الموقع ما يزال في مرحلة التطوير ساهموا معنا بأفكاركم و إقتراحاتكم

+249-9-15176522 drarchhashim@hotmail.com

جزء من كتاب من تأليف الدكتور هاشم خليفة سيصدر قريباً بعنوان (تاريخ البيت الحضرى فى السودان)

 

     

عمارة الكولونيال المصرية

     كما أشرنا من قبل ساهم الجانب المصرى الشريك في نظام الحكم الثنائي فى إثراء العمارة السودانية خلال تلك الحقبة التاريخية، وذكرنا أيضاً إن جل عمارتهم جائت مشبيدة بالحجر الرملي خامة البناء الأثيرة لنفوسهم، و التي إرتبطوا بهم تاريخياً، للأسف الشديد، ولعدة أسباب كانت مساهتهم محدودة، ومتسقة مع دورهم فى إدارة شئون البلاد. بعض أحداث جرت فى السودان سنة 1924 قلصت من وجودهم فى السودان بعد ذلك التاريخ.

    وبالرغم من كل تلك الأحداث تمكن الجانب المصرى من تشييد بعض المبانى، والتي كانت – بالرغم من محدودية عددها – متفردة فى عمارتها، وواحد من أسباب تفردها أنها بنيت بالحجر الرملي، فشكلت إضافة مقدرة  لمجمل عمارة الكولونيال التى أنتجت خلال فترة الحكم الثنائى، وشكلت ثنائية بديعة أكملت مع عمارة طوب السدابة بريطاني المنشأ  اللوحة المشرقة لعمارة تلك الحقبة التاريخية.

مبنى السفارة والقنصلية المصرية

  ساهمت عمارة الكولونيال المصرية في بناء المباني ذات الطابع السياديّ – (مبنييا السفارة و القنصلية ) – ، إذ ركز الجانب المصرى فى البدء على مبانيهم ذات الطابع السيادى، إذ فاتنا أن نذكر طبيعة العلاقة الأزلية التى كانت دوماً تربط مصر يالسودان، فهذا الجانب يحب أن يؤخذ فى الحسبان عند التعامل مع مثل هذه المنشآت ذات الطابع السيادى، فالعلاقات بين البلدين متجزرة، وكانت دائماً متصلة بالرغم من التقلبات السياسية من وقت إلى أخر.

    تم إختيار مبنيي السفارة، و القنصلية بعناية فائقة، فمبنى السفارة على الطرف الغربى من شارع الجامعة، وهو لمن أهم شوارع الخرطوم، أختيرت له منطقة طرفية هادئة بعيدة من مركز المدينة، وقد جوده هناك يعزز من أمنها نسبة؛ لبعد الموقع من صخب المدينة الذى يتحول أحياناً إلى تجمعات ، ومظاهرات بعضها يستهدف مباني السفارات، فلقد كان للسفارة المصرية هدفاً ، ففى أكثر من مرة خلال فترات تقلبات العلاقات بين البلدين، ولم يكن لبعده من مركز المدينة مردود سلبي؛ لأن معظم المتعاملين معه من الشخصيات الاعتبارية التي تصل إليه بعرباتها الخاصة.

     كان مبنى السفارة ضخم، وقد تكون من عدة طوابق، – لقد أُتيحت لي الفرصة فى بداية الألفية لزيارة المبنى ودخوله فتعرفت عليه من قرب-  وهو مشيد من حجر رمليّ، إلا أنك قد تحسبه من حجر جيري نسبة لتعدد ألوانه، ومظهره فخم ، لكنه ليس له طراز واضح، مع إن به بعض لمسات كلاسيكية من عصور إسلامية مصرية سابقة، وتعرض لعدة عمليات صيانة، وتجديد كادت أن تفقده لمستي العراقة، والقدم اللتان منحتاه مظهراً مهيباً يليق بتاريخ مصر، ليبدو مظهره يبدو لكأنه قصر واحد من باشوات مصر فى زمان سابق.

    هناك فرق واضح بين مبني السفارة، ومبنى القنصلية من ناحية المظهر العام ، والشخصية المعمارية، وأيضاً نوعية، وطبيعة الموقع – كما أشرنا لذلك من قبل – مبنى القنصلية المطل على شارع الجمهورية والمقابل لمبنى مجلس ولاية الخرطوم التشريعى من ناحية الشمال يقع فى منطقة مصطخبة الحركة، أختيار الموقع فى مركز المدينة التجاري الإداري كان موفقاً، إذ يسهل من أمرالوصول إليه للمجموعات الكبيرة من عامة الناس وجلهم يقصده لاستخرج تاشيرات الدخول لمصر.

     مقر القنصلية مكون من طابقين، ويحتل مساحة كبيرة. مشيد بكامله بالحجر الرملي وقور المظهر. به بعض الملامح، والمفردات المعمارية التي تمنحه بالإضافة لاستخدام الكثيف للحجر الرملي شخصية معمارية اعتبارية مميزة، حاول المصمم التأكيد، أوالأشارة للهوية المصرية بتفاصيل مركزة على مبنى بوابة الدخول الشمالية الرئيسة المطلة على شارع الجمهورية، فيها إشارات فى شكل مفردات تبدو إلى حد ما متضاربة المصدر، فبعضها فرعوني الملامح ، و أخريات مصدرها من عمارة مراحل عهود مصر الإسلامية، لكنها فى النهاية نجحت إلى حد كبير فى منحه هوية المبنى الدبلوماسى السيادى.

مدرسة الملك فاروق

     حاول الجانب المصري عندما استلم السلطة ، مع شريكه البريطانى فى نهايات القرن تاسع عشر أن يثبت وجوده بشتى السبل، نجح فى ذلك من خلال إهتمامه بقيام عدد من من المؤسسات التابعة له مثل تلك المعنية بشؤون الرى، واهتم بشكل خاص بالجانب التعليمي فى محاولة لمنافسه شريكه البريطاني الذى أنجز الكثير فى هذا المجال، وقاموا بعمل كبير، إذ  أسسوا مدرسة الملك فاروق الثانوية، فقد أولوا هذا المشروع اهتماماً كبيراً، لكآنهم هنا أرادوا أن يدخلوا فى منافسة مع شريكم البريطاني الذى أسس مع بداية القرن العشرين ذلك الصرح الشامخ التعليمي كلية غردون التذكارية.

    إحتل مقر مدرسة الملك فاروق زمانئذ موقعاً شاسع المساحة يحتل مربعاً بكامله فى الطرف الغربي لمركز الخرطوم التجارى الإداري الذي يقع عند تقاطع شارعيين رئيسيين غُيرَ اسهما فى زمان لاحق – (شارع الجمهورية مع شارع على عبد اللطبف) – ، المبنى المكون من طابقين مشيد بكامله من الحجر الرملى خامة البناء الأثيرة بالنسبة للمصريينن منحه الإستخدام الكثيف لهذه الخامة بالإضافة للعديد من المكونات، والمفردات كلاسيكية الهوى بصمة معمارية بأئنة أعطته شخصية إعتبارية واضحة.

      لقد بذل في ذلك المبنى مجهودات مقدر فى تصميم المبنى، وإعداد مرافقه، وتهئيته ليضم بين دفتيه مؤسسة تعليمية ذات شأن عظيم، وسنوضح ذلك بشئى من التفصيل لاحقاً. هناك أيضاً حرص بائن فى معالجة واجهات المبنى بشكل يبرز الجوانب التراثية تظهر فى شكل مفردات فوق النوافذ الخارجية المطلة على الشوارع الرئيسة تحتشد بشكل كثيف فى البوابة العملاقة المطلة على شارع الجمهورية وكانت ذات طابعها العام كلاسيكيا، وفيها إيماءات للعديد من المرجعيات التاريخية بعضها غربي الهوى، وأخرى مأخوذة من تراث الممالك الأسلامية المصرية. فى هذا السياق الإخير نجد بعض المقرنصات على الجانب الأعلى من مبنى البوابة الرئيسة.

     الواضح من الإهتمام الكبير الذى أولاه الجانب المصرى لمقر ومبنى مدرسة الملك الفاروق أنه كان يسعى إلى حد كبير لمنافسة شريكه البريطاني فى إنجاز شبيه. كان البريطانيون قد أسسوا، وشيدوا مع بداية القرن الماضى مقراً لأول مؤسسة تعليمية أرادوا أن يجعلوها رأس الرمح لاقتحام هذا المجال، وهي كلية غردون النذكارية، وقد اجتهدوا كثيراً فى أن يصمموا  يشيدوا صرحاً معمارياً يرتقى لمستوى من أرادوا تخليد ذكراه فى هذا المبنى و فى قيمة المؤسسة الرائدة، و نجحوا فى أن يكون طرازها مؤسساً على تراثهم المعماريالمميز، فلقد اجتهد الجانب المصرى فى مجاراتهم فوضع بصمات من تراثه على عمارة مدرسة الملك فاروق.

      بدأ مبنى، ومقر المدرسة فى النهاية فى شكل مشرف للغاية بمقاييس ذلك الزمان، والدليل على ذلك أنه، وفى زمان لاحق بعد إستقلال السودان سعت السلطات المصرية لإستغلاله لإستيعاب مؤسسة تابعة لجامعة القاهرة الأم، فصارت فى حقبة لاحقة إمتدت حتى بداية التسعينات مقراً لجامعة القاهرة فرع الخرطوم، و هى مؤسسة كان لها شأن كبير، و مساهمة فاعلة فى التعليم الجامعي خلال تلك الفترة، ففى زمان لاحق عندما إستلم نظام ثورة الإنقاذ الوطني مقاليد الحكم فى البلاد دخل فى مواجهات مع مصر أدت لتصفية تلك الجامعة المصرية. فى إطار ثورة التعليم العالي التي فجرها النظام آل مقر جامعة القاهرة لجامعة النيلين الوليدة زمانئذ، فخصصته لكلية الآداب التابعة لها.

     فى سياق استعراض مساهمات الجانب المصري المعمارية خلال فترة الحكم الثنائى من المهم أن نشير أيضاً لمجهودات مقدرة فى مجالات أخرى من أهمها التعليم، فقد كان يدير أنشطتها عدد كبير من الكوادر المصرية خصصت لهم عدد من المرافق كمبانى إدارية ، و لإسكان منسوبى المؤسسات المتعددة، شُيدت فى منطقة المقرن الواقعة المحيطة بموقع مدرسة الملك فاروق، وقد شيدت كلها بالحجر الرملي، فقد اهتموا بتصميم بعضها ، حتى فبدت فى حلة زاهية. من أميزها مبنى مطل على شارع المجمهورية و يقع غرب مدرسة الملك فاروق. يتميز بحضور باذخ وقور مطعم بمكونات تراثية رزينة. رشحه مظهره المشرف فصار مقر مدير جامعة جامعة النيلين.

جامع فاروق:

   واحد من إهم إنجازات الجانب المصرى المعمارية خلال فترة الحكم الثنائى خرج من نطاق المبانى السيادىية، و شبه السيادية، و التعليمي، نشير هنا بالتحديد لواحد منها قدم مساهمة فاعلة ومقدرة فى مجال العمارة الإسلامية، و قد عرف بإسم جامع فاروق.  شيد خلال تلك الحقبة التاريخية فى العقود الأولى من القرن الماضى، من واقع إسمه الواضح إن مشروعه، وقد نفذ بإهتمام،  دعم كبير من الملك فاروق ملك مصر زمانئذ. شيد فى الطرف الغربي من مركز الخرطوم التجارى، فى موقع مفتاحى عند تقاطع شارع الجمهورية أهم شوارع  العاصمة مع شارع الحرية. 

    بالرغم من أن جامع فاروق صغير فى حجمه مقارنة بباقى المساجد المدن الرئيسة، إلا أنه  يضم بين دفتية عدد مقدر من مكونات العمارة الإسلامية التاريخية؛ لهذا السبب إننى أعتبره بمثابة المتحف. بناءً على طبيعة ونوعية إستخدامه يصنف كمتحف حى، فهو مفتوح و متاح لأداء كل الصلوات الخمس بالأضافة لباقى الصلوات الأخرى مثل صلاة الجمعة. موقعه فى قلب مركز المدينة التجارى كان و ما زال يؤمن له فى أغلب الأوقات نسبة حضور عالية.

صغر حجم جامع فاروق بالمقارنة بالمساجد الرئيسة المهمة الأخرى منحه ميزة إضافية، إذ بالإمكان احتواه فى نظرة واحدة  مما يضاعف من تأثيره على النفس. عليه يعتبر البعض أن هذه الخاصية تعلي من قيمته الجمالية. الفرنجة فى الغرب أطلقوا فى سبيعنيات القرن الماضى مقولة شهيرة صاغوها بلغتهم بشكل مختصر فقالوا : small is beautiful. الصغر بالنسبة لجامع فاروق لم يكن فى حجم المبنى ككل، لكنه ينطبق أيضاَ على مكوناته و أجزائه الرئيسة. سنتناول هذا الجانب بشئى من التفصيل لأحقاً.

من المفترض أن تكون أساس علاقة المسلم بالمسجد الحميمية الدافقة. يشار إليه ببيت الله، و بئية البيت ترتبط دائماً بالدفء الإنسانى. نرجع مرة أخرى لعمارة ، و مكونات جامع فاروق الرئيسة، مثل الأعمدة، و الأبواب، و المداخل حجمها ليس مفرط فى الضخامة كما هو الحال فى مثيلاته من مساجد المدينة الرئيسة. مثل هذه الأحجام يشار إليها فى فلسفة، و نظرية العمارة باللغة الإنجليزية بالـ human scale. إشارة بأن صغر حجمها النسبي يكاد يجعلها فى متناول اليد. مثل هذه العلاقة بين الإنسان، و مكونات العمارة من حوله تخلق أجواء محببة مفعمة بالحميمية. ما سقته هنا جهد تفسيرى قد يتفق أو يختلف معى فيه الناس.

تقديري العالي لعمارة جامع فاروق أسسته على أسباب أشرت لبعضها من قبل، أضيف إليها مبرر بالغ الأهمية بالنسبة لى، فأجد أن له صلة مباشرة باحتشاد هذا العمل المعمارى بالغ التميز بالعديد من مكونات العمارة الإسلامية التراثية، وكأستاذ جامعى مختص فى مجال نظرية، و تاريخ العمارة أجد متعة خاصة فى تدريس العمارة الإسلامية، واستمتع بشكل خاص بالسياحة فى عوالم تراثها المدهش، وكنت دائماً عندما أتعرض لهذا الموضوع أجد نفسى مضطراً لاستعراض نماذج عديدة من المساجد لكي أغطى هذا الموضوع، فحالة جامع فاروق كان دائماً تريحني، وفر على الجهد؛ لأنها تتوفر على عدد من المكونات التراثية تحت سقف واحد.

     من أهم ما تتميز به عمارة جامع فاروق الدرجة العالية من الدقة التى نفذ بها هذا العمل، و يعتبر هذا الأمر قمة فى التحدي عندما تكون مرجعيته بقيمة تراث العمارة الإسلامية بكل زخمها المعروف، فلقد وضعت الجهات المعنية بأمر تصميمه ذلك الأمر فى الحسبان، وهى تخطط لهذا المشروع الطموح مدركة تماماً الإمكانيات البشرية، و المادية المتاحة لها. عليه استبعدت خيار الحجر الرملي بالرغم من علاقته الحميمة بمصر، و تراثها. يبدو أن ندرة النحاتين زمانئذ رجحت خيار الحجر الصناعى الذى يمكن أن يحقق نتائج مرضية إلى حد بعيد، و قد ثبت ذلك فعلاً. الحجر الصناعي يصنع من خامة قوامها الأساى مادة الأسمنت المخلوط بالرمل.

رؤية الجانب المصرى عالية الطموح، وهم يخططون لمشروع جامع فاروق يمكن النظر إليه من زاوية منافستهم المستعرة لشريكهم فى منظومة الحكم الثنائي. كان ذلك الشريك قد سبقهم، وشيد كنيسة كبيرة فى إطار مجمع قصر الحاكم العام، لقد جاء شكلها الكلاسيكى المعزز بالحجر الرملي مهيباً فوقفت بثقة بجوار عمارة القصر البيضاء بالغة الحضور، لكآنى بالجانب المصرى أراد أن يرد الصاع صاعين لشريكه البريطانى، فشيد على بعد بضعة مئات من الأمتار من مجمع القصر عمارة إسلامية كلاسيكية كاملة الدسم، جسدها فى مشروع جامع فاروق.

      أشرنا من قبل ونعيد ما ذكرناه مرة أخرى إن من أهم أسباب تفرد مبنى جامع فاروق توفره على عدد مقدر من مكونات العمارة الإسلامية التراثية الأساسية. منها ما كان يعرف بإسم بالمقرنصات، و هى أجزاء بارزة من واحدة من مكونات المبنى. بروزها يكون بشكل تصاعدى، أى أنها تبرز أكثر كلما إرتفعت، وبارتفاعها على هذا النحو تحمل معها جزءً أو مكوناً ثانوياً من المبنى، إذ نجدها فى جامع فاروق مركزة فى مبنى المئذنة، وهي مستخدمة لتحمل شرفاتها، بلكوناتها، الموزعة فى أكثر من مستوى، فدورها هنا يتجاوز حملها لتلك المكونات الثانوية، فهي منحوتة بأشكال رائعة ، وبذلك صارت إضافة مقدرة لجماليات العمارة.

   المشربية هى من واحدة أهم معالم و ملامح العمارة الإسلامية، لدرجة أنها صارت ماركتها المسجلة، وهي عبارة عن شبكة شبه شفافة مكونة من أطوال صغيرة خشبية تتقاطع مكونة أشكالاً هندسية بديعة، برع المصمم ، و الحرفي المسلم فى شتى أرجاء عالمهم فى إستنباط نماذج متنوعة منها مفرطة الجمال ساهمت بشكل مؤثر فى أثراء واجهات العمارة الإسلامية  عزز من تأثيرها الإيجابى طبيعة مناخات البلدان الإسلامية الحارة و ساطعة الشمس.

      توضع المشربيات على النوافذ فتخدم عدة أغراض بالإضافة لمردودها الجمالى. تساهم فى كسر أشعة الشمس و هو أمر مهم جداً بالنسبة لأغلبية البلاد الإسلامية. تخدم أيضاً غرضاً أخر أساسي مرتبط بقيم الإسلام، فوضعها على النوافذ يؤمن قدر عالى من الخصوصية داخل المباني بالذات البيوت. من أهم الخدمات التى قدمتها لنا عمارة جامع فاروق إسلامية الطراز أنها أهدتنا تلك المشربية الرائعة المعلقة على نافذة عليا فى الجانب الجنوبى الغربي، والتي  ظلت لعقود عديدة هى الأنموج الأوحد، وستظل هي الأدق فى صناعتها، و تفاصيلها، ونسأل الله أن يحميها من الإهمال، وحماقات بعض الجهات الرسمية التى تنتاشها بحجة التجديد، و الصيانة.

لا شك فى أن المعماري، والمزخرف المسلم قد أصيب بصدمة بالغة عندما صارت صور الأشخاص، واستخدام التماثيل فى إطار العمارة الدينية محرماً. المعروف أن هذه العناصر الإضافية تشكل ركناً أساسياً فى العمارة الخارجية، والداخلية لعدد من الديانات، فمعابد حضارات العهود الضاربة فى القدم، و كنائس المسيحين كانت عبر العصور منصة للأعمال الفنية من صور لشخصيات دينية، و تماثيل التي أبدع فيها أعظم الفنانين من أمثال: فدياس، و مايكل أنقلو، و ليوناردودافنشي.

لكن المعماري، و المزخرف المسلم لم  يستسلم لحالة الإحباط التى أعترته، إذ سرعان ما خرج من حالة الصدمة ظافراً، فقد إختط له طريقاً أوصله لنتائج باهرة أكسبت العمارة الإسلامية ألقاً باذخاً، ومنحته تميزاً صار أشبه بالماركة المسجلة. الإشارة هنا لجانبين مهمين. أولهما المكون الزخرفى الذى تعمق فيه الفنان و المزخرف المسلم، و حلق به إلى آفاق عالية بأجنحة فلسفية مرفرفة، و الجانب الثاني هو فنون الخط العربي الذى تم التعامل معه بشكل شبيه بما تم فى المكون الزخرفى، وتم تطويره بإفتراع عدة أساليب، وطرازات، فشكل تؤامة مدهشة مع شريكه المكون الزخرفي.

    تجسد عمارة جامع فاروق بالذات الأجزاء الخارجية منها حالة عناق حميم بين هذين المكونين الرائعيين المشار إليهما هنا، الزخرفي، و الخطي.  تم التركيز بشكل خاص على المكون الزخرفى تطفح بهما أسطح المبنى ، و تتردد أصدائه فى كل جنباته، وترفرف على أطرافه، و تحلق على رؤوس حوائطه، وإنتحت الزخارف لها منحىً جديداً إذ صار لها بعداً ثالثاً. نلاحظ ذلك على نحو خفيف فى القبة التى تعلو مبنى المئذنة، لكن الزخارف ببعدها الثالث تتفجر ألقاً فى المقرنصات الموزعة فى أجزاء المبنى، تتقافز، و تصعد برشاقة مكونة أشكالاً زخرفية لتحمل أجزاء المبنى الثانوية هنا و هناك.

لم يكتفى المكون الزخرفي، و يقنع بوجوده، و تسلقه أسطح الحجر الصناعى. طوف بأرجاء المبنى الأخرى متسللاً إليها من خلال مواد البناء، و التزيين، و فعل العجب عبر خامة الخشب المتدفقة رقة، فنسج من أطواله الرفيعة أجمل ألأشكال الهندسية على سطح وحدة المشربية المعلقة على واجهة المبنى. خارجياً ظهر المكون الزخرفي بشكل محدود محمولاً على أجنحة الرقائق المعدنية. ظهرت أشرطة النحاس البراق تطوق خصر أعمدة القرانيت الرشيقة التى تحمل عرش مبنى مدخل المسجد الصغير، التمعت الرقائق النحاسية مرة أخرى فى نفس ذلك المكان، مزينة هذه المرة سطح الباب الخشبى المفضى لقاعة المسجد بأشكال زخرفية بديعة.

     أبى مكون الخط العربي إلا أن يكون له دور معلوم ما فى تلك اللوحة التراثية الرائعة التي رسمتها عمارة جامع فاروق. خارجياً دخل بشكل محدود لكنه مؤثر فى مبنى المدخل الصغير المفضى لقاعة الصلاة. ظهر هنا بشكل يعرف بإسم النقش الغائر relief work. جاء فى نسق متكامل و مكمل للأعمال الزخرفية. لم يقنع مكون الخط العربى بهذا الدور والإطار الخارجي المحدود فى عمارة المبنى، فتخطي الحواجزـ و تسلل إلى الداخل فى قاعة الصلا، فظهر هنا فى حلة مختلفة، فخلع رداء النقش الغائر المرتبط خارجياً بالشمس المشرقة. سطع على مساحات مسطحة فى ألوان زاهية فنشر الألق فى أرجاء المبنى الداخلية.

إندياح أعمال جامع فاروق الزخرفية عبر أكثر من واحد من خامات البناء، و التزيين يوشر على قيمة مهمة جداً لهذا العمل المعماري المتمي، فالمعمارى هنا استثمر فى واحد من أهم مرتكزات العمارة الإسلامية الكلاسيكية، وتنوع الخامات فى نفس العمل، وجاء توظيفها هنا جاء عبر عدد من مكونات المبنى الكبيرة و الصغيرة، ففى هذا الإطار نجحت عمارة جامع فاروق فى التحدث ببلاغة، و بلسان إسلامي فصيح.

    بعض الصعوبات العملية لم تمكنهم من إستخدام الحجر الرملى، إلا أنهم وظفوا الصناعي منه بطريقة ممتازة، وهو ما سمح لهم بالتعامل بنجاح مع أدق التفاصيل، فأنتجوا عملاً معمارياً يشع ألقاً، إذ استثمروا فى الخشب، ووظفوه بحرفية عالية فى المشربية الكبيرة، فنثروا الجمال على صفحة العمارة، واستخدموا شرائط رقائق النحاس بشكل محدود محسوب بعناية، وطوقوا الجزء الأسفل من أعمدة القرانيت الرشيقة بأسورة ملتمعة، فجعلوا العمارة تبرق من طرف خفي. لم تتخلف خامة الزجاج عن الركب إذ مثلتها بجدارة مساحات الزجاج المعشق فى النوافذ العليا لقاعة الصلاة، وسربت أشعة الضياء الملونة برفق، فساهمت فى رفع وتيرة دراما العمارة الداخلية.

    تنوع مواد خامات البناء، والتزيين منح عمارة جامع فاروق ثراءً مترفاً. استثمارها فى صناعة عدد من المكونات، و المفردات أكمل الصورة الزاهية، إذ لم يخرج هذا العمل من إطار العمارة الإسلامية التراثية، إذ سعى لتعزيزها ، وإبرازها فى أجمل صورة من عناصر هويتها، وخارجياً كانت هناك المقرنصات الموزعة هنا ، و هناك، وتجاورها المشربية التي تزين صدر العمارة ، وفى ركن خفي فانوس معلق كما القرط يزين أذن الحسناء، يسترجع أمجاد حقبة مصر الفاطمية. خارجياً تسطع الهوية عبر مساحات مدهشة من الزخارف و أروع فنون الخط العربى وتكتمل الرسالة داخلياً بشرائط مموسقة ملونة من الخط العربي، وومضات نوافذ الزجاج المعشق المعلقة تحت القبة.

   مشروع مبنى جامع فاروق مجهود جبار، وعمل بالغ التفرد أنجزه الشريك المصري فى نظام الحكم الثنائي رد فيه بقوة على مشروع شريكه البريطاني الذي شيد كنيسة قصر الحاكم العام، لقد تفوق مشروع الجامع في عدة جوانب، وقد استعرضت عمارته بقوة ، و بكل إعتزاز كل مكونات، و تفاصيل تراثنا البازخ بالإضافة إلى ذلك كان موقع الجامع واحد من أهم عوامل تميزه على الكنيسة،  ووجوده فى مركز المدينة التجارى جعله متاحاً لأكبر عدد من المصلين. عزز من توافدهم تعاليم، و تقاليد ديننا الحنيف الذي لا تضع حواجز تمنع عامة الناس من ارتياد مثل هذه المساجد. كل تلك العوامل قد رجحت كفة جامع فاروق الذى بقى شامخاً يحكي للأجيال المتعاقبة عظمة تراث العمارة الإسلامية.

Leave a Reply

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d bloggers like this: