 2014 وتجدونه ضمن مواد موقعي الإلكتروني. تلك الغزوات و المغامرات أثبتت علو شأن هذا العمل المعماري في إطار الأعمال الأكثر خطفاً لاهتمام الناس. حيث اثبت أحقيته بأن يكون على راس قائمة مقالاتي المعنونة بحوار الكاميرا و العمارة.

تمددت مسيرة أستاذنا محمد حمدي المعمارية لأكثر من نصف قرن من الزمان مغطية عدداً من أنواع العمارة. تعامل فيها مع عدد مقدر من المشاريع الكبيرة والمهمة. كان واحد منها مشروع مسجد القصر الجمهوري الذي أنجزه في المرحلة الأولى من مسيرته. صممه في الثمانينيات واكتمل تشيده في بدايات القرن. بالرغم من أنه من أوائل أعماله إلا انى أعتبره من أروعها. سأركز هنا على جوانب محددة من هذا العمل المتفرد باعتبارها هي التي منحته أعلى القيم المعمارية. هي التي جعلته من أكثر أعماله ألقاً بمقاييس ذلك المصطلح باللغة الإنجليزية الذي أوردناه من قبل. واحداً من أهم أسرار عظمته حنكة أستاذنا العالية في التوظيف الذكي لأجزاء المبنى الإنشائية-الأعمدة و الحوائط و العرش. التي سخرها لتساهم بشكل مقدر في صناعة ذلك الألق المدهش. الأهم من ذلك أنه استثمرها بذكاء مفرط لأغراض جمالية و تعبيرية و رمزية نبيلة للغاية. ستكون هذه الجوانب هي محور مقالتنا هنا لأنها هي التي أسرت الكاميرات الثابتة و المتحركة. هي التي أمسكت بزمامها و قادتها بشكل لا شعوري في أرجاء المبنى. فيما كنا نحن ورائها منقادين لها تماماً مستمتعين بهذه الرحلة المبهرة. فمعاً إلى مضابط و حيثيات هذا الطرح.

فنجعل في البدء بعض وحدات تلك المكونات الإنشائية محور حديثنا هنا و هي نوع محدد و متفرد من الأعمدة. التي تسيدت الموقف، بعضها موزع حول المبنى و أخريات داخله تلتف حول الجزء الأوسط منه. يشار إليها بالأعمدة المشرومية. نسبة لشبه بينها و بين تلك النبتة الصغيرة من الفطر التي تسمى باللغة الإنجليزية المشروم و منها اكتسبت هذا الاسم. مصبوبة من الخرصانة المسلحة في شكل بديع التفاصيل تجلى أستاذنا حمدي في تصميمه. الذي تجاوز به دوره الإنشائي ليحلق به في أفاق أرحب في عالم العمارة. تجريدي الملامح و السمات إلا أنه يشبه إلى حد ما شجرة النخيل. معروف بالنسبة لنا أجمعين القيمة الرمزية الدينية لهذا الشجرة المباركة. تتوزع تشكيلات تلك الأعمدة في الساحات الخارجية حول مبنى المسجد حيث تستخدم كمظلات كبيرة. تلتف حول بعضها البعض هناك فتبدو لكأنها حلقات من الذاكرين يجمع بينهم في وجد بازخ أيقاع النوبة. على نطاق أكبر تبدو تشكيلات تلك الوحدات الملتفة حول المبنى الرئيس كأنها تمارس رقصة من نوع أخر استعراضية حديثة. تتشابك فيها أيدي الراقصين و هم يدورون حول المبنى يكادوا أن يلامسونه. ليبتعدوا عنه مرة أخرى مستمرين في رقصتهم تلك متشابكين اليدين. نحتاج لكاميرا طائرة، درون، لتصوير هذا المشهد البديع. تمنح تلك الوحدات المشرومية بظلالها السخية متسعاً من المساحات الخارجية لمزيد من المصلين. الذين يتحلقون و يلتقون هناك بعد أداء صلواتهم في مودة و تألف تحت ظلالها الوارفة فتتعزز فضائل زيارة المسجد و ارتياده.

ظهور نفس نوع الأعمدة المشرومية داخل مبنى المسجد يفجر معه ملحمة و دراما فضائية عالية النبرة تنافس تلك الخارجية. تدخل فيها في شراكة ذكية مع العرش متميز الشكل المرفرف في خفة و رشاقة فوق المبنى باعتباره مسك الختام. تتميز كلها بأشكال هندسية ثلاثية تتسم بالبساطة لكنها قوية الحضور. صدق فيلسوف حضارة اليونان الممعنة في القدم الأشهر الذي منحها هذا الفضل فحافظت عليه عبر العصور. تحصنت البساطة المترفة و الحضور الطاغي هنا بالتوشح باللون الأبيض رمز النقاء. سنعود لظاهرة هذه الأشكال الهندسية النقية لاحقاً بشي من التفصيل نسبة لدلالتها المهمة و مردودها المؤثر. تلتف حلقة الأعمدة المشرومية معرفة بقوة الجزء الأوسط الكبير داخل المسجد. أضع أكثر من خط هنا تحت كلمة تعريف. واقع الحال أن تلك الأعمدة لا تحمل العرش التي تتكفل بحمله أعمدة ضخمة موزعة في أركان المبنى. بمعنى أنها لا تلعب هنا ذلك الدورً الإنشائي المناط بها. لكن هذا الأمر لا ينتقص كثيراً من قيمتها إذ أن لها دلالات رمزية إيحائية مهمة. تلعب حلقتها الواسعة المحاطة بممرات داخلية ضيقة دوراً مهما. إذ ترسم وحدات الأعمدة في شكل دائرة خطاً وهمياً يحدد منطقة الصلاة. الممرات الداخلية المحيطة بها المخصصة للحركة لها دور لا يقل أهمية. فهي هنا أشبه بالرواقات أو البرندات التي تحيط بمساجدنا التقليدية. هذا الملمح الأساسي في عمارة المسجد الداخلية يدل على عبقرية التصميم التي تلجأ للمؤشرات الإيحائية و اللبيب بالإشارة يفهم.  

تدير حلقة الأعمدة المشرومية الداخلية حوارات مع رصيفاتها من مكونات المبنى الإنشائية الأخرى. أهم أركان هذا الحوار ذلك الذي يدور بينها و بين رصيفاتها من مجموعات الأعمدة الشبيه التي تشكل حلقات حول المبنى. يسمح به التواصل البصري عبر حيطان المبنى الزجاجية الشفافة. التشابه بين مجموعات الأعمدة الخارجية و الداخلية يشكل جانب مهم في تصميم هذا العمل المعماري. إذ يعزز الإحساس بالوحدة في مشروع تتوزع مكوناته في موقع مترامي الأطراف. من جانب أخر تدير حلقة الأعمدة المشرومية الداخلية حواراً من نوع أخر مع مكون إنشائي مهم يشاركها نفس ذلك المكان. حوار ترنو فيه حلقة الأعمدة إلى أعلى حيث يهيمن على المكان ذلك العرش المرفرف المهيب. المصمم في شكل قبة كبيرة لكنها ليست نصف كروية الشكل كما اعتدنا أن نراها. هي أشبه بالهرم لكنها مكون من عدة أجزاء مثلثة الأشكال.  لم يكتف العرش بما ينشره من حيوية داخل المبنى بأشكال أجزائه الزخرفية. فبعضها يقوم بدور فعال خارجه متمثل في الأبيام المفرغة المدببة مثلثة الأشكال التي تعلو هامته تغازل الأفق. أشكال وحدات العرش مختلفة نوعا ما عن وحدات الأعمدة المشرومية. لكن هناك ثمة توافق بينهما يتجلى في أنها كلها قائمة على أشكال هندسية أساسية بسيطة آسرة. تكاد تلامس النماذج المثالية التي عشقها الفيلسوف اليوناني إفلاطون و ارتبطت باسمه و جوهر مضامينه. تجمع بينها أيضاً سمة بالغة الأهمية هي ذلك اللون الأبيض النقي ذو القيمة الرمزية العالية. فلنجعل امر أشكال مكونات المبنى الإنشائية – الأعمدة و العرش- مدخلاً للجزء التالي من المقالة. حيث سنركز عليه نسبة لإسقاطاتها و دلالاتها العميقة المؤثرة.

الأشكال الهندسية الأساسية لتلك المكونات هي بيت القصيد هنا. هي واحدة من أهم عبقريات هذا العمل المعماري بالغ التفرد. سرها في أنها وُظفت و استثمرت لتتعامل بذكاء مفرط مع عدد من مطلوبات العمل. اختيار أشكال الأعمدة المشرومية و أجزاء القبة الهرمية لم يأتي من فراغ. فرضتها في البدء دواع إنشائية بحتة. إذ كان يجب أن تصمم على هذ النحو لكي تقوم بدورها الإنشائي على أكمل وجه. لكي تتمكن الأعمدة من تحمل ما عليها من أحمال و يستطيع العرش عبور مساحة شاسعة بدون أعمدة ليستوعب عدد مقدر من المصلين. حصافة المصمم و إحساسه الفني العالي المرتكز على معرفة عميقة بتراث العمارة الإسلامية جعلته يحلق بها بعيدا. يوظف أشكالها المتميزة و يستثمر فيها لخدمة مآرب أخرى بالغة الأهمية. فحقق أهدافاً أخرى لامست أبعاداً مهمة في العمارة. صنع منها وحدات زخرفية ضخمة ثلاثية الأبعاد تجريدية السمت شكلت جوهر مشروع عمارته الجمالي. المرتكز على إرث العمارة الإسلامية المؤسس بشكل كبير على المكون الزخرفي. هدف التركيز عليه ليعوض الفراغ الناشئ عن تحريم التماثيل صور الأشخاص في المباني العبادية. فعل أستاذ حمدي ذلك بنجاح فضخ في العمل المعماري زخم تعبيري بائن. حققه بدون أن يلجأ للنقل الحرفي من التراث.

عبقرية هذا العمل تكمن في أكثر من جانب من جوانبه. لعل من أهمها أنه جمع بين مكونات من العمارة يعتقد جلنا بأنها متناقضة. الجانب الهندسي الإنشائي المتمثل هنا في الأعمدة و العرش. مع جانب أخر يعتبر على طرف نقيض منه و هو الشق الجمالي الزخرفي التعبيري. نجح أستاذنا محمد حمدي في أن يجمع هنا بين راسين بالحلال. وظف المكونات الإنشائية فجعل منها مؤشرات ثقافية و رمزية و أضحت أيضاً هي مكامن الجمال. أضاف إنجاز أخر حققه بضربة لازب. إذ وظف تلك المكونات الإنشائية فجعل منها معبراً مهماً. جسر من خلاله الهوة بين تراث الزخارف الإسلامية و مخرجات عصرنا من مكونات الخرصانة المسلحة حداثية التصميم.  فتعامل بحصافة مع تلك المعادلة الصعبة المعقدة التي تطمح في التوفيق بين الأصالة و المعاصرة. أجمل ما لمسته في مشروعه الزخرفي هنا أنه ليس بعالي النبرة محتشد الألوان. عوضها بالبعد الثالث و الخاصية النحتية لزخارفه تجريدية السمات. بالإضافة إلى ذلك لم يجعل موضع تلك الأعمال الزخرفية في مستوى نظر المصلين. بحيث تشغلهم تفاصيلها عن التركيز على طقوس صلواتهم و فحوى خطب المتحدثين. جعلها في مواضع مرتفعة، حينما ترنوا إليها الأبصار تتوجه عالياً صوب السماء رافعة معها أصواتها بالدعاء للمولى عز وجل.

عبقرية أستاذانا محمد حمدي أنه هنا و هو يتعامل مع هذا العمل قفز فوق ذلك الحقل من الألغام المتجسدة في الكم المهول من التراث. أفلت من مصيدته التي كانت ستجره مثل العديد من أسلافه و أقرانه الذين وقعوا في فخ النقل الحرفي. تسامى عليه و هو يستصحب قيمه النبيلة. لكأنني به و هو في تحليقه فوقها صار قريباً من معانيها السامية المرفرفة التي أنتجت مجمل تراثنا الإسلامي المادي. فأعاد صياغتها بلغة العصر و كافة مخرجاته و علمه المتقدم فأنتج هذا العمل بالغ التفرد. بلغت به الجرأة أن ينصبه على مرمى حجر من أعظم روائع العمارة الكلاسيكية الغربية في مجمع القصر. مبناه الرئيس و تلك الكنيسة المجاورة له. دخل معهم في منافسة حادة لا بل تجاوزهم. أثبت لهم مقدرته و مقدرتنا على صياغة معاني ديننا الحنيف و التعبير هنا بلغة العصر. أثبت لهم براعتنا الفائقة في صياغة مفاهيم تراثنا بِأشكال متجددة.

البروفيسور مشارك دكتور معماري/ هاشم خليفة محجوب

امدرمان-مارس 2020

جزء من كتاب من تأليف الدكتور هاشم خليفة سيصدر قريباً بعنوان (العمارة السودانية: مواقف ومشاهد)

Leave a Reply

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d bloggers like this: