الموقع ما يزال في مرحلة التطوير ساهموا معنا بأفكاركم و إقتراحاتكم

+249-9-15176522 drarchhashim@hotmail.com

جزء من كتاب من تأليف الدكتور هاشم خليفة سيصدر قريباً بعنوان (تاريخ البيت الحضرى فى السودان)

 

     

عبد المنعم مصطفى : العراب الوطنى لعمارة الحداثة السودانية

فى حالة نادرة فى ذلك الزمان لم يدرس الشاب عبد المنعم مصطفى العمارة بجامعة الخرطوم. تلقى تعليمه بجامعة (ليستر) البريطانية خلال فترة نهاية خمسينيات و بداية ستينيات القرن الماضى، و هى حقبة  شهدت العصر الذهبى لعمارة الحداثة فى الغرب الآوربى. تزامنت فترة دراسته مع تطورات المهمة كانت لها إسقاطات بالغة الأثر عليه لاحقاً. الإستعدداد الفطرى و نباهة ذلك الفتى زمانئذ لعبت دوراً أساسياً فى إعداده ليكون واحداُ من أهم قيادات و مؤسسى عمارة الحداثة السودانية.

إلتحق بعد عودته للسودان بوزارة الأشغال العامة التى كانت قد تجاوزت مرحلة السودنة بعد مغادرة كوادر دولتى الحكم الثنائى. إلتحق هناك بقسم العمارة و زامل بعض المهندسين و المعمارين السودانيين ممن درسوا بمصرو كان أول معمارى تخرج فى الجامعات البريطانية. إنخرط فى العمل بها و هو مشبع بفكر و روح عمارة الحداثة. خلال تلك المرحلة المهنية الباكرة كلف عبد المنعم بتصميم بعض الأعمال الصغيرة واحد منها مبنى إستقبال صغير لوزارة المالية. بالرغم من أن طراز المبنى الرئيس مفرط فى الكلاسيكية إلا أنه تصميمه لمبنى الإستقبال جاء حداثى الملامح. خلال تلك الفترة إنشغل و مارس العمل الخاص كنشاط جانبى مع عمله بوزارة الأشغال.

خلال فترة متزامنة مع عمله بوزارة الأشغال أسس عبد المنعم مصطفى مكتباً إستشارياً صغيراً. كانت جل المشاريع التى صممها خلال فترة بداياته الأولى صغيرة الحجم. بيوت أغلبها لأصدقائه من المهننيين و جلهم ممن تلقوا دراساتهم بآوربا و بريطانيا. تفاعله الحميم مع تلك الطبقة من الإتيليقنزا المشبعة بالروح الغربية كان مؤثراً على أسلوبه فى تلك الفترة الباكرة. شكلت تلك التداعيات الإطار الذى تبلور من خلاله أسلوبه المتفرد فأنتج عمارة سكنية بالغة التميز. وضعت الخطوط العريضة و معالم خارطة الطريق لعمارة الحداثة السودانية و لا زال تأثيرها ملموساً بعد أربعة عقود من اازمان.

فى منتصف الستينات إبتعث عبد المنعم مصطفى لأستراليا للتحضير لدرجة الماجستير فى تخصص التخطيط العمرانى. مهدت له هذه الدرجة العلمية السبيل للعمل فى مجال التدريس حيث إلتحق لاحقاً بهيئة التدريس بقسم العمارة بجامعة الخرطوم. مضى قدماً فى هذا الطريق حيث عين فى نهاية الستينات رئيساً للقسم كأول سودانى يتبواء هذا المنصب. إنضمامه لكتيبة هيئة التدريس و إستلامه لرئاسة القسم عزز من دوره الفعال و المؤثر فى الدفع بحركة عمارة الحداثة التى تبنتها هذه المؤسسة الرائدة فى تعليم العمارة.

فى بداية سبعينيات القرن خطى عبد المنعم خطوة مهمة وضعته على رأس المسار الثالث الذى تقدمت من خلاله عمارة الحداثة لتوجد لها موضع قدم راسخة. بعد مرحلة إعداد متأنية هذه المرة أسس مكتباً إستشارياً تهيأت له كل فرص النجاح. مكنته من خلال أعمال التصميم الإستشارية إنجاز العديد من المشاريع المهمة.  بالرغم من تنوع  أنواع المبانى التى تعامل معها إلا أن أغلبها كان من العمارة السكنية و تحديداُ البيوت و الفيلات- محور إهتمامنا فى هذه الدراسة. من خلال هذا الإنجاز مضى عبد المنعم فى مسيرته القاصدة لتأسيس لعمارة الحداثة السودانية و ترسيخ مفاهيمها.

الدور المهم و الأساسى لعبد المنعم مصطفى فى هذا الإنجاز يرجع لعدة أسباب. من أهمها أنه سعى و إجتهد لتحقيق هذا الهدف النبيل عبر مساراته الثلاثة الأساسية. دشن مسيرته الطويلة فى بداية الطريق عبر ما يعرف بالقطاع العام، قسم العمارة بوزارة الأشغال. إنتقل بعد ذلك ليقدم مساهماته المؤثرة عبر مسار تعليم العمارة من خلال عمله بهيئة التدريس و رئاسة قسم العمارة بجامعة الخرطوم. إختتم سعيه الدؤوب متنكباً المسار الثالث بإنخراطه فى العمل بما يعرف بالقطاع الخاص عندا أسس مكتبه الإستشارى. إنتشاره الكثيف و المتصاعد عبر تلك المسارات الثلاثة مكنه من رفع راية عمارة الحداثة خفاقة. عملية الإختراق و النجاحات المشهودة عبر تلك الأصعدة بلا شك تؤهله للقب العراب الوطنى لعمارة الحداثة السودانية.

بالرغم من تنوع أعمال عبد المنعم مصطفى خلال مسيرته الطويلة القاصدة إلا أن نصيب الأسد كان دائماً للعمارة السكنية محور إهتماننا فى هذه الدراسة. تركيزنا هنا سينصب على البيوت و الفيلات لأنها تشكل أغلبية أعماله فى هذا المجال. سنحاول فى إطار تناول و إستعراض عينات منها التعرف على العوامل و المؤثرات التى بلورت عمارته على هذا النحو. من خلال هذه العملية يمكن أن نتعرف على مراحل تأسيس عمارة الحداثة السودانية التى كان عبد منعم بالنسبة لها بمثابة رأس الرمح.

أسعدتنى الظروف بأن كنت قريباً أو على إتصال دائم مع إستاذنا عبد المنعم مصطفى لمدة قاربت الأربعة عقود من الزمان. فى جزء مقدر من هذه الفترة الزمنية لم تربطنى به مصالح مادية. بدات هذه العلاقة العملية مع بداية عقد السبعينات عندما إلتحقت بالعمل معه بمكتبه الإستشارى كمعمارى مبتدئى. كنت قريباً جداً منه و شهدت و عايشت ميلاد أهم أعماله المميزة. من خلال عملى معه لعدة سنوات نشأت بيننا علاقة لصيقة تطورت لتقارب روحى إستمر حتى زمن كتابة هذه الدراسة فى نهايات العقد الثانى من هذا القرن. تعزز عبر جلسات حوار عفوى حر متصل طرق كل الجوانب المتعلقة بفكره و أعماله. حرصت دائماً طوال هذه المدة أن أثرى هذا الزخم المعلوماتى المتدفق بالتوثيق الفوتغرافى لجزء كبير من أعماله.    

 يمكن أن نحدد العصر الذهبى لعمارة عبد المنعم مصطفى فى فترة إمتدت من نهاية الستينات حتى بداية الثمانينات. شهدت تلك الفنرة إنتشاراً متصاعداً فى البداية أعقبه إنحساراً تدريجباً فى نهايتها. من المهم أن نرصد الظروف و الملابسات التى أحاطت بالعمارة خلال تلك الفترة. من خلال هذه العملية سنرصد ميلاد و تطور عمارة الحداثة التى كان عبد المنعم مصطفى بمثابة راس الرمح.

شهدت حقبة السبعينيات و بداية الثمانيات تحولات كبيرة. بدات بحدث سياسى بالغ الأهمية كانت له إسقاطات عميقة الأثر على عدة جوانب من حياة الناس قى السودان. الإشارة هنا لتفجر ثورة مايو التى إنتهجت نهجاً يسارياً صارماً فى سنواتها الأولى و فى ذلك الإطار إتبعت سياسة أساسهاا التقشف. قام النظام الجديد زمانئذ على الأيدولوجية الإشتراكية عالمية الهوى و التى لا تعترف بالمفاهيم و الكياتنات الإقليمية و المحلية.

الواضح أن تلك المتغيرات السياسية و إسقاطاتها كان لها إنعكاستها على حال العمارة زمانئذ. على سبيل المثال، الحد من إستيراد مواد البناء فى إطار سياسة التقشف إنعكس بشكل ملموس على حال و شكل العمارة. أثر على المظهر الخارجى للمبانى و البيوت إذ شاع و إنتشر إستخدام الطوب الأحمر خشن الملمس المعروف بإسم السدابة. فعرفت هذه المرحلة بعمارة السدابة. إستخدمها عبد المنعم بكثافة و قدم بها اعمالاً فى غاية الروعة. جائت عمارته متسقة مع رواد عمارة الحداثة فى الغرب الآوربى من أمثال (لى كوربوزييه). بذلك وضع عبد المنعم أمشاط أقدام العمارة السودانية على أعتاب الحداثة.

تميزت هذه المرحلة بمتغيرات ثقافية مجتمعية. بعضها ناتج عن تطور طبيعى متوقع نتيجة لتسارع حركة الحداثة مواكبة للمستجدات العالمية. بعضها الأخر تأثر بالمتغيرات السياسية حقبتئذ. نظام ثورة مايو يسارى التوجه التى إستلم زمام الحكم فى نهاية الستينيات أشاع أجواء ملموسة من التحرر. إنعكست تلك المتغيرات السياسية إلى حد ما على العمارة السكنية و تحديداً خارطة البيوت.

ظهر عبد المنعم مصطفى القادم قبل عدة سنوات من الغرب الآوربى و المتشبع بثقافته فى إطار تلك المتغيرات السياسية و المجتمعية الثقافية. تهيات له الفرص لأحداث تغيير فى المفاهيم المعمارية و كان سباقاً من خلال عمارته فى المضى قدماً على هذا الدرب. شجعه على ذلك العديد ممن صمم لهم فى مراحله الأولى و جلهم كان من أصدقائه و هم من أبكار الخريجين الصفوة (الإنتلقنسيا) الذين عاشوا فترة من قبل فى الغرب الآوربى. ساعدت تلك الظروف عبد المنعم مصطفى و هيأت له أن يطرح النسخ الأولى من عمارة الحداثة السودانية عبر تصميم بيوتهم و فللهم.

 شكل العمارة العام و معالجاتتها المميزة تأثر أيضاً بمثل تلك المتغيرات. جائت فى صالح توجه عمارة الحداثة الذى بداء يشق طريقه فى وتيرة تصاعدية لكن بثقة منذ بداية الستينات. تزامنت المرحلة الأخيرة من تلك الفترة مع بداية عهد ثورة مايو. سنلاحظ هنا ثمة توافق بين توجهات و فلسفة عمارة الحداثة و نهج تلك الثورة. سننظر و نتفحص هذه العلاقة فى إطار البعد الجمالى للعمارة.

نظام ثورة مايو قام على أيدولوجية إشتراكية و كانت فى بدايتها متأثرة بالشيوعية و فى كلا الحالتين هى عالمية التوجه. بالطبع هذا المنحى ياتى خصماً على أى توجهات تراثية و محلية أو أقليمية. فى هذه الحالة، و فى المجال المعمارى ما من سبيل لتطريز العمارة بغرض تجميلها بعناصر و مفردات من العمارة الكلاسيكية الغربية أو الإسلامية أو حتى التراثية المحلية مثل النوبية.  بالطبع مثل هذا التوجه من شأنه أن يحرم العمارة من الكثير من أسلحتها الجمالية.

نهج مذهب ثورة مايو الإشتراكي متسق إلى حد بعيد مع التوجهات التى تركتز عليها عمارة الحداثة غربية المنبع. كان طراز عمارة الحداثة عندما ظهر فى الغرب الآوربى خلال العقود الأولى من القرن العشرين يشار إليه بالطراز العالمى  The International Style. بمعنى أن لا وطن محدد له و إنه صالح لكل الأوطان و الأزمان. من عواقب هذا المفهوم الصارمة أنه ليس مسموح إطلاقاً فى إطار عمارة الحداثة بإستيعاب إى مكونات أو مفردات لها علاقة بأى طراز إقليمى او محلى

نحتاج لمزيد من الشرح لتوضيح هذا الجانب الأخير نسبة لإنعكاساته المؤثرة على المكون الجمالى للعمارة. توجه عمارة الحداثة له له موقف صارم  يحظر الإقتباس من أى نوع من أنواع التراث. إمتد الحظر ليشمل منع تطعيم العمارة بالمكونات و المفردات التراثية التى كانت أشبه بالمحسنات البديعية فى مجال الشعر و الأدب العربى. لم تسلم بعض ملامح العمارة من الحظر مثل الزخارف. كان أحد ركائز عمارة الحداثة فى الغرب الآوربى (ميز فان دا رووه) قد أفتى بان إستخدام الزخارف يعتبر جريمة نكراء.

مفاهيم الحداثة جردت العمارة من أسلحتها الجمالية بعد ما حظرت إستخدام المحسنات الجمالية كلاسيكية و تراثية المنشأ. قدمت كبديل مشروع جمالى متكامل ينبع و يتسق مع فلسفتها. يرتكز على تراث إنسانى غربى ضارب فى القدم بالإضافة لمفاهيم مدارس فكرية حديثة من أهمها توجهات المدرسة التجريدية. شكلت هذه القاعدة الفكرية الأساس الذى نهضت علية عمارة الحداثة و تبلورت و شقت طريقها بثقة فى وتيرة تصاعدية فى الغرب الآوربى بداءً من الثلث الأول من القرن العشرين. تسللت إلينا و بدات رياحها تهب على إستحياء مع نهائيات العقد الخامس من ذلك القرن.

 

قام المشروع الجمالى لعمارة الحداثة على مبادئى أساسية. من أهمها إرتكازه على مكونات و أجزاء المبنى الرئيسة بدون إضافة أى عنصر بغرض التجميل و التزيين. تفجير جماليات العمل المعمارى يعتمد بشكل كثيف على التوظيف الأمثل لمكونات المبنى متنوعة الأنواع. تسثمر فى هذ الحالة خصائص تلك المكونات لصالح المشروع الجمالى. على سبيل المثال نوعية الألوان و خاصية الملامس توظف عبر عملية التضاد أو التنافر لمنح العمل المعمارى مزيداً من الجمال و الحيوية. برع عبد المنعم مصطفى بإحساسه الفنى العالى اإيما براعة فى إنزال تلك الجزئيات من مشروع عمارة الحداثة الجمالى لأرض الواقع. سنتطرق لتك الجوانب من خلال إستعراضنا لبعض أعماله هنا.

تناغم مكونات و أجزاء العمل المعمارى تعتبر واحد من أهم أساسيات مشروع عمارة الحداثة الجمالى. تحقيق الأهداف فى هذه الحالة يتم وفق ضوابط صارمة. من أهمها عدم إضافة أى مكونات خارج إطار المبنى لتحقيق هذه الغاية. تسثمر لهذا الغرض المكونات الأساسية مثل الأعمدة و الأبيام و المسطحات الأفقية و الراسية مثل الحوائط و العروش. حسن التوظبف هنا يساهم فى ضخ الحيوية فى العمل المعمارى. تجلى أستاذنا عبد المنعم مصطفى فى عكس تلك الجوانب الجمالية و قدم نماذج فتحت الطريق أمام إنتشار عمارة الحداثة. 

عملية توظيف تناغم مكونات العمل المعمارى لبث الحيوية يجب أن تتم بشكل لا يقلل من تماسكه. وحدة العمل هنا تبقى واحدة من أهم معايير نجاحه. يجب أن يكون هناك توازن بين تحقيق حيوية جماليات العمل المعمارى بدون إخلال بوحدته. هناك أكثر من طريقة لتحقيق هذا الهدف النبيل. أستاذنا عبد المنعم مصطفى نجح تبنى معادلة نجح من خلالها فى إنتاج أعمال معمارية مفرطة الحيوية متماسكة البنية.

إستعان لتحقيق هذا الهدف بشكل كبير بإبراز تقسيمات النظام الإنشائى، ما يعرف باللغة الإنقليزية بال the grid. حققه بعدة طرق مثل بروز أطراف الأبيام أمام واجهة المبنى و أحيناً أضافة أجزاء لها.  وظفها عبد المنعم مصطفى هنا كممسكات سمحت له بتحقيق أعلى درجات الحيوية بدون أن ينفرط عقد وحدة و تماسك العمل المعمارى. جعلها تقوم مقام الإيقاع المتكرر الذى يلملم أطراف و أجزاء اللحن الشاردة التى تتنوع علؤً و هبوطاً. وجود هذه الممسكات سمح له بالتلاعب بكتلة المبنى الرئيسة بحرية. يخصم منها و يضيف كما يشاء هو مطمئن بأن تلك الممسكات ستمنع إنفراط وحدة العمل المعمارى. 

جانب آخر مهم من عمارة عبد المنعم مصطفى يدلل على عبقريته. عمارة الحداثة شأنها شأن أى عمارة رصينة إهتمت بشكل خاص بحسن التعامل مع التحديات المناخية. من أهمها فى السودان تلطيف الأجواء الداخلية، مما يجعل كسر أشعة الشمس لمنعها من التسلل داخل المبانى إجراء أساسيا. تعامل عبد المنعم مع مع هذا الأمر بحصافة بالغة. إستخدم كاسرات أشعة الشمس بكثافة على الواجهات. وظفها لخدمة هذا الغرض و أغراض أخرى لا تقل أهمية. مثال لذلك تأمين الخصوصية فى البيوت و إضفاء مساحات حبوية و جمال على صفحة العمارة.

نجح عبد المنعم مصطفى فى التعامل مع الجوانب التى تطرقنا لها هنا التى منحت عمارة الحداثة بصمتها المميزة و عكسها بجدارة فى أعماله المعمارية متعددة الإستخدامات. عمارته السكنية تحديداُ البيوت و الفيلات تستحق إشادة خاصة نسبة للتحديات التصميمية ذات الصلة بالمتطلبات الثقافية المجتمعية و الدينية القيمية. قدم فى إطار العديد من أعماله المميزة محاضرات مجانية عامرة بالدروس و العبر.طرح من خلالها  نماذج  لعمارة الحداثة السودانية.

بنهاية الستينيات برزعبد المنعم مصطفى كواحد من أميز المعماريين الوطنيين. كان السودان زمانئذ يخطو بثبات و ثقة نحو أفاق الحداثة، و هى مرحلة شهدت متغيرات فى كافة مناحى الحياة. إنعكس ذلك المد الحضارى بشكل كثيف على الجوانب الثقافيىية المجنمعية و القيمية. كانت العمارة  فى الموعد لإستيعاب تلك المتغيرات.عبد المنعم بحكم تأهيله العالى و نباهته و تجربته فى العالم الغربى كان الأنسب حقبتئذ لقيادة حركة التغيير.

ولدت الفيلا الحضرية أول مرة فى السودان فى حى الخرطوم واحد فى اربعينيات القرن الماضى. خطت خطوات إلى الأمام مع بعض التطورات عند إنتقالها لحى الخرطوم إتنين فى خمسينات نفس القرن. مرت بمرحلة تحور فى بداياتها الأولى. كان طراز عمارتها يتأرجح فى البدء بين الكلاسيكية و الحداثية. إنتقالها لحى العمارات الخرطومى فى نهاية الخمسينيات آرخ لمرحلة تحررها التدريجى من قيود الكلاسيكية.  مر بعدها بفترة إنتقالية قصيرة إجتهد فيها المعماريون للتأسيس لعمارة للفيلا الحضرية التى تستوعب الواقع السودانى المتطلع لأفاق الحداثة بكل خصوصيته و تعقيداته.

كان عبد المنعم مصطفى هنا فى الموعد و على قدر التحدى. إلتقط القفاز و سعى سعياً حثيثاً للمساهمة فى حركة التغيير القادمة. إستهدف فى بداياته الأولى و هو يقتحم مجال عمارة الفيلا الحضرية زمرة من أصدقائه و جلهم من المهنيين ممن قضوا فترة فى الغرب الآوربى. كانوا بالنسبة له حقل تجارب دشن من خلاله نسخة من عمارة الحداثة. إستوعبت واقعنا و واقعهم كطبقة مستنيرة مجتهدة طموحة شاء قدرها أن تساهم بشكل مؤثر فى صناعة السودان الحديث. إينعت ثمار حقل التجارب إذ نجح عبد المنعم مصطفى فى إنتاج نماذج للفيلا الحضرية طرح من خلالها رؤية لعمارة حداثية سودانية. شكلت نقلة مميزة لا زالت مؤثرة بعد أكثر من ثلاثة عقود من الزمان.

إنتشرت درر من نماذج عمارة عبد المنعم مصطفى من تلك الفلل الحضرية فى أرجاء العاصمة المثلثة تنشر الوعى و الفكر المعمارى الحديث. إستوعبت فى جنبات تصاميمها التحولات الثقافية و المجتمعية بذكاء و فطنة و حذر. تعاملت مع ظاهرة الإنفتاح بحكمة و حنكة. تارة بالتنطيق الأفقى بغرض الفصل الناعم السلس بين عالم ضيوف الدار و الأسرة بشكل لا يعمق العزلة. تفس الأهداف تحققت بخيار أخر مغاير، عبر التنطيق الراسى الذى إستفاد من التقدم التقنى و التمدد الراسى- تشييد البيوت و الفيلات متعددة الطوابق و المستويات.

فيلا الوجيه صلاح حاج الصافى فى الركن الشمالى الغربى من ضاحية الصافية بالخرطوم بحرى هى أنموذج معبر عن حالة التنطيق الأفقى. فأجزاء الدار و علاقتها بالشارع الأمامى موزعة بحنكة و حكمة. بشكل يسمح بالتفاعل مع العالم الخارجى و فى نفس الوقت تأمين خصوصية الأسرة. مفتتن أنا بمعالجة أمر التفاعل مع ذلك العالم الخارجى.  الجزء الأمامى من حديقة الدار مرتفع بمقدار متر من مستوى الشارع. يفصل بينهما حائط سور إرتفاعه متر واحد. الجالس هناك يستمتع بمتابعة نبض الشارع بدون إنتقاص لخصوصيته. 

فيلا الوجيه و المفكر السودانى المرموق الدكتور منصور خالد االمطلة على شارع الشريف يوسف الهندى بمنطقة الخرطوم وسط خير معبر عن حالة التنطيق الراسى فى تصميم الفيلا الحضرية. ذهب بها هنا عبد المنعم مصطفى إلى أخر مدى. كحالة إستثناية صممت على ثلاثة مستويات و ليس طوابق و يشار إليها باللغة الإنقليزية بنظام split levels. الجزء الأسفل عبارة منطقة خدمات. تقود إلى جزء مرتفع بمقدار متر لصالة إستقبال كبيرة ملحقة بها قاعة الطعام و هى فى نفس مستوى حديقة الفيلا و متصلة بها. هذا الجزء يؤدى إلى مستوى أعلى بمتر و نصف حيث يوجد مكتب الدكتور و غرف النوم فى. هذا الجزء مطل و متصل بصرياً بقاعة الإستقبال.  

حالة هذه الفيلا الممعنة فى الخصوصية نابعة إلى حد بعيد من طرفى معادلة فى هذه الحالة – صاحب الفيلا و مصممها. شيدت فى بداية السبعينيات و هى حقبة مفصلية فى تاريخ السودان السياسى لارتباطها ببداية مرحلة المد إشتراكى. صاحب الفيلا الدكتور/ منصور كان آوانئذ بحق هو رمز الحداثة. كان خير معبر عنها بفكره و نهجه فى الحياة و فى مظهره العام و تفاصيل أزيائه. المصمم عبد المنعم مصطفى كان يغرد معه فى نفس تلك الموجة same wave lengh بإعتباره حامل راية الحداثة المعمارية. وَصفت لقائهما معاً فى هذا العمل المعمارى بلقاء السحاب. ولدت فكرة الفيلا و نشاءت و ترعرعت فى تلك الظروف فجائت خير معبر عن هذه الحالة بالغة التفرد التى أنتجت واحداً من أروع نماذج عمارة الحداثة السودانية

كان دكتور منصور خالد حقبتئذ كادراً سياسىاً أساسياً و واحد من أهم نجوم المجتمع. بالإضافة إلى دوره السياسى و المجتمعى النشط كان و لا زال من أهم المفكرين السودانيين. المصمم العبقرى عبد المنعم مصطفى كان من أقرب أصدقائه. الواضح إنه أستوعب جيداً خصوصية تحديات هذه الحالة و نجح فى ترجمتها إلى حل معمارى عبقرى. التنطيق الراسى المؤسس على ثلاثة مستويات قدم حلاً متوازناً ممتازاً. فصل و ربط بين عوالم الدكتور/ منصور. سمح له بالتواصل الحميم مع زمرة أصدقائه و الأطياف المجنمعية التى ترتاد داره العامرة. فى نفس الوقت هياء له أجواء من الهدوء تسمح له بالتحليق بعيداً فى عوالمه الفكرية.

كرر عبد المنعم فى فيلا منصور خالد نفس فكرة التواصل المحسوب بعناية مع العالم الخارجى التى حققها فى فيلا صلاح حاج الصافى. فحديقة الدار الأمامية هنا المطلة على الشارع مرتفعة بشكل يسمح بالخصوصية و يؤمن قدراً من الهدوء. لكنها لا تعزل أهل الدار و ضيوفهم المتحلقين فيها عن مجريات الأحداث خارجها. كان الدكتور قد علق منتقداً ظاهرة معينة. أشار إلى أن السودانى يصرف كل ثروته فى بناء بيته، و بعد أن يستكمل بنائه يدير له ظهره عندما يجلس أمامه فى كرسى فى طرف الشارع. المصمم عبد المنعم مصطفى تعامل بفطنة مع هذه الحالة المعقدة، فصار بإمكان صاحب الدار الجالس فى طرف حديقته أن يلقى نظرة و يستمتع بجمال بيته بدون أن يفوته متابعة أيقاع الحياة خارجه. 

 عمارة فيلا الدكتور/ منصور كانت بحق معبرة عن صاحبها الذى كان زمائذ و ما زال واحداً من أهم رموز الأناقة المحمولة على أجنحة آخر صيحات الموضة الغربية الرزينة. جائت العمارة هنا بكل تفاصيلها رصينة أنيقة تنضح حداثة مبرأة من  أى أثر كلاسيكى. كتلة المبنى متطاولة الشكل تتمتع بحيوية ناتجة عن إرتدادات و بروز هنا و هناك. حد عبد المنعم من الإحساس العارم بالحركة. عالجه بذكاء بإبراز عناصر النظام الإنشائى الممتدة فى واجهة المبنى، الأعمدة و الأبيام. تعمل تماماً كالممسكات تلملم أطراف كتلة المبنى و تترك أجزائه تتحرك بحرية بروزاً و أرتداداً. هى هنا كما اللجام الذى يتحكم فى حركة حصان جامح. بذلك يقدم المصمم عمارة الحداثة فى أنصع صورها.   

تكرار كاسرات أشعة الشمس على واجهات بيوت و فيلات عمارة عبد المنعم صارت أشبه بالماركة المسجلة. تفنن فى إختيار موادها المتنوعة و القائمة تطول. حوائط طوبية مخرمة، مكعبات أسمنتية مجوفة، مرائن أو مدادات خشبية و مقاطع أو (زوى) حديدية. فى كل تلك الحالات قامت بالأدوار المطلوبة منها بكفأة عالية. صدت أشعة الشمس المتسللة و معها النظرات المتطفلة المجترعة لخصوصية أهل الدار. فى بعض الحالات شكلت درعاً منيعاً ضد إختراقات اللصوص. فوق هذا و ذلك نثرت على محيا العمارة ومضات جمالية تزيدها أشعة الشمس حسناً و هى تغازلها فى غدوها و رواحها.

جماليات بيوت و فلل أعمال عبد المنعم مصطفى إلتزمت بشكل صارم بضوابط فلسفة عمارة الحداثة. لن تجد فيها أبداً أى أثر لمكونات او مفردات كلاسيكية، أقواس أو أعمدة أو عروش قرميدية- مارسيليا. طرق و أساليب إستخدام العناصر الإنشائية- الأبيام و الاعمدة كانت واحدة من أسلحته لنشر الجمال و الحيوية على صفحة العمارة. وظفها بذكاء و تلاعب بها فى تكوينات بديعة فصنع منها مكون جمالي مدهش.

ثمة معالجات آخرى مكملة لمشروع عمارة الحداثة الجمالى نجح عبد المنعم فى إستثمارها للتعويض عن غياب المحسنات البديعة الكلاسيكية. أعانه فى هذا المسعى إحساس فنى فطرى مرهف. حقق ذلك بالإسثمار فى التأثيرات الناتجة عن لعبة التضاد the contrast. تلك الثنائيات المعروفة، الكتلة و الفراغ بالإضافة لتباين ألوان و طبيعة ملامس مواد البناء. وظف تلك المعالجات بحسساسية فائقة يقودها إحساس فنى مرهف فخفف من الأثار السالبة الناتجة عن رتابة و تكرارية عمارة الحداثة. فعوض من غياب أقواس و أعمدة الطرز الكلاسيكية مترفة التفاصيل. برع عبد المنعم فى هذه اللعبة فحبب الناس فى عمارة الحداثة. طبقها بنجاح فى العمارة السكنية. البيوت و الفيلات أكثر أنواع العمارة قرباً للناس فجعلها مقبولة و مححببة.

تمددت عمارة عبد المنعم مصطفى السكنية حداثية الهوية مع بداية السبعنيات و إنتشرت فى أرجاء و إحياء العاصمة المثلثة. إكتسبت لها أراضى جديدة و إقتحمت طبقات مجنمعية و ثقافية أخرى خارج نطاق الصفوة و (الإنتليجنسيا). صارت الخيار المفضل لعدد من نجوم المجتمع العاصمى و أثرياء المدينة الجدد الوافدين إليها من أقاليم السودان المتعددة. صار عبد المنعم فى حالات عديدة هو معمارى الأسرة الممتدة فى حالة شبيه بطبيب العائلة.

ما إشرنا إليه هنا شكل ظاهرة مجتمعية جديرة بالإهتمام. ظهرت هذه الحالات فى شكل مجموعة من البيوت و الفيلات مكونة جزءً كبيراً من أحياء العاصمة. فهناك بيوت آل إبراهيم مالك فى حى الخرطوم أتنين. فى الخرطوم أيضاً مجموعة فيلات آل الخبير المطلة على شارع عبيد ختم  فى الجانب الغربى من حى الطائف. فى الخرطوم بحرى قلاع آل إبراهيم طلب فى حى الميرغنية. ثمة حالة أخرى فى هذا السياق إلا أنها مختلفة نوعاً لأن رب الأسرة العاصمى كان من قبل إدارياً و ليس من رجل أعمال. الإشارة هنا لحالة بيوت و فيلات آال حاج الصافى فى الطرف الشمالى الغربى من ضاحية الصافية فى مدينة الخرطوم بحرى.

هذه الظاهرة المجتمعية الثقافية التى نستعرضها فى سياق مسيرة عمارة البيت الحضرى جديرة بالإهتمام. عمارة عبد المنعم السكنية المشار إليها هنا إستهدفت شريحة من عملائه من أثرياء المدينة الجدد القادمين اليها من أقاليم السودان المتعددة. جل أرباب الأسر هم من شريحة ريفية تقليدية لم تنال قسطاً وافراٌ من التعليم. تبدل الحال هنا عن ما كان عليه فى فترة سابقة فى بداية مسيرته عندما كان يتعامل مع الصفوة و المهنيين. قد يستغرب المرء للإقبال الشديد لهذه الشريحة التقليدية على عمارته حداثية الطابع.  يبدو أن من أسباب تقبلهم لها و تعلقهم بها أنها نجحت فى حسن تقديمهم لمجتمع العاصمة كشريحة حضرية. مثل هذه الحالة تعزز من تقييمنا لدور عبد المنعم مصطفى فى نشر عمارة الحداثة بين طبقات عريضة من المجتمع..

إستعراضى لمسيرة عبد المنعم مصطفى و توقفى عند أهم إنجازته يعزز من فكرة تنصيبى له كالعراب الوطنى لعمارة الحداثة السودانية. يكفى القول أنه كان وفياً لمبادئها لفترة تجاوزت الأربعة عقود من الزمان. حمل لوائها و لم تنقل منه قناة. طورها لكى تواكب الزمن بدون تنازل عن ثوابت فكر الحداثة. قدمها فى أنصع صورة. سودنها فطوعها لمناخاتنا الحارة و و أحاسيسنا الدافئة و قيمنا الراسخة. خاطب بها كافة الطبقات و الخلفيات، و حبب فيها المتعلم و شبه المتعلم، إبن البلد الأصيل و المتفرنج- من الفرنجة الخواجات.

فعل كل ذلك و غادرنا فى هدوء قبل سنوات إلى مهجره فى الولايات المتحدة. غادرنا لا أقول مغاضباً لكنه بلا أدى شك متحسرأً على ما آل إليه حال العمارة بعد أن إغتصبها من إغتصبها. بعد أن ساد فيها الشغب المعمارى كما وصفها رفيق دربه الدكتور منصور خالد.  تركنا و فى عنقنا دين مستحق فقد قدم الكثير و أنجز ما أنجز بلا منى أو أذى. تبقى علينا و من واجبنا أن نوفيه حقه و هو بعيد عنا. من واجبنا أن نرد له الجميل بكافة السبل و الطرق. أقل ما يمكن أن نقدمه له أن نوثق أعماله و نتناولها بشكل يعمم فوائدها. ما قدمته هنا هو جهد المقل. أعمل جاهداً فى تناول مسيرته بشكل شامل و مفصل إذ المضمن هنا يغطى جانب واحد من جوانب عطائه الثر- العمارة السكنية. نرجو أن ييسر لى الله إتمام كتاب كامل يؤرخ لتجربته.

الدكتور معمارى/ هاشم خليفة محجوب

أمدرمان فبراير 2018

 

Leave a Reply

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

Leave a Reply

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d bloggers like this: