+249 90 003 5647 drarchhashim@hotmail.com

صلاح رحمة معماري سطع نجمه بدون جهة لا حاضنة أو رافعة

نزرت نفسي بجدية و تجرد و تفرغت للعمل في مجال النقد المعماري الذي أهلني له تخصصي عن جدارة و استحقاق. في هذا الإطار طفقت أبحث بدأب شديد عن كل ما هو جديد. من خلاله أحاول التعرف على الظواهر من الأعمال المعمارية التي تشكل منعطفات مهمة في مسيرتها. عليه، ركزت و صوبت جل اهتمامي لهذا الجانب. ذات مرة عاتبني أحد المعماريين من الجيل الوسيط عالي الصوت خارج هذا الإطار تربطني به علاقة خاصة. عاب على أنى لم أشير أو أستعرض بعضاً من أعماله. فرددت عليه بأن المسألة ما عاوز ليها واسطة. فأنا هنا لا أهتم كثيراً بالأسماء الكبيرة و الأصوات العالية التي تملا الدنيا ضجيجاً خارج سياق أهدافي الأساسية. فالأعمال التي أصوب سهامي نحوها عادة تأخذ بتلابيب انتباهي لا تتركني منذ لحظة تعرفي عليها حتى أوفيها حقها. لا أعباء في هذا الشأن باي اعتبارات أخرى غير معاييري الصارمة التي أتمسك بها. الحالة التي سأتعرض لها هنا بشكل سريع تقدم نموذجاً مثالياً لما أعنيه. أعرفكم بها هنا بشكل مقتضب. على أمل أن أوفيها حقها كاملاً لاحقاً في مقالة مطولة قطعت شوطاً مقدراً في إنجازها. أخرني عن إكمالها مزيد من التحقق عن بعض التفاصيل المهمة. 

واحد من أهم الأسماء التي جذبت انتباهي في سياق ما أشرت إليه منذ العقد الأول من الألفية   تدل على الكثير مما ذكرته هنا. هو صلاح حسن رحمة شاب ولد و نشاء في مدينة صغيرة في الولاية الشمالية. وفد للعاصمة في منتصف تسعينيات القرن الماضي لدراسة العمارة بجامعة الخرطوم بتلك الخلفية شبه الريفية. اقتحم مجال الممارسة مع العديد من أقرانه متسلحاً بنفس تلك الخلفية البسيطة. أعزل اليدين إلا من علمه الوافر و موهبته المتوهجة و إحساسه المعماري العالي التي يشكل أساس العمارة. افتقد خلال فترة دراسته للعمارة و مرحلة بداياته الأولى في مسيرته المعمارية أهم المقومات. التي تُعد من أمثاله و تدفع بهم إلى أفاق المجد بسرعة الصاروخ.  من أهمها جهة حاضنة ترعاه هو طالب عمارة و هو يخطو أولى خطواته في ممارسة المهنة. لتسلمه بعد ذلك لجهة رافعة تفرش له طريقة بالورود و الرياحين ليرتقي سلم المجد مختصراً السنيين الطوال.  

لم يعبأ المعماري الشاب زمانئذٍ في بدايات الألفية لافتقاده لمثل تلك المقومات. التي كان يحتاجها لكي يرتقي سلم المجد في بداية حياته العملية. حفزته ثقته العالية بنفسه و هو لم يكمل عامه الأول بعد تخرجه في الدخول في منافسة معمارية لتصميم مبنى بالغ الأهمية هو رئاسة وزارة التعليم العالي. فأقحم نفسه في تجربة جعلته منافساً لعدد مقدر من المكاتب الاستشارية و معماريين سبقوه في هذا الدرب بسنوات عديدة. حسمت أمر اختيار مقترح تصميم المبنى لجنة تحكيم رفيعة المستوى ترأسها واحد من أهم أساتذة قسم العمارة بجامعة الخرطوم. التي وضعت مقترح ذلك شاب حديث التخرج على راس القائمة ليكون المرشح الأول لتصميم المبنى. لكن للأسف جرت الرياح بما لم تكن تشتهيه سفنه. انتزعت منه هذا الشرف جهة هلامية ابتدعها نظام الإنقاذ لتكون بديلا لوزارة الأشغال هي الدار الاستشارية لتطوير الخرطوم. استأثرت به بدون مصوغات مقنعة إذ كان على رأسها مجموعة من النكرات المعمارية. الدليل على ذلك تصميمها البديل الذي أنتج عملا معمارياً فطيراً. لا يرتقي لمقام جهة معنية إلى حد كبير بإنتاج العلماء من ضمنهم شريحة المعماريين. فحرمت ذلك المعماري الشاب الطموح من رؤية أول نتائج إبداعاته تظهر إلى حيز الواقع.

بالرغم من إخفاقه في قطف كل الثمار بعد فوزه في تلك المسابقة إلا أنه جنى منها فوائد قيمة للغاية. من أهمها أنها اكتشف أو أعاد اكتشاف مقدراته المتميزة بعد تخرجه من قسم العمارة. التي تجلت هنا فمكنته من الفوز على المتنافسين في هذه المسابقة عدد مقدر منهم يتفوق عليه بدرجاته العلمية و خبراته الطويلة. استفاد منها أيضاً باكتشافه بأن صفحات الصحف تتوفر أحيناً على معلومات يمكن أن تقوده إلى طريق المجد المعماري. عبر إعلاناتها عن المسابقات المعمارية و هي ذات الخدمة التي قادته لطريق أول مسابقة تفوق فيها على جميع المتسابقين. من أهم فوائد نتائج تلك المسابقة أنها جعلته يفكر بجدية في الخطوات القادمة في مسيرته المعمارية. فقام بخطوة بعد تلك التجربة فارق فيها الجهة التي كان يعمل معها المعنية بشكل أساسي بمجال المقاولات و تنفيذ المباني. ليلتحق بمكتب استشاري مؤسسه و مديره استشاري مرموق في مجال الهندسة المدنية. كانت الاستشارات المعمارية من ضمن خدماته التي يتولى أمرها بعض المعماريين صار صلاح رحمة واحداً منهم.

سرعان ما سطح نجمه بينهم عبر أحداث جعلته على وجه السرعة يحتل موقعاً متقدما بين منسوبي المكتب. متجاوزاً لاحقاً معهم أفاقه المحدودة إلى حد ما. ليرفع أسهم المكتب المنزوي بعيدا ًعن دائرة الأحداث المعمارية في مدينة الخرطوم بحري. بعيداً أيضاً عن منصة قيادة العمل المعماري بحسبان أن مؤسسه و مديره استشاري هندسة مدنية و ليس معماري كما هو معهود في تلك الدوائر. كان صلاح رحمة ذلك المعماري الشاب حديث التخرج اوانئذٍ في قلب تلك الأحداث المؤثرة. إذ أوعز لصاحب المكتب بفكرة اقتحام مجال مسابقات معمارية لمشاريع مهمة تصيد أخبارها من إعلانات الصحف. كان له ما أراد ليدفع بنفسه و معه المكتب الاستشاري إلى دائرة الضوء. عندما اشتركوا في مسابقتين لتصميم مباني مقرات جهتين مهمتين. الأولى الجهة المعنية بشأن الغرف التجارية و الثانية مجلس بيوت الخبرة. فأجتهد صلاح رحمة الذي لعب دور قيادياً في هذه المعركة المحتدمة باعتباره المصمم المعماري الأساسي. الذي وثقه له بشهادات من مكتبه الاستشاري. فكانت النتيجة مشرفه له و لهم. إذ جاء مقترحهم لمجمع الغرف التجارية في المرتبة الأولى متفوقاً على كل الجهات المنافسة. تميزوا أيضا في مسابقة مبنى المجلس بيوت الخبرة إذ جاء ترتيبهم في المرتبة الثانية.

 كان مشروع مجمع الغرف التجارية الذي تقدم فيه صلاح رحمة بعمل معماري بالغ الروعة يعنى له الكثير لأكثر من سبب وجيه. من أهمها الجهة المعنية به المؤثرة في المجال الاقتصادي التنموي. منها أيضاً موقع المبنى المتميز في مركز الخرطوم التجاري الإداري المطل على أهم شوارعه هو شارع الجمهورية. شاءت الأقدار للمرة الثانية في هذه الحالة أن تحرمه من أن يرى مقترحه النور و ينفذ على أرض الواقع. لأسباب مختلفة عن حالة مشروع وزارة التعليم العالي. إذ واجهت الجهات المعنية به صعوبات في تمويل تكلفة تنفيذه. فربطت اختيار المكتب الاستشاري بمقدرته على إيجاد جهة ممولة للمشروع. الأمر الذي لم ينجح فيه مكتب صلاح رحمه الاستشاري فذهب التصميم لمكتب أخر. بذلك فقد للمرة الثانية فرصة أن يرى حلم مشروعه بالغ التميز النور في ذلك الموقع الاستراتيجي في قلب العاصمة الخرطوم.

نسبة لعوامل خارج إرادة المعماري الشاب حقبتذٍ صلاح رحمة لم يمضي العمل قدما في هاتين المشروعين. لكن يبقى المهم في الأمر ما حققه من انتصارات داويه خلال السنوات الأولى من مسيرته المعمارية. متقدماً الصفوف على من هم أقدم منه يتميزون عليه بخبرة طويلة و بمخزون من الشهادات العلمية. مقدماً نفسه كظاهرة متفردة تسترعي الانتباه كنت أنا على راس قائمة المهتمين بها. استرعت فضولي فرحت أستفسر عنها و جمعت معلومات أساسية عن كافة جوانبها. تفاعلت معها و وثقت لها في مقالة متقدة العاطفة سطرتها في صحيفة يومية خصصت لي عدة أبواب أسبوعية راتبة. أنا عادة لا أخجل من عواطفي المتدفقة في هذه الحالات لأنها جاءت محمولة على أجنحة مرتكزات هي أساس العمارة نفسها. التي أهم تتميز على رصيفاتها من ضروب العلوم المشابه لها بذلك المكون العاطفي. نُشرت المقالة في نهاية العقد الأول من الألفية في صحيفة الرائد. في باب أسبوعي كنت أحرره باسم عمارة بلا حدود و كان عنوان المقالة: النجم المعماري/ صلاح حسن رحمة. التي وجدت طريقها لموقعي الإلكتروني مصنفة ضمن مواد المساهمات الصحفية و يمكنكم الوصول إليها عبر الرابط- drhashimk.com. تعميماً للفائدة قررت نشرها مرة أخرى ضمن مواد صفحتي في الفيسبوك.

اشتركت في أكثر من لجنة من لجان تحكيم المسابقات المعمارية و تراست بعضاً منها. لكن لم تسعدني الظروف لأكون ضمن تلك التي تعاملت مع المسابقات التي خاض غمارها و أحرز فيها صلاح رحمة مواقع متقدمة. لا أشك في أن مقترحات مشاريعه الفائزة أخضعت لفحص متأنى و عمليات تقويم وافية دقيقة. أنا من جانبي عندما أثارت أنتباهى ظاهرة ذلك الشاب الألمعي حقبتئذٍ توقفت عندها متأملاً. درست أعماله بنظرة فاحصة فهيجت في خواطر عديدة بَددتُ جزءً كبيراً منها عبر جلسات متأنية معه. عمقت في أحساس غامر بأن تلك الأعمال لم تكن نتيجة تهويمات شاردة عابرة لكن حصاد فكر ثاقب قائم على أسس علمية رصينة. سأوفر الحديث عن العديد من جوانبها لمقالة مطولة. تتناول العديد من أعماله الفائزة في مسابقات و أخريات زاخرة بأفكار جديدة نيرة. أهم ما ميز جل أعماله التي نالت التقدير من جهات مأذونة تلك الاختراقات الموفقة المشهودة التي ميزته عن باقي المتنافسين. هذه الظاهرة أوحت لي بعنوان المقالة القادمة التي ستتناول جوانب مهمة من سيرته و أعماله. استوحيته من عبارة شائعة متداولة مستلفة من مجال خطط و استراتيجيات كرة القدم. سيكون عنوانها: المعماري صلاح رحمة يحرز الأهداف من خارج الصندوق. الصندوق المشار إليه هنا هو منطقة في ملعبها مستطيلة الشكل تقع أمام المرمى يسهل منها إصابة الهدف. الذي يصعب إحرازه من خارجها إلا لمن رحم ربى.

فتحت تلك الانتصارات المتتالية شهية المكتب الاستشاري الذي تعاون معه صلاح رحمة من قبل و أحرز نجاحات في عدة مسابقات معمارية. مما حفزه لاحقاً لمزيد من التعاون معه. فطلبت خدماته مجددا لعمل كبير و مبني بالغ الأهمية. كانت مجموعة في المكتب قد بدأت محاولات أولية لتصميمه. فجاء بأفكار جديدة تماماً قدم من خلالها إنجازاً معماريا متكاملاً. لمبنى كبير خاص بمؤسسة حكومية عظيمة الشأن تنامى دورها في السنوات الأخيرة هي الهيئة السودانية للمواصفات و المقاييس. التي خُصص لمبنى رئاستها موقعاً مفتاحيٍ مترامي الأطراف مطل على شارع الجامعة قرب تقاطعه مع شارع عثمان دقنه. عمل معماري كبير للغاية بالغ التعقيد نسبة لطبيعة عمل المؤسسة و مسئولياتها الجسام. شكل نقلة مقدرة لذلك المعماري الطموح إذا ما قارناه بتجاربه السابقة. قدم فيه أفكار جديدة نيرة لم يسبقها عليها أحد. بنظرة فاحصة دقيقة رصدت بعض الهنات دافع عنها مقدماً حججاً تبدو إلى حد ما مقنعة. سأستعرض هذا العمل الكبير بشي من التفصيل في مقالة قادمة.

النجاحات المتوالية في المسابقات المعمارية جعلت ذلك المعماري الشاب في خواتيم عشرية الألفية الأولى يعيد النظر في شكل مسيرته المعمارية. على وجه الخصوص علاقته بمكتبه الاستشاري. فقرر أن يكون وضعه شبه مستقل عنه مع احتفاظه ببعض علاقات ربطته به لأسباب لوجستية.  يبدو أن هذا الوضع الجديد حقبتئذٍ جعله أكثر اهتماماً و متابعة لأخبار المسابقات المعمارية في الصحف. فغمزت سنارته و اصطادت أكثر من صيد ثمين. كانت نتيجتها في النهاية فوزه في ثلاث مسابقات تنوعت و تباين حجم و أهمية مشاريعها. الأول و هو أقلها أهمية كان نموذج متكرر لمراكز ولائية لجامعة أنشأت حقبتئذٍ. المشروع الثاني كان أكثر أهمية هو مقر رئاسة المجلس الهندسي الذي يلعب أدواراً رئيسة محورية في تنظيم العمل في هذا المجال. أما المشروع الثالث و هو بالغ الأهمية و التميز مختلف تماماً عن جل مشاريعه الأخرى. الذي ذهب بذلك المعماري الشاب بعيداً فحلق به في أفاق لم تخطر على باله. هو مجمع كبير للغاية خاص بالبعثة الدبلوماسية الهندية يضم عدة مكونات من أهمها مبني السفارة و القنصلية.

انكب صلاح يعمل بهمة في مقترحات تلك المشاريع الثلاثة التي حازت في النهاية على رضى لجان التحكيم. التي منحته الضوء الأخضر للمضي قدما في تجهيز الرسومات و الوثائق النهائية لتنفيذها. مر مشروع نماذج مراكز تلك الجامعة الولائية بكل تلك المراحل بعد نقاشات متكررة مع مستشاريها الفنيين. الذين أجازوها في صورتها النهائية. ثم حدث بعد ذلك ما لم يرد بخاطره إذ اختفوا تماماً عن الصورة و لم يعاودوا الاتصال به مرة أخرى. نمى إلى علمه لاحقاً أنهم قرروا أن يقوموا بهذه العمل و يستفردوا به. هذه واحدة من نوع المواقف التي أعتدنا عليها في مجال عملنا في نوعية الأعمال العادية. لكن من المحزن أن يحدث ذلك من جهة مفوضة من قبل مؤسسة جامعية. لعل بعض العوامل أغرتهم على هذا التصرف الغريب الغير مقبول. منها صغر سن المصمم المعماري و أيضا عمله في إطار لم يظهر فيه المكتب الاستشاري بشكل واضح. في النهاية للأسف الشديد كان عليه أن يدفع الثمن بالرغم من أنه كان يعمل وفق اللوائح المنظمة لمثل تلك الأعمال. 

أكثر من سبب وجيه جعل المعماري صلاح رحمة يولى كل اهتمامه لمشروع مقر رئاسة المجلس الهندسي. أولها وزن و أهمية الجهة التي تعامل معها. تلك المؤسسة القيمة على الشأن الهندسي بكافة تخصصاته بما فيها مجال العمارة. الأمر الذي عرضه لضغوط هائلة خلال مراحل التصميم فأضاف لتجربته بعداً مهماً. إذ جعل هذه العملية التي استغرقت وقتاً طويلاً تنضج على نار هادئة مما انعكس بشكل مؤثر على المحصلة النهائية. فخرج هذا العمل في النهاية بشكل يكاد يكون مكتمل الجوانب. تضاف لتلك العوامل التي منحت المشروع أهمية خاصة موقعه في مركز الخرطوم التجاري الإداري. المطل على شارع رئيس فيما يعرف بحي الخرطوم وسط الواقع شمال مجمع المستشفى هناك. تلك العوامل مجتمعة جعلته يصبر على الفترة المتطاولة التي استغرقتها الخطوات التمهيدية للبدء في هذا المشروع بالغ الأهمية. ألذى سيشكل اكتماله بلا شك إضافة مهمة لمسيرة هذا المعماري الطموح.

يعتبر مشروع مجمع السفارة و القنصلية الهندية بلا أدنى شك لعدة اعتبارات أساسية و سيظل أكبر و أهم أعمال المعماري صلاح رحمة. إذ أدخله منذ البداية في تجربة اختيار مقترحه بواسطة الجهات المعنية في ذلك البلد. ثم تقبلهم لعمله بكل الرضى خلال مراحل المشروع المتعددة اللاحقة. الذي يمضي العمل فيه قدماً الأن يسير نحو نهاياته السعيدة متجاوزاً سلسلة تحديات متلاحقة. وضعته خلالها وجهاً لوجه أمام تجربة عمل و حالة فريدة في نوعها. تتميز بخلفية بعد تراثي عريق ثرى و طموح حضاري بلا حدود. حالة أمة تتكئي على إرث مهول و طموح دفع بها إلى مقدمة العالم المتحضر. تلك العوامل مجتمعة أدخلت المصمم في تجربة سببها الأساسي الأبعاد المتشابكة لهذه المعضلة المعمارية. لمشروع مترامي الأطراف تصميمه محتشد بالتحديات من أهمها الجوانب الأمنية و التأمينية لمثل هذا النوع من المباني. من أكبر التحديات أيضاً البعد الطرازي. لمبنى من المفترض أن يعبر عن أمة ذات تراث عريق ممعن في الثراء و تطلعات بلا حدود نحو أفاق تستشرف أعلى درجات الحداثة. من أهم ميزات هذا المشروع أيضاً موقعه المتميز في واحد من أرقى أحياء الخرطوم تاريخياً هو حي الخرطوم واحد. في موقع مطل على أهم شوارعه قرب الطرف الغربي لشارع أفريقيا.

حمل منتصف العشرية الثانية من الألفية أخبار سارة للمعماري صلاح رحمة و مكتبه الاستشاري الذي كان زال يحتفظ بعلاقته معه. جلبتها لهم سيرتهم الذاتية المرصعة بالفوز في عدد من المسابقات المعمارية التي لعب فيها دوراً محورياً متقدما. عمل كبير لن يتكرر بنفس تفاصيله بالغة التميز لأسباب موضوعية. كان يشكل لهم و له بالتحديد حالة استثنائية نقلته من أجواء ثقافة ذلك الجزء القصي جنوب القارة الأسيوية. إلى عوالم تراثية ثقافيه سودانوية أفريقانية ضاربة في عمق تاريخينا الحديث. أدخلته في تمرين معماري متناهي التعقيد سعى و اجتهد و ثابر في الخروج منه بأحسن النتائج. لكن عوامل خارجه عن إرادته خصمت جزءً من كسبه و مردوده المعماري. في مشروع كبير مهم مترامي الأطراف تم إنجازه خلال تلك الفترة. جاء في إطار احتفال درجت منظمة العالم الإسلامي على تنظيمه بشكل سنوي. تحتفى و تحتفل فيه بواحد من حواضر عالمها الحالي او في سابق العصور باعتبارها عاصمة الثقافة الإسلامية. في هذا السياق وقع اختيار الجهة المنظمة لهذا الاحتفال في تلك السنة على مدينة سنار. باعتبارها كانت في القرن السادس عشر الميلادي عاصمة أول مملكة إسلامية في تاريخ السودان الحديث في ذلك الجزء من أفريقيا.

كُلفت لجنة عليا في السودان للتحضير لهذه الاحتفالية بالغة الأهمية للمنظمة و للسودان على وجه الخصوص. انبثقت منها عدة لجان تعنينها منها على وجه الخصوص اللجنة الفنية المكلفة بالنظر فيما في كل ما يلي الجانب المعماري و أطره التخطيطية. اختارت في إطار عملها بناءً على معطيات محددة مكتب المعماري صلاح رحمة الاستشاري. مستندة على سيرته المتميزة المعززة بالفوز في عدد من المسابقات المعمارية. أسهمهم العالية من بين مجموعة المكاتب الاستشارية التي تم اختيارها جعلتهم يكلفونه بأهم و أكثر المهام تعقيداً. هي التعامل مع أكبر جزء من هذا المشروع و هو مترامي الأطراف متعدد المكونات. لا يستمد أهميته الفائقة فقط من مساحته الشاسعة و مكوناته المتعددة. لكن أيضاً من موقعه المفتاحي على ضفة النهر عند مدخل منطقة تلك الحاضرة التاريخية. تلك المعطيات ذات البعد التاريخي و الطابع التراثي جعلت التعامل مع هذا المشروع تحدى كبير و مهمة بالغة الصعوبة.

انكب ذلك المعماري منفردا في الغوص في خلفيات تلك التجربة المعمارية. مستعينا و مستجيراً بعدد من الوثائق و جل ما كتب عن تلك الحقبة و مملكتها العظيمة التي تعتبر الأولى في ذلك الجزء من العالم. أهم ما فيها تمحور حول ما كان يحدث في المنطقة المفتاحية التي كلفوا بالتعامل معها. التي تسيدها في ذلك الزمان و نهض في مركزها قصر او نزل سلطان تلك المملكة الإسلامية التاريخية. الذي لم يكن مجرد قصر رئاسي بل كان أكبر من ذلك. إذ كان مركز إشعاع فعال مؤثر على كل من كانوا يقيمون حوله من كافة أتباعه و أطياف شعبه. استوعب المعماري صلاح رحمة جيداً كل تلك المعلومات و معها المضامين الظاهر منها والخفي. مستصحباً معها كافة ملامح و تفاصيل العمارة في ذلك المشهد المهيب. التي وثقتها لوحات فنانين ذلك الزمان الذين كلفتهم بإنجازها سلطات القوات الغازية. فمضى صلاح رحمة يترجمها في شكل مقترحات معمارية مكتملة الأركان. لكن للأسف الشديد جرت الرياح بما لم تكن تشتهيه سفنه. إذ تباطأت الجهات المعنية بتنفيذ المشروع لعدة سنوات مما دعاها لإكمال المراحل الأخيرة منه على عجل شديد. جاء ذلك على حساب اللمسات الأخيرة منه التي انتقصت من ملامحه المعمارية و طابعه التراثي و بصمته المتميزة.

شكلت تلك المعطيات مجتمعة ذات البعد التاريخي و الجغرافي و الطابع الترائي القديم تحديات مهمة للغاية. استوعبها بعمق المعماري صلاح رحمة الذي أوكل له مكتبه الاستشاري مهمة التعامل مع هذا المشروع الكبير بالغ الأهمية. فانكب في همة فائقة يدرسه من كل جوانبه الزاخرة بالمعاني. منقباً عن كل ما كتب عن تلك الحقبة المفصلية في تاريخ السودان التي شهدت ميلاد أول دولة إسلامية في بلادنا. استوعب تماماً ما كان يجرى في ذلك الموقع مترامي الأطراف في تلك الحقب التاريخية. الذي كان يتصدره و يحتل مركزه صرح شامخ برج مرتفع يشار إليه بنزل السلطان. ملك ذلك الزمان و تلك الدولة الإسلامية. لم يكن مجرد مقر سكن له و لأسرته إذ كان فيه أيضاً متسع لضيوفه و زواره. بالإضافة إلى ذلك كان مركزه الذي يدير منه شئون البلاد و العباد. كانت تجسو تحت أقدام ذلك الصرح الشاهق مكونات عديدة مباني إدارية و مجمعات سكنية تضجع عند ضفة النهر. في علاقة تخطيطية حاولت أن تستمد روحها من تراث علاقة الخلفاء الراشدين برعاياهم في تلك العصور الذهبية الأولى.

استوعب المعماري صلاح رحمة تلك المضامين النبيلة. الظاهرة و المستبطنة في تخطيط المنطقة المركزية لعاصمة مملكة الفونج التاريخية. استنار بها في المهام الموكلة له للتعامل مع نفس الموقع في العقد الثاني من الألفية. مدركاً تماماً عدم إمكانية إعادة عقارب الساعة و دوران الزمان للوراء لبضع قرون. فتعامل مع هذه الحالة وفق معطياتها الجديدة التي قررت أن تُكرس هذه المنطقة المركزية لأغراض سياحية. احتفظ بنفس فكرة البرج المركزي المهيمن الشامخ فصممه على شكل فندق فاخر كبير. نثر حوله عند أعتابه على ضفة النهر مكونات فندقية ثانوية صغيرة من نوع ما يعرف بالشاليهات و وحدات خدمية. في نسق تخطيط عام شبيه بحالة نفس الموقع في فترة مملكة الفونج مع اختلاف جوهري في نوعية الاستخدامات. بالرغم من الطابع الحديث للمشروع استثمر المصمم في الإرث التاريخي التراثي فأطلق على الفندق اسم نزل السلطان بادي. لم يكتف فقط بالاسم إذ منحه بصمة بائنة من خلال التصميم و العديد من السمات و التفاصيل المعمارية. التي استفاد فيها من لوحات فنانين ذلك الزمان للمدينة قبل أن يدمرها الغزاة الأتراك. لكن شأت الأقدار ألا يكتمل العمل كما خُطط له لأسباب وضحتها من قبل. مشيراً لتأثيرها السلبي على الطابع المعماري التراثي.

أكملت مسيرة المعماري صلاح رحمة الظافرة بنهاية العشرية الثانية من الألفية عقدين من الزمان. لفت انتباهي منذ بداياته الأولى بفوزه الكاسح في أكثر من مسابقة معمارية فوطنت نفسي على متابعة خطوات تلك المسيرة. لم يخيب ظني فسار بثقة عالية في نفس ذلك الدرب مما جعلني أكثر إصراراً على متابعة حالته التي أعتبرها ظاهرة جديرة بالاهتمام و الدراسة.  شدتني بالتحديد جوانب محددة منها. أولها انه كان و لا زال يعمل و ينجح و يسطع نجمة بلا جهة حاضنة أو رافعة. استوقفني على وجه الخصوص في مسيرته الموفقة التنوع الواضح و الكبير في أنواع المشاريع التي تعامل معها. بنجاح باهر في جل تلك الحالات بشهادة لجان تحكيم معمارية يعتد بها. أسوق مثال لها حالتين مهمتين في تلك المسيرة الظافرة. مجمع السفارة و القنصلية الهندية في حي الخرطوم واحد و ذلك المشروع في مدينة سنار الذي أقيم احتفاءً بمملكة الفونج التاريخية. متنقلاً من أجواء تراث و رؤى بلد في الطرف الجنوبي من القارة الأسيوية لحالة أخرى سودانية تاريخية إسلامية الجذور. التي تعامل معهما بحذاقة بائنة بالرغم من تباين حالتيهما. مستصحباً و موظفاً التراث في كلا الحالتين بطريق مبتكرة. ليقدمه مرفرفاً على أجنحة الإبداع في عمارة حداثية السمات. دفعتني تلك الجوانب بالإضافة لأخريات لمحاولة التوثيق لسيرته و مسيرته المعمارية. التي أمهد لها هنا بهذه المقالة الترويجية لحين إنجاز عمل أكبر يبدأ بمقالة مطولة
المقالة السابقة

البروفيسور مشارك دكتور معماري/ هاشم خليفة محجوب
أمدرمان-أكتوبر2020

Leave a Reply

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d bloggers like this: