الموقع ما يزال في مرحلة التطوير ساهموا معنا بأفكاركم و إقتراحاتكم

+249-9-15176522 drarchhashim@hotmail.com

جزء من كتاب من تأليف الدكتور هاشم خليفة سيصدر قريباً بعنوان (تاريخ البيت الحضرى فى السودان)

 

     

سرايات السيد عبد الرحمن المهدى طرزت عمارة العاصمة فى نصف القرن الأول

كانت لسلطة الحكم الثنائى نظرة خاصة للإمام عبد الرحمن المهدى. تعاملت معه بحذر و إستراتيجية محددة مرسومه بعناية فائقة. ضيقت عليه الخناق فى العقود الأولى من القرن العشرين. لكنها بعد ذلك غيرت سياستها تماماً فتقربت منه و إليه لأسباب موضوعية. من أهمها أنها أرادت أن تجعل منه منافساً قوياً للقطب الأخر المنافس له، السيد على الميرغنى الذى إستمالته مصر شريك بريطانيا فى سلطة الحكم الثنائى.

لهذه الأسباب فتحت الباب على مصراعية للسيد عبد الرحمن و دعمته بشكل كبير. مهدت له كل السبل ساعدته مع مرور الزمن فى تأسيس مؤسسة إقتصادية عملاقة إرتكزت على أنشطة متعددة قوامها الأساسى الزراعة سميت بدائرة المهدى. و سمحت له بعد ذلك بتكوين كيان سياسى موازى عرف بإسم حزب الأمة. كانت قاعدته الأساسية أنصار المهدى ممن ناضل مع الإمام محمد أحمد المهدى و أبنائهم من بعهد، مع فتح الباب لكل السودانيين خارج هذا الإطار.

كان السيد عبد الرحمن المهدى، و برضى الجميع، على راس هذه المنظومة الثناية القوية المكونة من دائرة المهدى و حزب الأمة. ساعده فى ذلك وزنه الدينى و فطنته و ذكائه الوقاد و أهم من ذلك جاذبية و (كازميه) عالية تميزت بها شخصيته. أعانته تلك الخصائص فى لعب دور مقدر مؤثر. كانت له ابعاد دينية روحية و سياسية و مجتمعية ملموسة خلال مرحلة مفصلية من تاريخ السودان الحديث توجت بنيل الإستقلال.

كان السيد عبد الرحمن المهدى فى منتصف القرن العشرين راس الرمح فى مرحلة حراك شامل ملموس شهدته البلاد كان مسرحه على وجه الخصوص عاصمتها الخرطوم الكبرى. دوره القيادى زمانئذ جعله فى مصاف الملوك. لكنه كان ملك من نوع خاص تميز بتواضع جم تحرسه نزعة شعبية محببة مكنته من لعب أدوار مجتمعبة مقدرة. تلك الخصال النبيلة عززت من شخصيته كرمز دينى روحى و كقائد سياسى مرموق و كشخصية مجتمعية جذابة و محبوبة للغاية.

فجر ذلك الزخم و الحراك الشامل الذى قاده السيد عبد الرحمن و أسس لأطر معمارية بالغة التفرد إرتبطت به بشكل خاص. كانت فى مجملها سكنية  وإدارية الطابع و الإستخدامات. ظهرت فى شكل مبانى يشار إليها بالسرايات و هى أشبه بالقصور. إنتشرت هنا و هناك و تركزت فى مواقع فى مدينتى الخرطوم و أمدرمان. تمددت خارج هذا الإطار إذ شيد السيد عبد الرحمن سرايا فخيمة بمقاييس ذلك الزمان فى موقع مترامى الأطراف يشار إليه بالجزبرة أبا يقع جنوب الخرطوم على ضفاف النيل الأبيض. أهمية تلك المنطقة و المدينة الشاطئية الصغيرة أنها كانت فى سابق الزمان نقطة إنطلاق الثورة المهدية.

الأجواء الملوكية التى أحاطت بشخصية السيد عبد الرحمن المهدى كانت فى حوجة ماسة لإطر معمارية تعزز من قيمتها. فأعدت بعناية فائقة الدور و البنايات و السرايات و الإستراحات و الصالونات و المجمعات  المكتبية الأنيقة. نجحت بجدارة و شكلت المسارح و المنصات الملائمة التى أستوعبت ذلك الزخم المتدفق من الأنشطة ذات الطابع الروحى الدينى و السياسى و المجتمعى و الإقتصادى. كانت بحق عمارة بالغة التفرد تضج أبهة (برستيجاُ) من كلمة prestige الإنقليزية. توشحت باللون الأبيض و طرزت بملامح  و مفردات مقتبسة من العمارة إسلامية تاكيداً للهوية الروحية الإسلامية أس العقيدة الأنصارية.

إتساقاً مع عنوان هذه الدراسة سيكون تركيزنا هنا على مساهمات السيد عبد ارحمن المهدى فى مجال العمارة و المبانى السكنية و تلك التى لها علاقة مباشرة بها. يجب أن نذكر أن هناك إنجازات فى إطار نوعيات أخرى من العمارة مثل مبنى (دائرة المهدى) التى كانت معنية بإدارة النشاط الإقتصادى لأعمال السيد عبد الرحمن و طائفة الأنصار. من أهم إنجازاته خارج إطار العمارة السكنية مجمع قبة المهدى الذى شكل منظوعة متكاملة تضج أبهة و بهاءً. كان مسرحاً  لأهم الأنشطة الدينية الروحية و السياسية لعقود عديدة من الزمان. جزء مهماً منه يمكن أن يصنف فى إطار العمارة السكنية.  الإشارة هنا لذلك الصالون الفسيح الفاخر المحاط بالرواقات البديعة الذى تتصدره مصطبة رحبة محفوفة بالسياجات المزدانة بالفوانيس.

إهتم السيد عبد الرحمن المهدى بشكل كبير بأمر بيوته و سراياته. كلمة سرايا و هى تركية، كان لها وقع خاص و تشئى دائماً بلفخامة و السلطة. هذا الإهتمام لم ينشاء من فراغ أو من منطلقات أنانية نرجسية.  الإمام كان رجل إجتماعى من الدرجة الأولى إمتدت علاقاته القوية مع عدد كبير من أطياف المجتمع السودانى و الأجنبى. بالإضافة لإدواره المؤثرة الفعالة على الأصعدة الدينيه الروحية و السياسية، كان له إهتمام خاص بالشأن الثقافى و الفنى و تواصل حميم مع رموزه.  حتى ظرفاء المدينة كان لهم مكان مميز فى مجالسه العامرة. حدائق و مصاطب و قاعات سراياته و إستراحاته حسنة التهيئة و الإعداد كانت خير إطار لإستعاب ذلك الزخم المصطخب المشع من شخصية الإمام عبد الرحمن الكارزمية.

كانت سرايته القصر فى الجزيرة آبا على ضفاف النيل الأبيض هى الأكبر و الأفخم بمقاييس العقود الأولى من القرن الماضى. مبانيها الرئيسة كانت محفوفة بالرواقات- البرندات،  المؤطرة بالعقدات، الأقواس أو الآرشات، المفتوحة المحمولة على الأعمدة كلاسيكية الهوى و الهوية. كل ذلك الألق المعمارى كانت تحيط به البساتين الغناء إحاطة السواد بالمعصم. الإهتمام المفرط زمائذ بسرايا الجزيرة آبا كان نابع من أن مكانها و موقعها كان قبل فى زمان سابق نقطة ‘إنطلاق الثورة المهدية.

من المحزن حقاً أن هذا التراث المعمارى الفخيم قد جار عليه الزمان فى ضربتن قاضيتين خلال الأربعة عقود الماضية  عصفت بالعديد من جوانبه و شوهت معالمه المشرقة. قصفته طائرات الرئيس نميرى فى سبيعنيات القرن الماضى فدمرت بعض أجزائه. الضربة  الثانية التى حدثت فى تسعينيات القرن الماضى لم تتم عبر عمل عسكرى لكنها كانت أكثر إيلاماً و تأثيراً سلبياً. فى خطوة إستهدفت فيها سلطة نظام ثورة الإنقاذ الوطنى مؤسسة الأنصار و قائدها السيد الصادق المهدى، أستولت على مبنى السرايا و حولته لمقر رئاسة جامعة أسستها فى تلك المنطقة.  فى حالة محزنة إستباح المسئولين عن هذه العملية تلك العمارة التراثية الرائعة و فعلوا بها الأفاعيل و شوهوا ألقها الكلاسيكى المتماسك محلى الهوية.

تركزت مجهودات السيد عبد الرحمن لاحقاً فى تشييد السرايات و الإستراحات فى الخرطوم الكبرى. أمدرمان التى إختارها الإمام محمد أحمد المهدى كعاصمة لنظامه الثائر فى نهايت القرن التاسع عشر كان لها لها نصيب الأسد. لكن الخرطوم حظيت بسرايا صغيرة نسبياً تعتبر الجوهرة الثمينة على تاج تلك المنظومة الرائعة من التحف المعمارية. سنستعرض لاحقاً جوانب تميزها و أهم ملامحها و المصير المؤسف الذى ألت إليه.

كانت مدينة أمدرمان المركز الذى إنطلقت منه أنشطة السيد عبد الرحمن نسبة لرمزيتها الخاصة المستمدة من تاريخها المجيد. زاد من أهمية المدينة وجود مبنى ضريح الأمام محمد أحمد المهدى الذى إجتهد الإمام عبد الرحمن فى تجديد مبانيه على أحسن و أجمل ما يكون. أضاف مبانى مجاوره له جائت بنفس المستوى شكلت كلها مجمع مشرف. من أهمها صالون كبير فخيم ملوكى الحجم و الملامح. شهدت أرجائه و رواقاته و المصاطب و الحدائق المحيطة به أهم لقاءات السيد عبد الرحمن مع مريديه و أحبابه و ضيوفه المهمين. تزينت العمارة فى مجمع قبة المهدى و إكتحلت بالأعمدة كلاسيكية الهوية و بلمسات الديكور الخارجى المشعة باللون الفضى.

كان للسيد عبد الرحمن أكثر من سرايا فى مدينة أمدرمان.  واحدة من مبررات تعددها هو تعدد زوجاته إذ تزوج بأربعة. كانت هناك أسباب أخرى مقنعة لتعدد السرايات. أقدم و أهم و أفخم تلك السرايات كانت جزءً من مجمع فى حى العباسية بمدينة امدرمان الذى كان مخصصاً لبيوت أهم القيادات الأنصارية. بعضهم كان أكثر قرابة و قرباً للإمام محمد أحمد اامهدى من أمثال أسرة محمد الامين شريف و آل على ود جلو. لهذا السبب سميت تلك المنطقة من المدينة بحى الأمراء.

تخطيط مجمع العباسية و تصميم مكوناته فيه مؤشرات مهمة تدلل على فكر الإمام عبد الرحمن المهدى المتقدم. نفس تلك الأفكار كررها و جسدها مرة آخرى بمجمع سراية بالغة التميز فى الخرطوم. هذه الظاهرة تعكس شخصية الإمام بجوانبها المتعددة المتوازنة. فقد جمع نمط حياته فى توافق سلس بين أسلوب الرمز الصوفى الدينى الأوحد زمانئذ و القائد السياسى المحنك و رجل المجتمع المؤثر و رب الأسرة الرؤوم. الواضح إن تجاور و تداخل مكونات مجمع العباسية ساهم بشكل كبير و كان بمثابة الإطار الداعم للأسلوب حياة الإمام المتفرد.

كانت السرايا هى المكون الأساسى فى مجمع العباسية و حجمها الضخم جعلها مهيمنة فهى مكونة من طابقين. شكلت حضوراً باذخاً برواقاتها العميقة ذات الواهجات المتوجة بالعقدات- الأقواس- نصف دائرية الشكلو المطرزة بتيجان الأعمدة ذات الملامح الكلاسيكية. فى حالة نادرة مخالفة لما هو متبع فى عمارة السرايات كانت فى هذه الحالة مدهونة باللون البيج و ليس الأبيض. إحتلت السراية مع مكونات أخرى مهمة فى المجمع مكاناً متقدماً فى موقع شاسع فى منتصف حى الأمراء.

شُيد خلف السراية من الناحية الغربية قصر صغير فى غاية الأناقة خصصه الإمام لأسرته. مكانه لم يكن ببعيد من السراية لكنه ليس ملتصق بها.  المفهوم ضمناً أن السراية كانت مخصصة لأدارة شئون طائفة الأنصار و حزب الأمة بالإضافة لكل ما يتصل بهما من زخم ثقافى مجتمعى. من المهم هنا إستيعاب العلاقة المكانية بين المبنيين. لكآنى بالإمام هنا أراد تذوب أسرته خصوصاً أبنائه و يتفاعلوا بشكل نشط حميم بأهم مركز للحركة الصوفية الدينية و السياسية و المجتمعية فى فترة من أخصب فترات حركة الأنصار و حزب الأمة. هذا الترتيب يعبر بوضوح عن فلسفة السيد عبد الرحمن التربوية التى أتت أكلها لاحقاً بتفريخ أجيال و عدد من قادة الفكر و السياسة و العمل العام لهم وزنهم مهما إختلفنا معهم سياسياً.

بالإضافة لسراية العباسية كانت هناك واحدة أخرى لا تقل أهمية شيدت فى حى ود نوباوى. كان لهذا الحى رمزية خاصة لانه إرتبط منذ قديم الزمان بقبيلة الأمام محمد أحمد المهدى- الدناقلة أو أهل البحر كما كان يشار إليهم فى ذلك الزمان. تعززت أهمية هذه السراية لأحقاً عندما آلت لأحد أبناء السيد عبد الرحمن و هو الأمام الهادى. كما هو الحال بالنسبة لأغلب السرايات توشحت العمارة هنا باللون الأبيض. تميزت واجهاتها بالرواقات- البرندات- العميقة المكللة بالعقدات- الأقواس- نصف دائرية الشكل كإشارة من طرف خفى للعمارة الإسلامية. 

فى زمان لاحق فى خمسينيات القرن الماضى أضاف السيد عبد الرحمن سراية أخرى فى مدينة أمدرمان إرتبط أمر تشييدها بهدف يشير إلى الدور المتعاظم الذى إضطلع به الإمام أوانئذ. شيدها خصيصاً لكى يستضيف فيها الملك فيصل ملك المملكة العربية السعودية. شيدت فى موقع إستراتيجى ممتاز مطل على نهر النيل فمنحها ميزة لم تتوفر لباقى سراياته. لكن العمر لم يتيح للإمام إتمام العمل بهذه السراية إذ توفاه الأجل قبل إكمالها. فى حالة مشابه لها لباقى السرايات جائت عمارتها بيضاء بغير سوء. ملامحها الخارجية كانت إلى حد ما مشابه للأخريات إلا أن المعالجة العامة إفتقدت لنبرة الكلاسيكية الصريحة إذ أنها شيدت فى زمان شهد بداية تباشير رياح الحداثة. 

حظيت أمدرمان بمبنى متفرد فى إطار منظومة العمارة شبه السكنية الى إرتبطت بإنجازات و نمط حياة السيد عبد الرحمن المهدى. الإشارة هنا لتلك الإستراحة الصغيرة الأنيقة المشيدة فى موقع رائع على ضفة النهر فى الجزء الشرقى من حى الملازمين. فكرتها تدلل على الأحساس الملوكى العالى للسيد الامام. كان يرتادها و خصصها لدعوات و حفلات الشاى و المرطبات. إكتسبت أهمية خاصة لأنها كانت مطلة على مرسى باخرته الصغيرة (الطاهرة).

مبنى إستراحة حفلات الشاى كانت تتصدره مصطبة فسيحة مطلة مباشرة على النهر و محفوفة بالحدائق الغنا. عرشها منحدر على الجانبين مما يجعلها تشبه غلى حد بعيد طراز يعرف فى الغرب بالعشة الإنقليزية English cottage. لأنها صغيرة الحجم تبدو فى غاية الأناقة. أبواب الإستراحة الرئيسة فى الواجهة الشرقية المطلة على المصطبة و التهر مكللة و تعلوها عقدات نصف دائرية الشكل. مثلها مثل أغلبية مبانى سرايات السيد عبد الرحمن مطلية باللون الأبيض.

فكرة الإستراحة بموقعها المميز و إطارها الطبيعى الرائع و شكلها الأنيق المشرف تدلل على ذكاء الإمام و حكمته. فقد كان فى أمس الحوجة إليها لإستقبال و الإحتفاء بضيوفه الأجانب المهمين فى إطار دوره السياسى المتعاظم زمانئذ. موقعها كان ملائماً جداً. لأنها على مرمى حجر من الناحية الجنوبية الغربية من السراية القصر الذى كان قد شرع فى تشييدها قبل مماته لإستضافة ضيفه الملك فيصل خلال زيارته للسودان.

بالرغم من أن نصيب الخرطوم كان سراية واحدة فقط إلا أنها كانت الاعظم على الإطلاق و لا نظير لها إذا قورنت بالأخريات. بالرغم من صغر حجمها النسبى إلا أن شكلها العام و ملامحها بالغة التمييز ترتفع بها لمصاف القصور الفخيمة. خلفية هذا المبنى تدلل على سر تفرد عمارتها. كانت فى الأصل مملوكة لأسرة من الشوام أو الأرمن ثم إشتراها بعد ذلك السيد عبد الرحمن الذى كانت تربطه علاقات حميمة ببعض رموز تلك الجاليات الأجنبية. أضاف لموقعها الصغير مساحة كبيرة بمقدار مربع سكنى كامل. طور المبنى بعمل إضافات ملموسة منحت العمارة سمة كلاسيكية ناصعة جعلته فى مصاف القصور.  

واحد من أسباب تميز هذه السراية موقعها المطل على شارع رئيس بمنطقة الخرطوم شرق التى خصصتها إدارة الحكم الثنائى لبيوت منسوبيها البريطانيين. عزز من تميزها تشييد مبنى كبير و مهم مطل على الجانب المقابل من الناحية الجنوبية للشارع خصص لرئاسة (دائرة المهدى). (الدائرة) كانت هى الذراع الإقتصادى (لحزب الأمة) التنظيم السياسى المنبثق من كيان الأنصار الكاسح  أسسه السيد عبد الرحمن المهدى. من مميزات موقع السراية أنه لم يكن ببعيد من النيل الأزرق، و إرتفاع مبناها المكون من طابقين  جعل بالإمكان مشاهدة منظره البديع من طابق السطح. تلك المزايا جعلتها تكاد تنافس مبنى سراية الحاكم العام المشيدة على ضفة النهر.

 مبنى السرايا الرئيس و المصطبة المرتفعة الملحق به مشيد على الطرف الشرقى من موقع فسيح.  تتصدر المبنى من الجانب الغربى مصطبة مرتفعة مطلة على حديقة متطاولة.  كانت هذه المصطبة تسمى المسرح لأن الإمام كان يخاطب منها مريديه و ضيوفه ممن يحتشدون فى الحديقة. شرفات المبنى المعلقة فى الطايق الأول كانت تستخدم لنفس الغرض.

مبنى السرايا و شكله العام و كل تفاصيله كان يضج و ينضح (كلاسيكية). من أول مؤشرات الكلاسيكية هنا جلوس المبنى على مصطبة مرتفعة. يضاف إليها التطاول البائن فى البنيان المؤسس على إرتفاع سامق للطوابق. الأحجام الكبيرة للغاية لبعض أجزاء المبنى مثل الأعمدة تعزز من الإحساس بالضخامة المفرطة.  من أهم الشواهد على الهوية الكلاسيكية طرازات العديد من مكونات و مفردات عمارة المبنى. تدعهما واحد من أهم ممسكاته هى الإحادية اللونية، طلاء المبنى بكامله بلون واحد هو على غير العادة البيج الفاتح و ليس الأبيض.  

كانت تلك السرايا بلا شك واحدة من أهم بيوت السيد عبد الرحمن المهدى. تميزت على غيرها من باقى السرايات بتواجدها فى الخرطوم التى بدأت تدريجياً تسحب البساط من أمدرمان. كانت هذه السراية، بموقعها المميز و مكوناتها الرئيسية و الخدمية و مساحاتها الخارجية مهياء تماماً لإستيعاب دوره المتعاظم المهم فى قيادة الحركة السياسية و المجتمعية زمائذ. أضفى عليه ذلك الإطار المعمارى الرائع المتكامل مع مبنى (دائرة المهدى) المواجه له هالة ملوكية.

لم يكون مبنى السراية المهيب وحده فى مساحة هذا الموقع مترامى الأطراف. شيد على الجانب الغربى منه مبنى أخر خصصه الإمام عبد الرحمن لأسرته. فى ترتيب يكاد يعكس حالة شبية بمجمع سراية العباسية فى أمدرمان. إستيعاب طبيعة هذه الحالة بعنمق لا يكتمل قبل التعرف على تفاصيل مكونات السراية الرئيسة. الواضح أن دورهما كان متكاملاً يعكس رؤية الإمام عبد الرحمن التربوية المؤسسة غلى فلسفة متقدمة على زمانها.

تصميم و طبيعة مكونات السراية كانت كلها مدهشة إذا قسناها بأدق المعايير المعمارية. عرفت ممن أثق فى روايته أن الإمام قد أدخل إضافات مهمة على المبنى الأساسى بعد أن إشتراه.  المبنى مكون من طابقين و طابق سطح. الطابق الأرضى تهيمن عليه قاعة كبيرة فسيحة مهيبة متصلة بصالون إستقبال ملحق به غرف للخدمات. الطابق الأعلى مختلف فى طبيعة إستخداماته. الجزء الاكبر منه عبارة غرفة نوم رئيسة كبير المساحة مع كل ملحقاتها. يجاورها  صالون متصل بغرف الخدمات. الواضح من نوعية و مقاسات و طبيعة تجهيز هذا الطابق إنه كان ملوكى المستوى. تعزيزاً لهذا الفهم ركب الإمام عبد الرحمن فى زمان لاحق مصعداَ لعله كان يدار يدوياً ليربط بين طابقى السرايا.

من أهم سمات تصميم السراية ذلك التداخل النسسبى بين طابقى المبنى. الجزء الخاص بالإمام فى الطابق الأعلى مع مكونات الطابق الأرضى المخصصة لإستضافة مجموعات و حشود كانت تتداعى للمكان فى إطار فعاليات دينية و سياسية و مجتمعبة الطابع. يجب تمعن هذه الظاهرة فى إطار العلاقة المكانية و المسافة المعقولة بين السراية و بيت الأسرة. يبدو أن الإمام رغب فى درجة معقولة من التقارب و التفاعل المحسوب بعناية و حساسية فائقة بين أسرته و بقية أفراد طائفته و مريديه و أصدقائه الكثر. معادلة معقدة تمكن الإمام و هو زمانئذ واحد من أكبر الزعماء الدينبين من إنزالها إلى أرض الواقع بفضل كياسته و حكمته المعروفة. 

لعن الله السياسة فقد إنتاشت سهامها هذا الصرح الكلاسيكى الرائع و القصر المنيف الذى صمد لما يزيد من أربعة  عقود من الزمان. توالت عليه الضربات. حوله نظام النميرى فخصصه ل (دار الوثائق القومية) و معروف ضمناً ما سيحيق بمثل هذا مبنى عندما يؤول لجهة حكومية. أدخلت عليه تعديلات أخلت بطابعه المعمارى المميز و طاله الإهمال بعد ذلك لعدم الصيانة و صار فى حالة مزرية. عندما أعيد لأصحابه و هم عدد من الورثة من آل المهدى و جهات أخرى لم يتفقوا فيما بينهم على خطة موحدة. باع بعضهم نصيبه من المبنى فقام المشترى بهدم نصفه تهيئه لإستثمار الأرض. المنظر الآن مؤلم بحق يوضح عمق المأسأة.  

السرايات و البيوت الشبية بالقصور فى الخرطوم الكبرى خلال فترة الحكم الثنائى لم تكن مختصرة فقط تلك الخاصة بالسيد عبد الرحمن المهدى. تنافست الشخصيات المهمة و وجهاء المدينة فى هذا المجال. من أهمهم السيد على الميرغنى زعيم طائفة الختمية التى كانت تشكل القطب الأخر المنافس لطائفة الأنصار أتباع المهدى. تمتع السيد على بدعم كامل من مصر شريك نظام الحكم الثنائى. منحوه فى إطار هذا الدعم قطع أراضى كبيرة فى مواقع مهمة فى العاصمة و يبدو أنهم أعانوه فى إعمارها. واحد من ثمارها تلك السراية القصر المحاطة بالبساتين و المطلة على النيل اأزرق. عمارتها البهية البيضاء كلاسيكية السمت المحفوفة بالرواقات المكللة بالعقدات النصف دائرية جلست كالجوهرة فى موقعها الشاطئى ذاك. 

واحدة من السرايات المهمة قى الخرطوم الكبرى زمانئذ كانت خاصة بالمامور و الشاعر الأشهر و المناضل الوطنى المميز توفيق صالح جبريل و  كان من شخصايت أمدرمان المهمة. شيدها فى ذلك الجزء من حى ود نوباوى المعروف بإسم قلعة توفيق الواقع على الجانب  الغربى من شارع الوادى. تميزت بواجهات مهيبة شامخة تتصدرها رواقات متمددة. تزين صفحتها أقواس فى غاية الجمال محتشدة بالتفاصيل و محمولة على أعمدة فى غاية الرشاقة و الأناقة. على غير العادة و خروجاً عن طابع عمارة السرايات البيضاء أو الأحادية اللون السائدة فى ذلك الزمان كان فيها بعض من زخم زخرفى لونى بائن. 

إهتمامى الكبير هنا بتسليط الضوء على عمارة سرايات ذلك الزمان كانت ورائه عدة مقاصد. من أهمها لفت النظر ذلك الجمال الدافق المعبر المهيب. أيضاً حسن تعبيرها عن أجواء تلك الفترة بكل ما فيها من زخم دينى و سياسى و مجتمعى . من أهم مقاصدى أيضاً لفت النظر لهذه العمارة الكلاسيكية الرائعة التى صارت لاحقاً تشكل مصدر إلهام إساسى لحركة و طراز معمارى مميز مؤثر. نبت فى الغرب الآوربى فى نهاية  سبعينيات القرن الماضى و تأثره به و تبناه  لاحقاً بعض معماريينا المبدعين. الإشارة هنا لمدرسة عرفت عندهم بإسم (الكلاسيكية الراجعة) ولدت فى حضن توجه طراز عريض سمى ب (ما- بعد- الحداثة).

 

البروفيسور مشارك دكتور معمارى/ هاشم خليفة محجوب

أمدرمان فبراير 2018

 

*جزء من كتاب سيصدر قريباً من تأليف الدكتور/ هاشم خليفة بعنوان (البيت الحضرى فى السودان)

Leave a Reply

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d bloggers like this: