+249 90 003 5647 drarchhashim@hotmail.com

عمارة بيوت سواكن: مدد يا الشريفة مريم

هناك تباين بين النقاد والمعماريين والناس عموماً في نظرتهم للتراث المعماري. عالمياً كان الاهتمام به عبر الأزمنة في حالة تأرجح، فترات إهمال تعقبها فترات حالات اهتمام بالغ. أبلغ دليل على ذلك ما حدث في إيطاليا في القرن الخامس عشر الميلادي. إذ أدت حالة الغيبوبة والتوهان التي عاشتها الفنون والعمارة إلى هَبة وغضبة مضريه. رأت الخلاص في العودة للمنابع الموجودة في لدن كنوز عمارة وفنون حضارات اليونان وروما القديمة. استمر الحال على هذا المنوال لعدة قرون ليضع له فكر وتوجه الحداثة نهاية مؤقته في الغرب الأوربي مع بدايات القرن العشرين. اجتاح كل مجالات الإبداع والفنون وكان للعمارة نصيب مقدر منها. بعد شهر عسل طويل حملت سبعينيات القرن الماضي أخبار غير سارة لذلك. هبت حركة عكسية تنامت مع مرور الزمن كان ضمن ما دعت استرداد أراضي الكلاسيكية جرفتها جحافل الحداثة. عاد فكر الكلاسيكية تحت مظلة كبيرة يشار إليها بحركة ما- بعد-الحداثة. وجدت لها موطئ قدم هناك وتبلورت في ثوب جديد عرف مدرسة أو طراز الكلاسيكية الراجعة وهي باللغة الإنجليزية Neoclassical style.

. جاءت نشاءة الطراز الجديد زمانئذ أو في الواقع هي استفادت من غضبة مضريه نتجت عن تجاهل فكر الحداثة وعدائها السافر للتراث. سار النضوون تحت لوائه في عدة مسارات تحت إطار واحد عريض مشترك. تميزت عن بعضها البعض في درجة نقلها من المنبع التاريخي. فبعضها أعاد استخدام نفس تلك المباني التاريخية مع تغيير في وظيفة المبنى الأصلي وأشهر من مثلهم المعماري الأشباني ذائع الصيت ريكاردو بوفلي. مسار أخر استنسخ الأشكال التاريخية مع تغير في أحجامها ومواد بنائها ونوعية استخداماتها. أبلغ مثال له ذلك الهرم الزجاجي الكبير الرابض في فناء متحف اللوفر في باريس وهو من تصميم المعماري الأشهر بييى Pie. من أروع الأمثلة أيضاً متنزه (دا إيتاليا) فى مدينة نيواورليانز بالولايات المتحدة وهو من أميز أعمال المعماري العبقري وليامز. المسار الأهم وأهميته نابعة من انه اختط طريقأ محفوفاً بالتحديات يحتاج لطاقة إبداعية هائلة. تنكب من سلكوا دربه أصعب الطرق إذ لم يلجوا لأي نوع من أنواع النقل الحرفي من التراث. تشربوا بفكره واستلهموه لصناعة عمارة تكاد تخلو من أي مكونات أو تفاصيل منقولة من المخزون التراثي. من أروع الأعمال في هذا السياق برج الهيومانا Humana في مدينة لويس فيل في ولاية كنتاكي      الامريكية الذي صممه مايكل قرافيس.

شواهد عديدة تشير لتراجع أسهم عمارة الحداثة في بلادنا وهو أمر غير مستغرب على الإطلاق. لأن من ابتدع فكرها وأسس لها في النصف الأول من القرن الماضي في الغرب الأوربي كان أول من تشكك لاحقاً في جدواها. كما أشرت لذلك من قبل أفرزت تلك التطورات واقعاً جديداً أدى لتكوين جبهة عريضة مناهضة لفكرها ونهجها. فتح مسارات متعددة قدم كل واحد منها منهجاً للخروج من هذا النفق المظلم. فطُرحت في هذا الإطار خيارات متنوعة في منهجها وسماتها تبلورت في شكل طرازات تحت مظلة واحدة عريضة. بالغة التنوع في فلسفاتها ومخرجاتها ومتباينة في مناهجها. بعضها مؤسس على فكر عميق ممعن في الجدية وأخرى قائمة على نهج رومانسي وبعضها الأخر جاء طرحه خفيف الظل يصل لدرجة الدعابة والهزل. فهل يمكن أن نكون ونحن نعيش في خضم كل تلك المتغيرات المهمة ملكيون أكثر من الملك نفسه. هل يمكن أن نظل نستعصم بفكر الحداثة ونهجها الجامد ونظل نجرب المجرب الذي اثبت خوائه. هل يجوز لنا أن نفعل ذلك ونحن نتعامل مع شعب يجسد أميز صور التعددية العرقية والثقافية. هل يجوز وهذا حالنا ان نصر على تبنى هذا النهج إحادى الرؤى. الهَبة التي نهضت في بلادنا مع نهايات العقد الثاني من الألفية رافعة شعاراتها النبيلة يجب أن يمتد أثرها لتسعي لتغيير تلك المفاهيم الجامدة العقيمة.

نوهت من قبل بشكل عام للتوجهات الجديدة التي اقترحت كمسارات يمكن ان تساعد في الخروج من نفق فكر وعمارة الحداثة. التي تقع كلها تحت مظلة توجه ما-بعد-الحداثة وباللغة الإنجليزية بال Postmodernism. أشرت بشكل عابر لتفريعات خرجت من رحم التوجه التي ظلت تعمل تحت مظلته بأسماء طرازات متعددة. انتقيت واحد منها على وجه الخصوص عرف باسم الكلاسيكية الراجعة وباللغة الإنجليزية بال neoclassical style. كما هو من واضح من مسماه يرتكز بشكل أساسي على التراث. اختياري لهذا الطراز بالتحديد لم يكن اعتباطا أو محض صدفة.  فبلادنا بتاريخها الضارب في القدم وأراضاها المترامية الأطراف تتوفر على رصيد وافر جداً من مخزون العمارة التراثية. يرجع تاريخ بعضاً منها لآلاف السنين قبل الميلاد. يتمدد عبر الزمن والدهور ليلامس عهود غير بعيدة زمانياً تشكل جزء مهم من تاريخنا الحديث. هذه المعطيات المهمة هي دفعتني لكي أبتدر هذه المقالة واجعل الحديث من ملامح هذا طراز مدخلها الرئيس.

على ذكر تراث العمارة السودانية أجد نفسي دائما ولأسباب متعددة منجذباً ومشدوداً دائماً نحو حالة ميناء سواكن التاريخي. واحد منها زخمها وثرائها المدهش المبهر المنداح عبر جوانبها مترامية الأطراف. ثمة سبب أخر وجيه للغاية ويستدعى التدخل السريع. هو حالة الاندثار التي تعاني منها التي أوشكت أن تؤدى لمحوها التدريجي من الوجود تماماً. لولا بعض جهود محدودة المساحة والأثر تفضل ببعض منها علينا الأتراك. شهادتي مؤسسة على زيارتي لها قبل بضع سنوات نظمتها لنا هيئة الآثار. وجدتها زمانئذ حالها يغنى عن السؤال محزن للغاية. أطلال في كل مكان لو وجدت شاعر متفاعل صادق لبكى عليها كما لم يفعل شخص من قبل. المحزن حقا أننا لم نقدم حتى جهد المقل وهو التوثيق الشامل العلمي الدقيق. مع إقراري بجهد قام به أستاذنا الجليل البروفيسور معماري عبد الرحيم سالم. أرجو أن تكون إفادتي في هذا السياق صادقة ودقيقة. المحزن أكثر وفق متابعتي الشخصية أن من أحسن من وثق لها أجنبي نصراني هو الأستاذ التشكيلي جان- بيير قرينلو. الذي يعود له فضل تأسيس مدرسة الفنون في حضن كلية غردون التذكارية في بدايات القرن الماضي. توج جهده ذاك بسفر بالغ القيمة وثق فيه لعدد مقدر من مباني الجزيرة. صدر باللغة الإنجليزية بعنوان The Coral Buildings of Suakin. ترجماتها مبانى سواكن المرجانية.   

الواضح أن حالة قرينلو وعلاقته بسواكن كانت علاقة راهب متبتل في حضرة صرح عبادي ومحجة بالغة الأثر. الواضح أيضا من واقع سِفره التوثيقي بازخ القيمة أنه جاب كافة جوانبها واستكشف معظم مبانيها. متفحصاً بعناية فائقة كافة تفاصيلها المعمارية والفنية بإحساس (جواهرجى) بارع. لم يكتفى بالمعلومات الوافية الدقيقة التي غطت عدد مقدر من أميز المباني. عززها بعدد كبير من الرسومات المنفذة بطريقة (الاسكتشات) السخنة. موظفاً الريشة المعدنية التي تنبض حيوية مع حركة أنامل رسام فائق الإحساس. بعد إرتواها من مداد الحبر الصيني او الشينى كما اعتدنا أن نسميه. لكأني به هنا من خلال رسوماته النابضة قد بث الروح في تلك العمارة المندثرة. بصراحة كلما تصفحت كتابه وتأملت تلك الرسومات الممتلئة حيوية أصابتني حالة زغللة. يشار إليها باللغة الإنجليزية بال after vision. تلك الحالة التي تمر بالواحد منا عندما يكون في غرفة مظلمة نوعا ما ويحملق عبر نوافذها المفتوحة على سماء ساطعة الضياء. فيظل لفترة كلما أغمض وفتح عينيه يرى مواقع تلك النوافذ في شكل مربعات غامقة اللون. هكذا يكون حالي دائماً بعد كل جلسة تصفح لكتاب قرينلو. حالة تتلبسني وتنتابني أيضا عندما أتجول في أرجاء المدينة وأحدق في ملامحها الباهتة. تلك اللوحات أوحت لي بأفكار رائعة. أرجو أن أجد بعضُ تمويل لكي انقلها لأرض الواقع في شكل مدهش يخلد ذكرى سواكن التي صارت إلى زوال.  

مطالعة فصول كتاب قرينلو تنقلك لعالم مدهش مكمل لتلك اللوحات البديعة. وصف تفصيلي مبهر لكل أرجاء المدينة ومبانيها. أولى تخطيط الجزيرة وعمارتها كامل الاهتمام المطلوب كآنه مختص وخبير ضليع في تلك التخصصات. من خلاله تعرفت بعمق على كافة جوانب هذه الحالة. الجزيرة نفسها كانت مدهشة بحق من أكبر مكوناتها لأصغر تفاصيلها. على سبيل المثال شكلها في الصور الجوية وهي متصلة بالبر الثاني بجسر رفيع يشبه ارتباط الجنين في بطن أمه بالحبل السري. من أهم ميزاتها توفرها على عدد من أنواع المباني متنوعة الاستخدامات. بالإضافة إلى ذلك تميزت بتعدد الطرازات. فالمساجد ذات طابع إسلامي تراثي متميز. أما مبنى الحكمدارية فهو (كولونياليى) السمات. إشارة لطابع عمارة ارتبطت بنظام الاحتلال البريطاني في مستعمراته المنتشرة في أرجاء العالم. من جانب أخر كانت البيوت و (الفيلات) ساحة تنافس في العمارة الكلاسيكية مرجعيتها تركية ومصرية. المحصلة النهائية تباين وتنوع مدهش في أنواع المباني لممت أطرافه إحادية الخامة واللون. فكل المباني كانت مشيدة بالحجر المرجاني المطلي باللون الأبيض فشكلت لوحة ممعنة في الاتساق. كسرت من رتابتها الشرفات أو البلكونات المعلقة الموزعة في الواجهات. متوشحه بالمشربيات الخشبية المخرمة التي تتقاطع فيها قطع خشبية منحوتة بعناية فائقة. تبرق هنا وهناك على امتداد تلك الخلفية البيضاء الممتدة في أفق المدينة فتنشر فيها الحيوية.

حرصت دائماً عند تناولي للعمارة الكلاسيكية واستعراضها ألا أتعامل معها بمفهوم        عبدة الأصنام والأبقار المقدسة. كنت دائماً أحاول ان أستفيد من مما قدمت من دروس بليغة بهدف توظيفها على نحو ما للتعامل مع الواقع المعاش. عليه، هانزا هنا أستثمر في حالة جزيرة سواكن بكافة مكوناتها وتفاصيلها. أتسأل في البدء بكل براة ورسالتي موجهة للأخوة المخططين الحضريين. أليس بالإمكان العودة مرة أخرى ولو بشكل جزئي لتلك الشوارع الضيقة المتعرجة نوعا ما هنا وهناك. فقد خدمت في تجربة سواكن أغراض نبيلة مؤثرة مناخياً و ثقافومجتمعياً باللغة الإنجليزية sociocultural. بالإضافة لما أضفته على أجواء الأحياء من حيوية وروح مفاجأة محببة.

من المهم هنا أن مثل هذه الأفكار التخطيطية تؤشر لأهمية مراجعة الأنماط التخطيطية الجامدة السائدة. ورثناها من المحتل عندما طبقتها الجهات الرسمية في نظام الحكم الثنائي مع بدايات القرن الماضي. ما زالت للأسف تطبق بحذافيرها. استيعاب الأفكار البديلة التي أشرت إليها هنا يمكن أن يتم في إطار أنماط مبتكرة بديلة من التخطيط. مثل النظم التي تعرف بالبيوت المصفوفة باللغة الإنجليزية terrace houses. أعتبر ملاحظاتي هنا مجرد محاولة للفت نظر للمخططين الذين ما فتوا منذ عقود عديدة يغمرون بلادنا من أقصاها إلى أقصاه بأنماط تخطيطية مكررة. بدون أي اعتبار لتنوع أطياف أهلنا في أرجاء البلاد من حيث ثقافاتهم المحلية وأعرافهم. أشرت لهذه الظاهرة في رسالتي لنيل درجة الدكتوراه. رغم تقادم الزمن فيها مؤشرات مهمة تستحق التوقف عندها. أخذها بعين الاعتبار مهم ونحن نعيش في مرحلة انتقالية تؤلى اهتماما خاصاً للأقليات من أهل الهامش في أطراف البلاد.

بيوت سواكن تحتشد بالأفكار التي تستدعى الانتباه ومحاولة استيعابها بتصرف. بالذات أنها تتعامل بذكاء مع تحديات المناخات الحارة والقيم والأعراف المعنية بأمر الخصوصية. على سبيل المثال أشير هنا للفناء شبه الوسطى الرابض عند مدخل الدار ب (فسقيته) أو نافورته المميزة. خلقوا منه منطقة ممتازة شكلت امتدادا خارجياً للديوان او حجرة الاستقبال. خلقوا منه منطقة تلاقى ومؤانسة مع ضيوف الاسرة من الرجال. أبدعوا في ترتيب علاقته مع باقي أجزاء البيت تحديداً الجزء المخصص للعائلة والنساء في الطابق الأعلى. الذي جعلوا فيه شرفة، بلكونه، سمحت للنساء وهن في (خدرهم) هناك ان يشاركوا من على البعد الرجال أنسهم في حديقة الدار الأمامية. بدون أن يجترح ذلك من خصوصيتهم التي كانت شغلهم الشاغل. اهتمامهم بتواصل نساء الدار بما يجرى من حولهم تجلى في جانب مهم من تصميم بيوتهم. حرصوا من خلاله على تواصلهن مع العالم الخارجي بدون ان يبرحن مكمنهن طابق الدار الأعلى. حققوه بتصميم مبتكر للشرفات المطلة على الشارع. أحاطوها بالمشربيات التي أشرنا إليها من قبل. بشبكتها الخشبية المخرمة سمحت لهن بمتابعة حياة الطرقات المصطخبة حيوية بدون أن يخصم ذلك من خصوصيتهن. ما أحوجنا لمثل هذه الحلول المبتكرة مع تزايد أعداد نسائنا وفتياتنا الحبيسات في شققنا المعلقة.  

الأبداع المتدفق في بيوت سواكن لم يقتصر فقط على عمارتها الخارجية إذ تسرب إلى الداخلية منها. يتجلى ذلك في أكثر من جانب منها. لعل من أهمها اعتمادهم لنظام قطع الأثاث المثبتة في المبنى التي فطن إليها الغرب لاحقاً. مثال لذلك تلك الخزانات المستخدمة لعدة أغراض. طبقوا نفس النظام على الأسرة. أعظم ما في هذا النظام انه حرر المنطق الوسطى من الحجرات من ازدحام قطع الأثاث التي تعاني منه حجراتنا. أكثر ما يعجبني في أنواع قطع أثاثهم أسرتهم. فهي مصممة لكي تستخدم كآرائك أثناء ساعات النهار لتصبح في المساء أسرة للنوم. ما أحوجنا لمثل هذه الأفكار في غرفنا التي تتحول أثناء النهار لغرف استقبال ومعيشة. أجمل ما في هذه الأسرة الأرائك جانبها الخلفي. نافذة عريضة تسمى (الروشان) مصممة بحيث يمكن فتحها بدون أن تكشف من في الداخل. تسمح النساء للمتكئات هناك بمتابعة ما يحدث في العالم من حولهن وهن محصنات من نظرات المتطفلين بالخارج. نحن نتأمل الملامح هذه العمارة الداخلية ونجيل النظر لما حولنا نشعر بأننا نتراجع كثيرً للوراء.

اعتدت من وقت إلى أخر أن أتصفح كتاب قرينلو وعادة ما أتوقف عند حالات بعينها. واحد منها بيت بالغ التميز لشخصية لها قيمة عالية عند أهلنا الختمية. هو بيت الشريفة مريم زوجة السيد محمد تاج السر. جاء حجمه وتصميمه معبراً تماماً عن مكانة الشريفة العالي بالمرتبط بقدسية زوجها. البيت مشيد خارج الجزيرة في الضفة الأخرى المقابلة لها المسماة بالبر. إلا ان عمارته تتوفر على العديد من مكونات ومعالم وملامح بيوتها. يختلف عنها بتميزه بمعالجات وسمات محددة منحته درجة عالية من التفرد تليق بمقام أصحاب البيت. وجوده خارج الجزيرة وموقعه المحاط بمباني أخرى استدعى إجراءات تصميمة تسمح له بإطلالة على الخليج الداخلي. واحد منها وضع الأجزاء المهمة تحديداً المجلس الرئيس في الطابق الثالث. يبدو ان هناك دوافع أخرى لهذا القرار لها علاقة بمقام الشريفة مريم.

تتميز عمارة البيت بمكونات فريدة في تصميمها. شكله العام شبيه بحرف التي الإنجليزي. توجد في الجزء الخلفي عند التقاء الأذرع الثلاثة منطقة الخدمات واحيناً السلالم محرره تلك الأذرع لتمنحها إطلالات على الخارج. للبيت مدخلان أحدهما فرعى لطاقم النساء الذين يخدمون الشريفة. الذين يقيمون في الطابق الأول. صمم هذا المدخل باهتمام أضفى عليه لمسات جمالية وزخرفية بائنة بالرغم من أنه مخصص لهذا الشريحة. هناك مدخل أخر رئيس بابه مصمم بعناية فائقة وتفاصيل مخدومة ومتوج بشكل بديع يحمل ملامح العمارة الإسلامية. يفضي هذا الباب إلى بهو دخول صغير ومنه لوحدة السلالم الرئيسة. يرتفع البهو في شكل فراغ أفقي لارتفاع طابقين. مما يجعله واحد من أميز معالم هذا البيت فريد التصميم. أهميته نابعة من انه يستقبل عادة بعض مريدي الطريقة الختمية الذين يرتادون دار الشريفة سعياً لنيل بركاتها. تصميم البهو بهذه الطريقة يسمح لها بالإطلالة عليهم من نوافذ المجلس في الطابق الثاني. عليه يصبح هذا الجزء من البيت واحد من أميز معالمه. 

يبدو من بعض الإفادات انه كان هناك عدد من النساء يقمن مع الشريفة في خدمتها. الدليل على ذلك تخصيص الطابق الأول بكامله لهن. الواضح انه لم يكن هناك اهتمام بتصميمهم بدليل أن قرينلو لم يضمن خارطته ضمن ما وثق له.  أولى اهتمامه ووثق للطابق الثاني الذي يبدو أنه كان مخصص للأقربين من الشريفة. في حالة شبيه بالطابق الأرضي كان مكون من ثلاثة أجزاء أو أجنحة مشكلة ما يشبه حرف التلى الإنجليزي. الجناح الأمامي يشتمل على بير السلم وبجواره طابق مفرغ هو امتداد رأسي لبهو الدخول في الطابق الأرضي. موضعه في هذا الموقع شكل جزءً مهماً في تصميم الطابق كما أشرنا لذلك من قبل. الجزء الخلفي من الطابق مكون من جناحين يحتوي كل واحد منهم على مجلس والمجلسان يحيطان بوحدة حجرات الخدمات. المجلس كما وضحنا من قبل هو حجرة او قاعة متعددة الأغراض. يستخدم كحجرة معيشة واستقبال في ساعات النهار وغرفة نوم مساءً. الواضح أن واحد من المجلسين كان مخصص بشكل خاص للشريفة. إذ كانت بإمكانها من نوافذها المطلة على الجناح المجاور أن تطل على مردييها المتجمعين لتلقى بركاتها في الطابق الأرضي. كان لهذا الطابق امتداد على نحو ما في الطابق الثالث كما سنشرح لاحقاً.

اكتسب الطابق الثالث أهمية خاصة منحها له إلى حد كبير المجلس الرئيس الذي يحتل موقع الصدارة. الوصول إليه عبر منطقة سطح صغيرة خاصة به مفتوحة على المنطقة المحيطة بمبنى البيت. موقع المجلس في مقدمة الطابق وارتفاعه الشاهق منحه فرص إطلالة بانوراميه بديعة على خليج جزيرة سواكن. وفرتها نافذة عريضة بالغة التميز من نوع الروشان وهي من أروع ابتكارات عمارة سواكن التي يجب الانتباه إليها. التي تهئى متكأ يحفز على جلسات التأمل. جانبي او جناحي الطابق الخلفيتين تحيطان بمنطقة السلالم ووحدة الخدمات. كان كل واحد منهما يضم مرافق متشابه نوعاً ما لكنها مختلفة عن نوعية المجالس الموزعة في الطابق الثاني والثالث. الجزء المجاور للوحدة الوسطى كان عبارة عن سطوح مفتوح للسماء. تقع في نهاية كل واحد منهما منطقة معروشة ومحاطة جزئياً.  الواضح ان هاتين الجناحين كانتا مخصصتين كامتداد للمجلس الرئيس وايضاً لمجالس الطابق الثاني. أعظم ما في تصميمهما أنهما وفرتا مكونات متنوعة نوعاً ما. سطوح مفتوح للسماء وبجواره جزء معروش ومفتوح جزئياً. ترتيبات ذكية نجحت في أن تتعامل بفطنة مع مناخ منطقتهم متقلب المزاج.

المعالجة الخارجية لبيت الشريفة نافست مجمل عمارته فكانت خير مكمل لها. تركز العمل فيها على الواجهة الشمالية الرئيسة التي تصدرتها مداخل في الطابق الأرضي وكان الثانوي الجانبي المخصص للخدم. أحيط وتوج بمعالجات من الحجر المرجاني في غاية الجمال بالرغم من بساطتها ونبرتها الهادئة. جاءت في إطار منظومة مؤثرات او (موتيفات) مشروع بيوت سواكن الزخرفي. تصاعد ذلك الزخم في المدخل الرئيس محتشداً على الجانبين ومصطخباً ليكلل هامته. مرحباً بمرتادي الدار وزواره الذين يشكل مريدو الشريفة مريم عدد مقدر منهم. قمة العمل الفني الزخرفي تمركزت في هامة وجبين المبنى. في موضع الروشان المثبت على النافذة والمتربع بخيلاء وسط واجهة المجلس الرئيس في الطابق الثالث. استعرض المعماري هنا عضلات آلة عمارة سواكن الجمالية. فقدم بكل افتخار واعتداد بالنفس درة تاج مشروعها الزخرفي ذلك الروشان اللافت للنظر. قدمه هنا مظهرا مفاتنه المتسربلة بأجمل أنواع الأخشاب. فشكل في النهاية مركز ثقل هذا العمل المعماري المتميز في إشارة واضحة لمقام صاحبة الدار عالية الرفعة. اكتمل هذا المشروع الجمالي بتفاصيل زخرفية من نفس نوع الحجر المرجاني المستخدم في تشيد المبنى. التي كللت بأشكالها البديعة مفرطة البساطة الجزء الأعلى منه الذي يعرف باسم حائط (البربيت). تداعب برفق خط الأفق ولتتكامل وتتماهى بسلاسة مع الوحدات الزخرفية في المداخل. ترسم في النهاية لوحة ذات جمال هادى غاية في الرزانة يوصف بلغة الفنانين بالإنجليزية بأنه monocratic. أضفى هذا المشروع الجمالي الوقور على عمارة البيت أجواءً ملوكية معبرة عن صاحبة الدار الشريفة مريم.

طوفت بكم هنا هذه المرة عبر عدة محاور. الواضح انه كان غاية مبتغاي أن أصل بكم على نحو إلى محطة العمارة التراثية. التي ركزت فيها على التاريخية منها ذات البعد الحضري. لم أفعل ذلك تحيزاً لها وتجاهلاً لأنماط العمارة التراثية الأخرى. أجبرني على هذه الخيار محدودية المساحة المخصصة لهذا الموضوع. في هذا الإطار ركزت على حالة ميناء سواكن التاريخي. لم أؤسس هذا القرار على نوازع عاطفية بالرغم من أنى لا أنكر عشقي وتعلقي بها. اتخذته لأسباب موضوعية بحتة كما هو واضح من سياق تناولي لها. أعظم ما فيها هو تمددها الذي غطى كافة جوانب وتفاصيل الحالة الحضرية. بداءً بأكبرها وهو التخطيط الحضري ومروراً بمكون العمارة وانتهاءً بمجال تصميم الاثاثات. تناولي هنا حاول أن يفلت من فخ الوقوع في أحضان عالم (النوستالجيا)، الحنين إلى الماضي.  ليعبر منه لأفاق رحبة تسعى لمحاولة الاستفادة من دروس هذه التجربة بشكل واقعي. أعتقد أنى أحرزت نجاحات لا بأس بها والحكم في النهاية متروك للقراء بكافة قطاعاتهم الذين أتمنى أن اسمع أراءهم. لأنني أعتقد بشكل جازم أهمية أن تغطى مثل هذه التغذية الراجعة كافة شرائح القراء بمن فيهم عامة الناس. لأنهم في النهاية يشكلون قطاع عريض من المنتفعين بالمنتج المعماري حتى ولو كانوا مجرد مشاهدين ومتابعين من على البعد.

اختياري لهذا الموضوع لم يكن اعتباطا أو محض صدفة. لكنه بنى على أسباب ومبررات موضوعية وردت في سياق تناولي له. أضيف إليه هنا جانب لا يقل أهمية ذو صلة بقرار مهم صدر قبل عدة سنوات. ورد في إطار دراسة معمقة مستوفية عرفت باسم خريطة الخرطوم الهيكلية باللغة الإنجليزية Structure Plan Khartoum. ما يهمني منها على وجه الخصوص ذلك القرار التاريخي المعنى بمكون مهم في مركز الخرطوم الإداري. منطقة الوزارات المركزية التي تحتل مبانى تاريخية موزعة على الجانب الشمالي منه المواجه للنيل الأزرق. الذي أوصى القرار بنقلها لمنطقة أخرى بعيدة جداً عن مركز المدينة إلى ضاحية بأطرافها. حسب علمي انه جاء في إطار هذا القرار ان تخصص هذه المنطقة للمرافق الترفيهية ذات الطابع السياحي. قرار بلا أدني شك جانبه الكثير من الصواب نسبة لتوفر العديد من المقومات التي ستوفر له كل أسباب النجاح. لعل من أهمها توفر عدد من المباني التاريخية مميزة الملامح والتصاميم التي يمكن أن تشكل الأساس لهذا المشروع الطموح. هذا هو ما كنت أرمي إليه وأنا أتناول هذا الموضوع.

أكثر ما يستهوني في هذا الموضوع هو امر الاستثمار في تلك المباني التاريخية. توظيفيها بتصرف وبطريقة ذكية لاستخدامها لأغراض أخرى متعددة. كنت قد أشرت في بداية مقالتي لحالة مشابه قام بها المعماري الأشباني العبقري ريكاردو بوفيل في بلاده. انطلقت من هذا الفهم وأطلقت العنان لخيالي. رحت أتأمل قائمة تلك المباني التي تقطر عراقة ورصانة. في البدء ونبتدئ دائماً بالأهم وهو مبنى القصر الجمهوري القديم التاريخي. الذي أتمنى أن يصبح كما أوصت به تلك الدراسة. أن يصبح متحفاً يؤرخ للحقب التي صاحبت فترة تأسيسه وما بعد ذلك من مراحل الحكم الوطني. لدى تصور أيضاً لمبنى وزارة المالية المواجه له من الناحية الغربية والمطل على النهر عبر ميدان كبير. موقعه وتصميمه ومكوناته ترشحه لكي يكون فندقاً متميزاً. أما مبنى مكتب البريد المركزي المجاور له من الناحية الجنوبية بصالاته العالية الرحبة فهو ملائم تماماً لكي يكون مجمع صالات معارض. مبنى وزارة الزراعة الذي يقع غربه على نفس شارع الجامعة فيطرح نفسه لعدة أغراض متشابه. تصميمه على شكل حرف يو الإنجليزي المحيط بحديقة واسعة ومبناه المتعدد الطوابق يرشحه ليكون مجمع مطاعم ومقاصف أو كافتيريات. على نفس هذا المنوال يمكن توظيف عدد من تلك المباني التاريخية لعدة أغراض.

البروفيسور مشارك دكتور معماري/ هاشم خليفة محجوب

أمدرمان- يناير 2020

Comment 1

Leave a Reply

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d bloggers like this: