الموقع ما يزال في مرحلة التطوير ساهموا معنا بأفكاركم و إقتراحاتكم

+249 90 003 5647 drarchhashim@hotmail.com

رواقات مبني كلية غردون التذكارية: سحر القوافي

من المتوقع ان يقل اهتمامي وولعي ببعض الاعمال المعمارية مع تقادم الزمن وتنامي تجاربي المعمارية وزيادة حصيلتي المعرفية. مبني كلية غردون التذكارية الجوهرة النفيسة التي تزين تاج عمارة جامعة الخرطوم الكلاسيكية الطوبية كسر هذه القاعدة وتحدي الزمن. وصفتها في أكثر من مرة بأغلي آيات الغزل لكني بالرغم من ذلك اشعر بأنني لم اوفها حقها بعد. فقد ظلت دائماً ترفدني وتلهمني بالخواطر التي تفجر في ينابيع الكتابة. فهي عمارة مكتملة الجوانب والدسم مع إن الكمال لله وحده. لعل الخالق العظيم قد يسر لبعض عباده صناعة مثل هذا الإبداع المعماري المدهش كواحد من تجليات عظمته التي تملا الكون.  صاغ البريطانيون من خامة الطوب الاحمر الأثيرة لديهم العديد من الاعمال المعمارية الكلاسيكية الرائعة في مستعمراتهم الموزعة في ارجاء العالم. لكنني اشك في ان اي واحدة منها جاءت تضارع في عظمتها عمارة كلية غردون التذكارية. هذه الفتوي تحتاج لتأكيد من اخينا القانوني الدبلوماسي كمال عبد الرحمن كبيدة فهو خبير في العمارة الكولونيالية بشكل عام وبالتحديد البريطانية.

أشرت من قبل في أحد مقالاتي بان الاعمال المعمارية الكبيرة التي تنبع وتؤسس علي عاطفة جارفة تحتل دائما مكاناً رفيعاً عاليا يقاوم الزمن. تزداد هذه العاطفة قوة وعنفواناً إذا كانت قومية الطابع محمولة على اجنحة امة بأجمعها. اشرت في هذا السياق بالتحديد لعملين من اميز الاعمال المعمارية التي شيدت خلال حقبة الحكم الثنائي البريطاني المصري. أحدهما هو مبني كلية غردون التذكارية في مجمع الوسط الخاص بجامعة الخرطوم. الحالة الثانية هي لمبنيين تؤام يحتلان موقعين متقابلين في الطرف الجنوبي من شارع فكتوريا حاليا شارع القصر. عرف المبنيين في زمان مضي بمدرسة كتشنر الطبية ومعمل استاك. العمارة في كلا المبنيين توشحت تماماً بالحجر الرملي الطبيعي الذي منحها مظهراً مهيباً فخيماً وحضوراَ طاغياَ. تعرضت لهذين العاملين بالغي التميز في مقالة اخري ضمنتها في مواد موقعي الإلكتروني. في هذا السياق تعرضت بإسهاب لقصة تمويلهما. مشيراً للعواطف النبيلة التي لا اشك في انها ساهمت بشكل مؤثر في تفجير كوامن إبداع الجهة المصممة.

في سياق اعمال البريطانيين المعمارية خلال تلك الحقبة سأركز هنا على حالة مبني كلية غردون التذكارية. الذي كنت قد تناولت سيرته من قبل في أكثر من مقالة غزلية الطابع. نوهت في بعضها بالتحديد عن دور العاطفة القومية الجياشة في صناعة هذا العمل المعماري مفرط التميز. التي كانت في هذه الحالة للأسف الشديد نابعة من محتل باغي جسم على صدورنا لنصف قرن من الزمان. محركها كان بطل قومي بالنسبة لهم رفعوه لأعلى المراقيي. ترصعت سيرته الذاتية في البدء ببطولات وانتصارات عسكرية حربية خارقة في بلاد الصين. جعلت حكومته تستعين به في منتصف القرن التاسع عشر لإنقاذ الموقف في السودان عندما تدهورت الاوضاع فيه نتيجة لسوء ادارة الحكم التركي المصري.  فقام بإصلاحات كثيرة وفق التقارير الإيجابية المرفوعة عنه لحكومته. التي رسمت له صورة باهرة مفعمة بالإنسانية جعلته بالنسبة لهم ولو قومه بشكل عام في مصاف القديسين. 

ازدادت صورته ابهارا وقدسية عندما نحره أنصار المهدي وهو على درج قصر الحكم وكان في طريقه لمقابلتهم. اضاف ذلك المشهد المهيب المؤثر لمكانته العالية بين اهله جعلته واحدا من أعظم رموز امته التي حفظت له جمايله وافضاله. حفظها له ايضا زميل له حل محله لاحقا بعد اقل من عقدين من الزمان هو اللورد كتشنر. دفعت به حكومتهم علي راس جيش كبير مكتمل الاعداد في حملة انتقامية جاءت غازية لبلادنا لتضع نهاية للعهد المهدوي. فوضع نصب اعينه هدفا مهما وهو يعد العدة للتأسيس لفترة احتلال عرفت بالحكم الثنائي. فسعي في ذلك السياق بشكل حثيث لكي يرد الجميل لغردون ويخلد ذكراه. كان يخطط لقيام مؤسسة تعليمية لأعداد كوادر وطنية وسيطة تساعد في إدارة شئون الحكم.  فقرر ان يسميهما كاية غردون التذكارية تخليدا لذكراه. اختار لها لمبناها موقعا ممتازا مطل على النيل الازرق وليس ببعيد من قصر الحكم. شيدت بالفعل مع بدايات القرن العشرين لتصبح بعد ذلك لاحقا النواة الاولي لمجمع الوسط الذي تأسست عليه جامعة الخرطوم.   

تفاعل الشعب البريطاني بأكمله مع خطوات كتشنر لتخليد ذكري بطلهم المغوار. فتضافر الجهد الشعبي مع الرسمي في أكثر من خطوة بناءة مؤثرة هبت في البدء في شكل حملة تبرعات واسعة النطاق. مستنهضة همة كافة قطاعات شعبهم لكي تغطي تكلفة المشروع الطموح. اعقبتها خطوة لا تقل اهمية تم من خلالها تنظيم مسابقة استهدفت الجهات المؤهلة للتعامل مع مثل هذا النوع من المشاريع. نجاح هذه الخطوة انعكس بشكل واضح في المحصلة النهائية المتجسدة هذا العمل المعماري بالغ التميز. سبقت العمل في هذا المشروع بالغ الاهمية خطوان إعدادية غير مسبوقة. على سبيل المثال اعدت انواع من الطوب غير مألوفة يشار اليها بطوب الاغراض الخاصة باللغة الإنجليزية بال special purpose bricks. بعضها دائري الشكل وبعضها الاخر على شكل ربع دائرة ونوع ثالث على شكل مثلث معدل نوعا ما. تلك المنظومة من الاشكال سمحت للعمارة ان تحلق عاليا في كافة ابعادها وان تتحني وتتثني كما تشاء. كما جاء في قصيدة المولد للشاعر الفذ محمد المهدي المجذوب في قصيدة المولد الخالدة وهو يصف عصي الدرويش وهو منسجم في حلقة الذكر.

في سرعة يحسد عليها هؤلاء القوم دشن العمل في المشروع مع بداية القرن العشرين بعد اربعة اعوام من اكتساحهم للبلاد وهزيمتهم لجيش المهدويين. حشدت له ادارة الحكم الثنائي كل ما هو مطلوب لتنفيذ مثل هذه المشاريع الطموحة بالغة الرمزية. استقطبت لتنفيذ اعمال البناء عالية التعقيد بحساب تلك المرحلة من تاريخ البلاد اميز العناصر وجلهم من المصريين.  اوكلت الاعمال التي لا تحتاج لعمالة ماهرة لقطاعات من السكان المحليين. تم كل ذلك العمل الكبير المعقد بإشراف مهندسين بريطانيين بدرجة عالية جدا من الكفاءة. أكبر دليل علي ذلك ظهوره بكامل تفاصيله في ابهي حلة. يضاف الي ذلك صموده حتى الآن ما شاء الله لقرابة الاثني عشر عقدا من الزمان بدون ما حوجه تذكر لأعمال صيانة رئيسة. 

تسلسل فقرات مقالتي هنا عن هذا الموضوع تجعلني أبدو كمن يضع العربة التي تجرها الخيول امام الحصان. فقد اسهبت في الحديث عن مواد تشييد المبني وخطوان بنائه قبل ان احدثكم عن ملامح وفكرة التصميم. قصدت ذلك لأنني قد تعرضت لهذه الجوانب من قبل. تناولتها بشئي من التفصيل المعمق في مقالات مضمنه في مواد موقعي الالكتروني وصفحة الفيسبوك عليه لم أرد ان اكررها هنا. انني مستعد لإعانة من يرغب في الاضطلاع عليها بتحديد مواضعها في المصادر المشار اليها هنا. لكنني بالرغم من ذلك سأعود للإشارة لبعض الجوانب التخطيطية والمعمارية كمدخل لموضوعي هنا الذي يركز على الملامح الطرازية. في المبتدأ نقول ان التعامل مع مثل هذه المشاريع تذكارية الطابع يعني بالضرورة بالنسبة للمصمم الآريب اتباع نهج آثاري.  يشار اليه باللغة الإنجليزية بال monumental approach. سأجعل هذه الجزئية نقطة انطلاقي لتناول طراز هذا المشروع عالي الاهمية وبالغ التميز.

من الصعب طرازيا تأطير عمارة مبني كلية غردون التذكارية بشكل قاطع ودقيق في سياق طرز العمارة الكلاسيكية الغربية. فالعقدات او الاقواس وتعرف ايضاً بالآرشات المسننة وهي باللغة الإنجليزية بال pointed arches تصنفها كعمارة قوطية Gothic architecture. لكن ثمة ملامح اخري تحملها في اتجاه اخر فالركائز القصيرة بالغة الضخامة نسبيا تقربها أكثر للعمارة الرومانسكية Romanesque architecture. من ناحية ثالثة نجد ان العمارة هنا في مجملها تحمل نفسا فيكتورياً Victorian touch. الواضح انه كان من اهم ما رمي إليه هؤلاء القوم هنا عبر العمارة ان ترمز لعظمة الحضارة الغربية من خلال عمارتها الكلاسيكية. في هذا السياق يجب ان نشير للمنافسة التي كانت محتدمة بين شقي او قطبي الاحتلال بريطانيا ومصر في هذا المجال خلال فيرة حكمهم الثنائي. إذ كانت كل طرف يحاول أن يبرز عظمة حضارته. من حسن حظنا أن كل جانب وظف عمارته الكلاسيكية كواحدة من الاسلحة المضاءة في هذا التنافس المحتدم. فربحنا نحن وربحت عاصمتنا تراثا فخيما متميزا نرجو ان نجتهد في المحافظ علية.

ثمة امر لافت للانتباه ذو صلة بالجوانب الطرازية لعمارة مبني كلية غردون ليست له علاقة بطرازات هؤلاء القوم الكلاسيكية. فهذا العمل يتسم ببعض ملامح العمارة المدارية المميزة التي تعرف باللغة الإنجليزية بال architecture tropical. اشتهرت وعرفت به عمارة المناطق التي تقع بين مداري الجدي والسرطان. الإشارة هنا تحديدا للرواقات التي تتمدد امام المباني الرئيسة. تعرف عندنا بالبرندات وعندهم بال arcades. هي واحدة من اهم سمات مبني كلية غردون التذكارية المصمم علي شكل حرف يو الإنجليزي المحيط بساحة خارجية. تتمدد على صفحة العمارة تفصل بين اجزاء المبني الرئيسة وتلك الساحة الوسطية.  تخدم عدة اغراض مهمة للغاية واحد من اهمها مناخي. فهي تخفف من تأثير الاجواء الخارجية اللاهبة وتروضها الي حد ما في زمان لم تكن تنتشر فيه وسائل التبريد الميكانيكية. تخدم وتؤدي اغراض اخري فهي مثلا تعمل كموزع تحمل حركة مرتادي المبني وتوزعهم على اجزائه المتعددة. ستكون هذه الرواقات هي محور اهتمامنا هنا. ستكون هي بيت القصيد وملامح القصيدة التي سنستعرض بعضاً من جوانبها.

تكليفي بتدريس مادة تاريخ العمارة التي تشكل مكونا اساسيا في مقررات علوم العمارة جاء بناءً على تخصصي في نظرية العمارة. ظللت اقوم بهذه المهمة لمدة تجاوزت الثلاثة عقود من الزمان. غطيت خلالها مسيرة العمارة في كافة ارجاء العالم منذ عصور ضاربة في القدم حتى زماننا هذا. خلفيتي التي اكتسبتها خلال دراساتي للدكتوراه مكنتني من استكشاف مضامينها برؤية فلسفية معمقة.  من واقع تلك التجربة أجد نفسي قادراً تماماً على تقويم عمل بالغ التميز مثل حالة عمارة كلية غردون التذكارية. نظرتي اليها من خلال بانوراما روائع العمارة العالمية تجعلني اعتبرها واحداً من اروع الاعمال التي درستها عن قرب. من اهم جوانبها وملامحها تلك الرواقات التي سجلت حضورا طاغيا في إطار عمارة كلاسيكية غربية المنشاء. دورها هنا تجاوز المردود المناخي إذ شكلت بركائزها ذات القيمة النحتية الفائقة بصمة طرازية بائنة. هذه الركائز وخلفيتها من االرواقات الممتدة في واجهات المبني ستكون محور اهتمامنا هنا. ستكون هي بيت القصيد وموضوع القصيدة التي سنستكشفها ونفك شفرتها معاً.

حجر الزاوية في تلك الرواقات بالغة العظمة كما اشرت من قبل هي تلك الركائز الطوبية المنتصبة في واجهة المبني. سماتها النحتية فائقة القيمة منحت العمارة بصمة طرازيه بائنة وفجرت مفاتنها وكشفت مكامن جمالها. ادخر امر التعامل مع هذا الجانب بالتفصيل لمقالة غزلية سأتحفكم بها في زمان لاحق. استثمر المصمم هنا مخزون كافة انواع طوب الاغراض الخاصة متعددة الاشكال التي اشرت اليها من قبل. وظفها علي أكمل وجه فحرر العمارة وجعلها تتحني وتتثني في ليونة مفرطة في كافة الاتجاهات. تشبه عصا الدرويش الذي صوره الشاعر العبقري المجذوب في قصيدة المولد وهو يتأرجح في ساحة الذكر في انجذاب تام. عمق من حركة اجزاء الركائز الطوبية النشطة احادية الخامة البنائية. حيث تنساب مساحات الطوب السدابة التي تتسيد الموقف متهادية في دلال حيثما ما تشاء بدون منافسة من اي خامة اخري.  خطوط المونة الجيرية الرفيعة البيضاء التي تربط وحدات الطوب تلعب دورا مؤثرا في هذه السيمفونية المعمارية الرائعة. تمسك من طرف خفي بأطراف الركائز الطوبية وهي تنسرب في خفة في كل الاتجاهات تماما كما تفعل الخيوط الرفيعة وهي تمسك حبات العقد النضيض.

المكون الثاني في رواقات مبني كلية غردون التذكارية الذي يلعب دورا اساسيا في صياغة دراما عمارتها المفرطة التميز هو عرشها او بدقة أكثر سقفها. المدهش في الامر هنا ان سر الروعة نابع من جمال النظام الانشائي او طريقة التشييد. يعرف هذا النوع من انواع السقوفات باسم الاقبية المتقاطعة وهي مشتقة من كلمة قبو. شكل الواحد منها اشبه بنصف البرميل وهي عندما تتقاطع ترسم شكلاً ثلاثي الابعاد في غاية الروعة. شكل القبو المقوس المشيد هنا بالطوب الاحمر هو السر في استخدامه. لأنه يجعله أكثر مقدرة على مقاومة الاثقال التي يحملها وهي في هذه الحالة ارضية الطابق الاول. سطح الاقبية الاسفل أملس ومطلي باللون الابيض وهي خصائص تجعله يبدو أكثر خفة. فتجعل مصفوفة الأقبية المتقاطعة المتتابعة تبدو لكآنها تتهادي مرفرفة في خيلاء فوق فضاءات الرواقات. لكآنها مراكب شراعية تنساب بسلاسة على سطح النهر. سقف الرواقات المتسرب بنعومة مفرطة فوقها يلعب مع الركائز الخارجية الضخمة لعبة (الون تو). التي يجيدها أمهر اللاعبين في فرق كرة القدم العالمية المشهورة. الذين يتألقون حين يتبادلون الكرة فيما بينهن في طريقهم لإحراز هدف أسطوري. علاقة هذين المكونين المعماريين مناجاة طرازية تصنع اروع دراما معمارية. 

المدهش في تصميم مبني كلية غردون التذكارية ان المداخل لهذه الرواقات المتمددة يكون عبر بوابات ضيقة نسبيا لكنها محكمة التصميم تنضح كلاسيكيةً. لكآني بالمصمم هنا اراد ان يفاجئ المقبل نحو المبني بذلك الزخم المعماري المحتشد على جنبات وارجاء الرواقات. فسلاح الادهاش كان دائماً فعالاً للغاية. اجواء الرواقات تأخذ المتجول هناك بعيداً. تملأه احساساً غامراً بانه في ارجاء معبد من الازمنة الضاربة في القدم. تملأ نفسه بأحاسيس طاغية من الهيبة وهذا هو بيت القصيد. يتضاعف هذا الإحساس عندما يخوض المرء هذه التجربة لأول مرة مثل حالة الطلاب الجدد او (البرلومات) كما يسميهم مجتمع الجامعة. حالة الرهبة والمهابة هنا هي التي تمنح العمارة قيمتها المضافة المميزة. هي التي تفرض على الجميع التزام الهدوء بدون ما حوجه للافتات توزع في ارجا المكان. ما احوجنا لمثل هذه العمارة الوقورة الاسرة لتأوي مؤسساتنا الجامعية الجديدة التي صارت تسد افق المدينة. 

عشقي لعمارة مبني كلية غردون التذكارية متجدد ومتصاعد مع مرور الزمن. كلما ما فارقت مباني الجامعة وعدت اليها مرة اخري هرعت اليه بلهفة شديدة. كلما اقتنيت آلة تصوير أكثر تقدما وتتمتع بوظائف وتقنيات أحدث اسرعت نحوها بشوق ولهفة ابتغي صيداً ثميناً. في كل مرة ما كانت العمارة تخيب ظني اذ تكشف لي العديد من مفاتنها التي فاتت علي في مرات سابقة. اقبل عليها دائما متأبطاً فرشتي التي تمكنني من الاستلقاء ارضا لاصطياد زوايا جديدة. كانت العمارة دائما تتجاوب معي بحرفية ودلال وغنج موديل محترفة عارفة شغلها تمام. هكذا صارت دائما علاقتنا الابداعية دائما متجددة عبر الكاميرا. التي دفعتني قبل ثلاثة عقود من الزمان لخوض تجربة فريدة وكنت حينها حديث عهد بهذا المجال الابداعي. غطيت واجهة مبني كلية غردون التذكارية من طرفه الجنوبي الشرقي إلى طرفه الجنوبي الغربي بتسع لقطات متجاورة. فكانت النتيجة عملاً بانورامياً مميزاً. مما دعي مدير الجامعة اوان إذ البروفيسور يوسف فضل بتوجيه إدارة مكتبه بوضع اللوحة في بهو الدخول الرئيس بالطابق الارضي. ظلت هناك لعدة سنوات لكنها اختفت لاحقا ولا أدرى ما حدث لها.

مثل هذه العلاقات الحيوية فتحت لي مؤخراٍ قنوات جديدة في عوالم الابداع. بدأت انظر بتعمق شديد للعلاقة بين العمارة وجوانب اخري منها مثل الشعر والموسيقي. تأملاتي في هذا السياق دفعني بجراءة قبل عامين في عام 2017 بان اتقدم خطوة كانت في نظري مهمة. شجعني عليها الاخ الاصغر المبدع الدكتور صديق عمر الصديق مدير معهد العلامة عبد الله الطيب التابع لجامعة الخرطوم. الذي أبدى حماسا كبيرا لفكرة تقديم محاضرة عن علاقة تلك المجالات الابداعية مع بعضها البعض. فاستجاب فورا لرغبتي في تقديم محاضرة بقاعة الشارقة تتناول هذا الموضوع الحيوي. بالفعل قدمت برفقة الدكتور العلامة المبدع استاذ الموسيقي الدكتور كمال يوسف محاضرة بعنوان – الشعر والموسيقي والعمارة: مقاربات ابداعية. بذلنا فيها جهدا كبيرا اذ جاءت مطرزة بنماذج مدهشة من الاعمال الموسيقية أحسن دكتور كمال اختيارها. تزينت القاعة نهارئذ بحضور نوعي من قامات من اساتذة الشعر والموسيقي والعمارة بالإضافة لرهط من شباب تلك المجالات الواعد. أسهموا معنا جميعا بإضافاتهم الثرية وملاحظاتهم المهمة. أكرمنا معاوني الدكتور مدير المعهد بتسجيل المحاضرة بالفيديو. كملت انا جميلهم بان نشرته في صفحة الفيسبوك الخاصة بي واضفته لمواد موقعي الالكتروني ويمكن الوصول اليهما عبر الرابط: Drhashimk.com

اعتدت أن أزور محجتي الأثيرة مبني كلية غردون التذكارية من وقت الي اخر. أتجول في ساحتها الخارجية امسح ببصري واتأمل واجهات رواقاتها المحتشدة بالتفاصيل المدهشة. اتبع ذلك بتطواف في الرواقات المحفوفة بالركائز الخارجية من جانب وواجهات المياني الرئيسة من الجانب الاخر. ترفرف فوقي سلسلة الاقبية المتقاطعة لكآنها تحملني معها كبساط الريح. تعود بي مثل هذه التجربة المدهشة والسياحة البصرية الخلابة الي عصر امجاد الشعر العربي الكلاسيكي. عصر المعلقات الخالدة التي تخوف عهد الانقاذ البائد من افتناننا بمجمل تفاصيلها فحجبها عنا. تعامل معنا لسذاجته كأننا صبية صغار ومراهقين أغرار فحرمنا منها. تحملني روقات المبني المحتشدة بالتفاصيل الي عوالم القصائد العصماء الالفية منها والنصف الفيه. التي اعتاد الفنان القامة الظاهرة عبد الكريم الكابلي ان يتحفنا بنماذج منتقاة منها. بالرغم من ذلك التراث الفخيم الذي بني مجدنا التليد نجد من يتحفظ على الشعر الكلاسيكي المقفى باعتباره مصطنع. باعتبار ان قواعد اللعبة معروفة ومن السهل اتباعها بطريقة ميكانيكية. تبدأ العملية برص كمية كبيرة من مفردات القافية تماما كما يبدا البناء عمله بتجهيز الطوب. ثم تستمر العملية بطريقة ألية بوضع كل واحدة منها في نهاية ابيات الشعر. 

عمارة مبني كلية غردون التذكارية وتحديدا مكون الرواقات كلاسيكية حتى النخاع باللغة الإنجليزية. hard core اضعها في مصاف تلك المعلقات الخالدات. ان تنازلت فليلا اصنفها مع القصائد الالفية او نصف الالفية التي رصعت تراثنا الشعري الخالد. فهي ملتزمة تماما بكل قواعد اللعبة. لكنها تتمتع بثراء باذخ قوامه تفاصيل مفرطة في التنوع وظف فيها المصمم كافة الاسلحة المتاحة له. تحايل على واقعه الذي اجبره زمانئذ وحبسه في إطار خامة بنائية واحدة هي الطوب السدابة. اذ لم تكن المكونات الاسمنتية والخرسانية متاحة في تلك الفترة في بداية القرن الماضي. تحايل على الامر بالتوظيف الذكي للتنوع في اشكال وحدات الطوب الاغراض الخاصة. صنع منه في إطار مكونات العمارة تراكيب مدهشة. فكسر جمود التكرارية التي هي قوام العمارة الكلاسيكية. في عملية شبيه بالثراء المدهش في روائع الشعر الكلاسيكي.  الذي يستثمر في المفردات المنتقاة بعناية فائقة تجعل كل واحدة منها تنهض لكآنها قصيدة قائمة بذاتها. روائع هذا الشعر تقدم العديد من النماذج المعبرة. هذا هو سر خلودها ومقاومتها للزمن والتكرارية التي هي من سماتها الأصيلة.

اجول ببصري وامسح به واجهات رواقات مبني كلية غردون التذكارية فاقف متأملا واحدة من ركائزها الخارجية العملاقة. أحدق فيها بمنظار الشعر العربي الكلاسيكي. محاولاً اكتشاف ملامح الشبه بينه وبين العمارة التي تنتمي لنفس هذه الفصيلة من فصائل من الابداع. انظر الي هذا المكون المعماري باعتباره بيت شعر قائم بذاته. وحداته قطع الطوب متباينة الاشكال والاحجام هي طوب الاغراض الخاصة التي اشرت اليها من قبل. تباين حجمها وشكلها شبيه باختلاف كلمات بيت القصيدة التي تختلف في عدد احرفها. تفصل بينها خطوط المادة الرابطة المونة الجيرية الرفيعة التي تشبه هنا الفواصل بين كلمات بيت الشعر. انظر احينا لكل ركيزة على حدة باعتبارها بيت من الشعر قائم بذاته. في هذه الحالة تبدو قطع الطوب المتنوعة الاشكال لكآنها علامات الاعراب، الضمة والشدة والفتحة والكسرة. تُرصع بها الكلمات والمفردات فنجلي معانيها وتفضح معها المشاعر والاحاسيس الكامنة بين ثناياها. من زاوية اخري انظر لجزء كبير من واجهة المبني تنساب على صفحته الرواقات المتكررة فالمس تماسكا بائنا في هذه المنظومة. سره يكمن في تكرار العناصر الذي بقوم مقام القافية التي تمسك بزمام ابيات القصيدة.

عمارة مبني كلية غردون التذكارية الرصينة الاسرة المدهشة حركت في كوامن من توع اخر مختلف عن تلك التي حملتني من قبل الي عوالم المعلقات الخالدة. هومت بي هذه المرة فأخذتني وطوفت بي في افاق ودنيا الموسيقي الرحبة والحانها الشجية المعبرة. بالرغم مما يبدو من تباين بين هذين العالمين الا ان المسافة بينهما قريبة نسبة لتشابه منابعهما. الارضية في كلا الحالتين هي الجزور الكلاسيكية. كان الخيار هنا ايضا قمة في التوفيق. استلهام التراث والاتكاء على الارث الكلاسيكي لم يأتي بالصدفة. اسس على طبيعة ونوعية العمارة تذكارية الاسم والمعاني. فالموسيقي الكلاسيكية دائما حاضرة بقوة واصرار في مثل هذه المواقف. نفسها العميق الطاغي هنا يهوم علي روح العمارة ويفرض وجوده على كافة مناحيها وكل تفاصيلها. استدعاء الإرث البريطاني والتراث المعماري الغربي حتمته عدة مسوغات اساسية أشرنا إليها من قبل. 

عمارة مبني كلية غردون التذكارية الفخيمة وهي رابضة عند ضفة النهر تستدعي كل مهابة وسطوة وروح الاعمال الموسيقية الكلاسيكية الخالدة. مثل روائع بيتهوفن وباخ وموتزارت. من اوجه الشبه بينهما هنا التكرارية المميزة المتجسدة في اندياح ارتال الركائز الطوبية طاغية الحضور على صفحة العمارة. التي تمسك بأطراف هذا العمل المعماري الضخم مترامي الاطراف كما يمسك الخيط الرفيع بحبات العقد الفريد. يبدد الملل المتوقع في هذه الحالة كما يحدث في الاعمال الموسيقية الكلاسيكية الكبيرة ثراء الملامح المعمارية المدهشة. الذي يتجلى بوضوح في تفاصيل بالغة التميز. قوامها تناثر وحدات طوب الاغراض الخاصة متباينة الاشكال والاحجام. التي تتوزع بجزالة مطوقة الركائز لكآنها فواصل من العزف المنفرد، الصولو، لعازف مجود حازق منتشي بما يقدمه من مقاطع. الذي يؤدي دوره بانضباط عالي كجزء من منظومة جوقة موسيقية مكتملة العدد.   

أتأمل مكونات واجهات مبني كلية غردون التذكارية فتبدو لي تماما كجوقة موسيقيين، اوركسترا، مكتملة الاركان. في كاملة اناقتهم التي تشي بروح انضباط واحترافية عالية. ينتصب امامهم في رشاقة بائنة وزهو مقترن بثقة عالية في النفس قائد الفرقة المايسترو. منتصبا وممسكا بعصاه الرقيقة في حركات انسيابية تداعب الهواء. يماثل لي هنا المعماري الاريب القابض بمهارة على مفاتيح اللعبة. من واقع طبيعة المبني ومواد بنائه احادية الطابع التي يتسيدها طوب السدابة، اتخيل ايضا تسيد الآلات الوترية في منظومة الفرقة الموسيقية. القيثارات، الكمنجات، واخواتها الكبار الشيلو والكاونتر باص. من طرف قصي تتواصل معهم في حميمية بائنة آلة الهارب تداعبها انامل حسناء برقة فتوشوش بنغمات هامسة. فترسم أنغام تلك الآلات الوترية المنسجمة منظومة في غاية العزوبة. مشابه لتلك السيمفونية المعمارية. التي يرسم ملامحها تسلل وحدات طوب الاغراض الخاصة و هي تلتف في رقة و حميمية بالغة تتحسس اسطح الركائز الطوبية.  

اروقة مبني كلية غردون التذكارية المرسلة بسخاء امام مبانيها الرئيسة تحكي قصة اخري لا تقل روعة. تنسج هنا ايضاً في سقفها عمارة كلاسيكية لكن بنبرة أخف تتسم ببعض ببساطة لم تحرمها من ذلك النفس المعتق. مستخدمة اسلحة اخري بالغة الفعالية مستجلبة من نفس النبع الثر. منتجة منظومة بديعة تستلهم مرة روح ونفس الشعر العربي الكلاسيكي الرصين. مرة اخري ومن نفس تلك المنابع التاريخية، تتأسي بموسيقي الازمنة القديمة المعتقة. تقدم مجمل رسالتها هنا وتلخصها عبر سقفها المدهش المتسلح بنظامه القبوي البديع. تراهن العمارة هنا ايضا على سلاح التكرارية سمة الكلاسيكية الاساسية وبصمتها البائنة. لكنها تتحايل بمعالجات ذكية تكسر الملل. فنظام القبو هنا ينتج بتقاطعه اشكال مدهشة تتهادي وحداتها في دلال باذخ متوجة رواقات المبني. يكسر المصمم تكرارية الوحدات بمعالجة إضافية تبث الحيوية في اجواء الرواقات. تفصل بين الوحدات القبوية اقواس طوبية رشيقة. تنهض من الركائز الخارجية عبر الرواق لتستقر في ركائز على واجهة المبني الرئيس، سطحها الخشن المشيد من طوب السدابة يغازل أسطح الأقبية البيضاء ناعمة الملمس. يعزف المصمم هنا على وتر التضاد فيمنح العمارة زخة من الحيوية. يوظف في مجمل عمارة عرش الرواقات العديد من الاسلحة المضأة فيتقرب ويتودد ويخر ساجدا امام عرش الكلاسيكية بأركانه الشعرية والموسيقية.   

 

حبي الجارف وعشقي الازلي لعمارة جامعة الخرطوم الكلاسيكية والتاريخية يجعلني دائما أخاف عليها كخوف الام الرؤوم على اطفالها الصغار. مشاعر يشاركني فيها العديد من عدة اجيال بما في ذلك شريحة الشباب. الذين انتفضوا قبل بضع سنوات عند سماعهم انباء عن عزم الجهات الرسمية بيع مباني الجامعة. تفاعلوا معها وخرجوا بشكل تلقائي يجوبون الشوارع المحيطة بها يتحدون بطش العسكر بصدورهم العارية. فنالهم ما نالهم بعد ذلك من الأذى الجسيم في معتقلات الامن. أسالوا عن ذلك الاخ الاصغر الباشمهندس حسن محمود حامد فقد كان واحد منهم. خوفي علي عمارة الجامعة التاريخية ليس فقط من قبل الجهات الرسمية العليا ممن هم خارج إطارها. الأذى يطالها احيناً ممن هم بداخلها من الجهات العليا ومن هم اقل منهم درجة مثل العمداء ورؤساء الاقسام. الامر الذي كثيرا ما يحدث بحسن نية. الواقع ان الواحد منا لا يلومهم هم. لكنه يلقي باللائمة على نظمنا التعليمية ومناهجنا الدراسية التي لم تعدهم بشكل جيد من قبل لمواجهة مثل هذه المواقف. التي تكاد تخلو مقرراتها في المراحل الدراسية الاولي عن التبصير بأهمية وعظمة تراثنا المعماري.

انقطعت صلتي بالجامعة وكلية العمارة لفترة طويلة ولم أزورها طوال قرابة العقدين من الزمان الا لماما. عليه يصعب على تحديد حجم ونوعية الأذى الذي انتاش عمارتها التاريخية خلال تلك الفترة. مبلغ علمي انه لم تحدث عمليات ازالة كاملة وهدم مؤثر استهدف مباني رئيسة او مهمة. بطبيعة الحال كثيرا ما تكون هناك حوجه لعميات توسعة او إضافات واحينا تجديد. المشكلة انه عادة ما يستهان بمثل هذه الاعمال فيوكل امرها لشخص غير مختص او معماري محدود القدرات قد لا يحسن التعامل معها. إذا استهدفت مباني تاريخية يمكن ان تكون النتائج كارثية ذات اسقاطات طرازية سلبية خطيرة. تعتبر مثل هذه الحالات بالغة التعقيد. في مجال الجراحة هي شبيهة بعمليات نقل الاعضاء التي تحتاج لجراح بمواصفات خاصة وعلم غزير وخبرة طويلة. تحتاج ايضا لتجهيزات معقدة تمكنه في النهاية ان يكمل العملية بنجاح مستخدما مبضعه بمهارة وحرفية عالية.

نحن في هذا السياق يجب الإشارة الي واقعة بالغة الاهمية لأنها بالتحديد معنية بأمر مبني كلية غردون التذكارية محور حديثنا هنا. قبل عدد من السنوات مر بعملية كبيرة مؤثرة للغاية قد لا يكون أحس بها العديد منا حتى العاملين والمتعاملين معها من اهل الجامعة أنفسهم. قصة كان بطلها البروفيسور احمد الفحل وهو من منسوبي كلية الطب والقيادات الاكاديمية والبحثية المؤثرة في الجامعة. عرفته عن قرب خلال فترة قيامه بهذه المهمة التي يجب ان تثير ما تحتاجه من لغط نسبة لحساسيتها وارتباطها باعلي مباني الجامعة قيمة آثارية. البروفيسور شخصية جديرة بالانتباه والاهتمام. فهو يتمتع بهمة عالية للغاية وحس حضاري فريد وذوق فني رفيع وإحساس غامر جداً بالانتماء للجامعة. حدث ما حدث إبان تولية عمادة المكتبات بالجامعة مما مكنه من ان يفرض كامل سيطرته على كل ما يعني هذا المبني المخصص لمكتبة الجامعة الرئيسة. لمست عن قرب ما حققه من إنجازات مقدرة على كافة الاصعدة الخاصة بهذا المشروع. ما يعنيني منها هنا هو امر بنيانها وعمارتها التاريخية التي استقطب الدعم من خارج الجامعة فأحدث فيها نقلة فوق التصور. المشروع بكامله يحتاج منا لوقفة تآمل فاحصة لا يتسع المجال هنا للتعامل معها.    

بعضُ مما اوردته هنا فيه مؤشرات واضحة لأهمية وضع ضوابط تحكم عملية التعامل مع منشاءات ومباني الجامعة التاريخية. اري انها متنوعة في طبيعتها وتعمل على عدة مستويات وتغطي عدد من الجوانب ذات الصلة بهذا الشأن. قبل ان أقدم اي مقترحات اقول ان اهل مكة أدرى بشعابها. فالجامعة ما شاء الله تتوفر على عدد من الجهات والكيانات العلمية المعنية بهذه القضية. كليات ومعاهد ومراكز واقسام مثل قسم او كلية التاريخ وقسم الاثار وكلية العمارة وقسم الهندسة المدنية بكلية الهندسة. بالإضافة لجهات اخري معنية به بشكل غير مباشر. في هذ السياق اقترح ان يشكل مدير الجامعة هيئة استشارية تعينه في التعامل مع هذا الجانب. من اهم الجهات التي يجب ان تلعب دورا مؤثرا مباشرا هي الادارة الهندسية. اذ لم يكن لها دور فعال يجب اعادة النظر في هياكلها بحيث تستوعب كفاءات قادرة على تحقيق الاهداف المنشودة. طلاب كلية العمارة وقسم الآثار أنفسهم يرجي منهم الكثير فقد علمتنا الانتفاضة الاخيرة دور هذه الشريحة المؤثر. الذي يمكن ان يقوموا به هنا في كفاءة عالية عبر جمعياتهم الطلابية ومجموعات الضغط.   

ثمة رسائل اود ان ارسلها للبروفيسور فدوي مديرة الجامعة بالإضافة لرجاء خاص بتفاعلها مع كافة التوصيات التي تسعي للمحافظة على تراث الجامعة المعماري. اتمني ان توضع لوحات بشكل بارز في مداخل عدد من مباني الجامعة التراثية بها معلومات اساسية عن المبني مدعمة بالصور الفتوغرافية. على ان تعد بطريقة علمية وبأسلوب جاذب ومشوق. اعد بالمساهمة في هذا المشروع إذا تراضت على ذلك الجهات العلمية المعنية. يكتمل رجائي هنا باخر ذو صلة به. نرجو ان تُخفف الضوابط الامنية في مداخل الجامعة لكي تسمح بزيارات من يرغب في التعرف على معالمها. فتراثها المعماري ليس بأقل قيمة من اغاني الحقيبة. لي رجاء اخر متصل بشكل مباشر بالسيدة المديرة ومجمع مكتبها. مشروع بدأته قبل ثلاثة عقود مع المدير اوانئذ بروف يوسف فضل آمل في ان اتمكن من استكماله.  معرض صور فوتوغرافية دائم يزين جوانب مجمع المكتب يعكس معالم معمارية من مجمعات الجامعة. بعض من اعمالي كانت بالفعل معروضة. استكمالا لهذا المشروع كنا نخطط لطباعة كروت معايدة فوتوغرافية لمعالم الجامعة لاستخدام المدير ورؤساء المراكز والعمداء. آمل في اسمع راي السيدة المديرة في مقترحاتي الاخيرة.   

نحن نصل لنهاية هذه الرسالة المطولة تبقي هناك بضع اسئلة بالغة الاهمية يجب الإجابة عليها. كمدخل مهم للمضي قدما بنجاح في تحقيق غاياتنا المرتجاة التي نأمل في ان تساعد في حملة المحافظة على تراث الجامعة المعماري. السؤال الاول، هل ما يتلقاه الطلبة من دروس عن هذه المباني من حيث المحتوي والمضامين السامية كاف لكي يحرك اشجانهم بشكل يؤهلهم لتكوين مجموعات ضغط فعالة؟ هل هؤلاء الاساتذة مؤهلون حقاً وفق تخصصاتهم للقيام بهذا المهام بدرجة عالية من الكفاءة؟ السؤال الثاني أكثر إحراجاً. كثيرا ما نستخدم مصطلح عمارة الجامعة التاريخية ونكرره بدون ان نحدد حاجزا زمنياً نبني عليه هذا التصنيف. المؤسسات الثقافية العالمية وضعت فترة خمسين سنة كحد يصبح بعده المبني تاريخيا يجب المحافظة عليه. يشار اليه باللغة الإنجليزية بال listed building. سمحت في بعض الحالات بتقليل هذه المدة في حالة الاعمال بالغة التميز. اري ان هناك بعض مباني الجامعة التي شيدت حديثا جديرة بان تنال هذا الشرف. انا شخصيا اعتبر ان مجمعات جامعة الخرطوم تمثل متحفاً حياً بالغ الاهمية يؤرخ لمسيرة العمارة السودانية في عدد من مراحلها المفصلية. العديد من مقالاتي السابقة تقدم في ثناياها دفوعات ومرافعات جديرة بالانتباه.  

تبقي بضع كلمات في غاية الأهمية يجب ان اختم بها رسالتي منعا للالتباس. يجب ان لا يُفهم تمجيدي لهذه العمارة التاريخية الكلاسيكية انها دعوة لإعادة استنساخها مرة اخري ونقلها حرفياً. قد يفهم الامر على هذا النحو بالذات عندما اشرت لخواء تصاميم مباني بعض الجامعات الجديدة. منوهاً لخلوها من مظاهر الوقار والهيبة المتوقعة في مثل هذه الحالات. ما كنت اعنيه وابشر به دائماً ان نتأمل بعمق في تلك الاعمال الخالدات ونستوعب الرسائل المضمنة ومستبضة فيها. التي منحتها ذلك الألق والكبرياء والمهابة. الغرب الأوربي استشعر خواء عمارة الحداثة قبل أربعة عقود من الزمان. عندما بحث عن مخرج من هذا المآزق وجده في لدن العمارة الكلاسيكية. بعض العباقرة من معماريهم وعوا ذلك الدرس جيدا فوظفوه وعبروا بالعمارة إلى بر الامان بدون ما نقل حرفي من التراث. استلهموا روحه المتدفقة بالمعاني النبيلة ففجروها في اعمال استوعبت مستجدات العصر بكل مكوناته. واحد من معمارينا تنكب هذا الدرب بنجاح وقدم عملاً موفقاً في هذا السياق. الإشارة هنا لأخينا الاصغر الدكتور الالمعي ابو بكر حسين العميد الاسبق لكلية العمارة بجامعة الخرطوم والعمل هو سور مجمع الوسط الشمالي المقابل للنهر. يستخف به البعض لأنه مجرد سور وليس بمبني. الاعمال المعمارية المميزة لا تقاس بهذه المعايير السطحية. من فرط افتتاني بهذا العمل استعرضته في مقالة في صفحة الفيسبوك وجدت لها مكاناً في موقعي الإلكتروني.

البروفيسور مشارك دكتور معماري/ هاشم خليفة محجوب

امدرمان نوفمبر 2019

Comment 1

  1. لله درك يامعالي البروف مقال في منتهى الروعة صياغةً و مضموناً

    Reply

Leave a Reply

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d bloggers like this: