الموقع ما يزال في مرحلة التطوير ساهموا معنا بأفكاركم و إقتراحاتكم

+249-9-15176522 drarchhashim@hotmail.com

هذه المقالة مع أخريات ستصدر قريباً في كتاب للدكتور هاشم خليفة محجوب بعنوان (العمارة السودانية: مواقف ومشاهد)

 

     

عمارة كمال عباس : تنوع مذهل في الأساليب والخامات

قابلت المرحوم الأستاذ كمال عباس أول مرة عندما تزاملنا لفترة قصيرة بمكتب الباشمهندس الأمين مدثر في نهاية الستينات. هذه فرصة للتوقف قليلاً عند هذه المحطة. كان مكتبه زمان إذ بمثابة مؤسسة تدريب وتدشين لعدد من المعماريين الذين صار لهم شأن كبير لاحقاً. ننتهز هذه الفرصة لنرفع القبعة لأستاذنا الكبير الباشمهندس الرائد الأمين مدثر فقد قدم للمهنة خدمة لا تقدر بثمن. كان هو الرائد في تأسيس المكاتب الاستشارية التي قامت على نهج مثالي. قدم كل تلك الخدمة واستمر يقدمها لعقود من الزمان قبل أن تضطرب الأحوال فتدفعه للانزواء بعيداً عن الأضواء. نرسل له من هنا أندي التحايا متمنين له دائماً تمام الصحة وطول العمر.

عرفت كمال بعد ذلك عن قرب بعد عودتي من البعثة الدراسية في نهاية الثمانينات. منذ ذلك الزمان وحتى تاريخ رحيله في أبريل 2017 جمعت بيننا صداقة حميمة لم تفسدها مصالح هذه الدنيا الفانية. ازدهرت لدرجة مكنتي من التعرف على أعماله وفكره عن قرب. كثيراً ما جمعتني به بمكتبه حوارات ومساجلات مطولة. كان دائماً يأسرني ويسحرني بعلمه الوفير ومعرفته المعمقة بالجوانب الفكرية والفنية للعمارة. إعجابي الكبير به أسسته على إلمامه وإحساسه العالي بالجناحين التين تحلق بهما العمارة، شقها التقني الهندسي والفني التعبيري. لهذ السبب المقنع جاءت أعماله المعمارية دائماً محلقة في العلالي

تواصلي المستمر مع كمال مكنني من التعرف عن قرب على مقدراته المميزة تلك تصعد بالمعماري إلي أعلي المراقي. أعتقد أنه استفاد جداً من دراساته للعمارة بشرق آوربا كواحد من القلائل في ذلك الزمان- منتصف الستينات. اكتسب منها بعض مقدرات خاصة ميزته إلى حد ما عن أقرانه الذين تخرجوا من جامعة الخرطوم. لاحظت من واقع أعماله تمكنه اللافت في بعض جوانب العمارة التقنية تحديداً تعامله مع عناصرها المعدنية بثقة عالية. أولاها اهتماما خاصاً فمنحت أعماله بصمة بائنة.

يتمتع كمال بالإضافة لتلك الجوانب التقنية بمقدرات فنية عالية فهو أساسأً ملون بارع. مقدراته تجاوزت تلك المهارات الأساسية. فقد تميز بإحساس فني رفيع يتجلى ويتمظهر في جوانب مهمة من عمارته. فقد كان يتعامل بحساسية مفرطة مقترنة بجرأة بائنة مع المكون اللوني. هذه الخاصية ميزته عن أقرانه الأفذاذ الذين قدموا لنا ودشنوا عمارة الحداثة السودانية. إحساسه العالي باللون جعله يخرج من دائرة اللون الأبيض والرمادي التي حبس فيها أنداده أنفسهم. بذلك منح عمارة الحداثة السودانية نفساً سوداناوياً حاراً جعلها مستساغة عند عامة الناس. تميزت أعماله دائماً بمنظومات لونية مدهشة تنبض حيوية.

الإشارة لتمكن كمال عباس اللافت من الجانب التقني والفني تستدعي التوقف عند إفادة الفلاسفة القدماء سعت لتعريف العمارة بشكل معمق. أشاروا إليها بأنها زواج سعيد موفق بين التقنية والفنون. كمال نجح في أن يجمع بين هاذين الرأسين بالحلال. فعاشوا في كنفه في سعادة وأنجبوا لنا ذرية صالحة- روائع معمارية. واحدة من جوانب عبقريته أنه ألف وجمع بين ما يراه اعتبره الكثيرون جانبين متناقضين. إذ نجح في حالات عديدة في توظيف مكونات العمارة الهندسية والتقنية فصنع منها عناصر جمالية تسر الناظرين. بذلك عبر بنجاح عن واحد من أهم أساسيات عمارة الحداثة السودانية لتي كان من مؤسسيها وأهم فرسانها.

وضع رحيل كمال عباس المر قبل نحو عام ونصف نهاية لمسيرة ظافرة حافلة بجلائل الأعمال المعمارية. امتد عطائه المميز متدفقاً لفترة قاربت النصف قرن من الزمان. مكنتني العلاقة اللصيقة الحميمة التي ربطتني به من تتبع أعماله بشكل معمق. أكاد أقول إنني عشت معه فترة المخاض المحفوف بالتحديات وهو يتعامل مع عدد من أعماله الكبيرة. أفادني في بعض حالات أخري بظروف إنتاجها وإخراجها للوجود عملاً معمارياً بالغ التميز. عليه يمكن أن أعتبر نفسي إلى حد كبير في فيما يخص مسيرته الظافرة إن كنت واحد من أهم شهود عصره. 

قررت وأنا أستعرض ملامح تلك المسيرة أن أركز على جانب محدد شكل ظاهرة مهمة ميزته عن باقي أقرانه من رموز عمارة الحداثة السودانية. لأنها مزدوجة الجوانب فقد أشرت إليها هنا وجعلتها عنواناً لهذه المقالة أو المبحث. أهم ما ميز مسيرته ومجمل أعماله هو ظاهرة التنوع المبهر المدهش. سار به في اتجاهين تنوع في الأساليب وأيضاً في الخامات البنائية. نجاحه وتفوقه فيها إن دل علي شئي فإنما يدل علي وعيه الفكري المتقدم ومقدراته وإحساسه الفني الفائق. فوق هذا وذاك طاقاته الإبداعية المهولة. رصدُنا لهذه الظاهرة سيتم باستعراض بعض أعماله المتفردة بالغة التعبير.

أهم وأكبر ظواهر التنوع في أسلوب كمال عباس نلاحظها في التحول الملموس في معالجة واجهات عمارته. حدثت في شكل نقلة مقدرة يمكن ملاحظتها في مجمل أعماله خلال الفترة الأولي والثانية من مسيرته. الأولي بدأت في نهاية الستينيات واستمرت حتى منتصف الثمانينات. الثانية ابتدأت منذ تلك الحقبة واستمرت حتى موعد رحيله في بدايات العقد الثاني من الألفية الثالثة. تميزت معالجة الواجهات في المرحلة الأولي بتقاطع العناصر الطولية، الأعمدة والأبيام. تبدل الحال بعد ذلك وتغيرت المعالجة فسادتها العناصر المسطحية planar treatment. إشارة للاستخدام الكثيف للمسطحات إذ صارت العمارة ملفوفة بالحوائط الخارجية.

عدد كبير من أعماله تجسد الحالة الأولي. من أبلغها الفيلا القصر الخاصة بالمرضي محي الدين الرابضة عند مدخل مدينة أمدرمان من ناحية كبري شمبات. واجهتها الشرقية أشبه بشلال متدفق من البرندات المفتوحة علي شكل وحدات سطوح. تُلوح واجهاته أوركسترا من منظومة من العناصر الطولية- أعمدة وأبيام تتقاطع في إيقاع بديع. وجد كمال هنا ضالته واستعرض عضلاته. أبدع في توظيف تفاعل العناصر ومكونات الواجهة مع براعة فائقة في ضبط النسب والتناسب. خلق إيقاعات شبيه بمنظومة الكاونتربوينت في موسيقي الجاز الحديثة. أو بعض أعمال محمد الأمين الخالدات متنوعة الإيقاعات. عبقريته جعلت من منظومة الأعمدة والأبيام مشروع جمالي بديع.

 المرحلة الثانية والأخيرة التي تجسدها العديدة من أعماله الخالدات جاءت فيها العمارة ملفوفة بحوائط خارجية من كل جوانبها. من أبرزها مبني شركة المطاحن بمنطقة الخرطوم وسط المطل على شارع جانبي متفرع من شارع المك نمر. يضاف إليها فرع بنك التضامن بشارع الحرية جنوب وهو مطل على سوق السجانة من الجانب الغربي منه. مثال اخر معبر هو فيلا الوجيه إدوارد أسعد أيوب بمربع 12 بحي الرياض بالخرطوم. تلك الاعمال تمثل نقلة نوعية في واجهات عمارة كمال وهي من أم جوانبها.

لم ترتبط تلك النقلة بمبني واحد بعينه لكنها كانت ظاهرة عامة ميزت عمارة كمال في حقبة ما. تناقشت معه في محاولة لمعرفة مسبباتها. لكنه شأنه شأن المبدعين تهرب من هذا السؤال بشكل مباشر. فالمبدع يقوده إحساسه الصادق في هذه الحالة بدون سابق تخطيط. هو إحساس مؤسس على قناعات تتحور وتتبلور عبر الزمن. لدي تبرير لهذ النقلة في معالجة الواجهات. لكنه للأسف مرتبط بواحد فقط من جملة تحديات يسعي المصمم للتعامل معها. أعتقد أنها حدثت نتيجة لمتغيرات من أهمها الاعتماد بشكل كثيف على وسائل التبريد الميكانيكية. عليه لم تعد هناك حوجة كبيرة لبرندات عميقة في واجهة المبني وبالضرورة لأبيام لكي تظللها.

سنرصد تقلبات ومفاجآت كمال عباس الطرازية هذه المرة في شكل حالات منفردة متمثلة كل مرة في مبني واحد بعينه. يمثل حالة ميزت نفسها بشكل واضح عن باقي منظومة أعماله التي جسدت أسلوبه في فترة ما. عكست جانبين مهمين في شخصية كمال عباس. أولاً الطاقة الإبداعية الهائلة التي مكنته كل مرة من التحليق في عالم مختلف تماماً. ثُانياً، وفي إطار نفس تلك السمات الشخصية، الجراءة والشجاعة التي دفعته للسباحة عكس التيار. دعته لتبني نهج مخالف لمحددات وضوابط تيار الحداثة الذي أسسه مع بعض ممن سبقوه على قواعد راسخة. سنستعرض هنا نماذج لما أشرنا إليه هنا متبعين تسلسلاً تاريخيا محدداً مبتدئين بأقدمها.

نبدأ بحالة بالغة التفرد في كل جوانبها واستثنائية من كل النواحي. فكمال لم يصمم المبني لكنه أجري عليه إضافات وبعض تعديلات في عملية يشار إليها باللغة الإنجليزية بال remodelling. أهميتها نابعة من طبيعة المبني وقيمته التاريخية التي ارتبطت بأجواء من القداسة. يقع المبني قرب الطرف الجنوبي لحي بيت المال الأمدرماني وليس ببعيد من شارع الأزهري. كان سراية صغيرة اعتاد السيد علي الميرغني أن يستقبل فيها أحبابه ومريديه. في فترة لاحقة ألت لواحد من خلفاء الطريقة الختمية المقربين إليه. فورثها منه ابنه المهندس والمقاول التاج محمد عثمان الذي رغب في ثمانينات القرن الماضي أن يجعلها مسكناً له.

كلف مالك المبني الجديد صديقه كمال عباس بإعادة تصميمه ليلائم احتياجاته فقام بالمهمة علي أكمل وجه. حلق بالعمارة في فضاءات رحيبة فهوم بها وغازل تراث سرايات السادة المراغنة بدون ما نقل حرفي. تعامل معها برفق شديد وأعلي درجات الحساسية. بداءً بسور الدار وبوابته والممر الطويل المسقوف الذي يقود للمبني الرئيس. مدخله عبر رواق فسيح يفضي للديوان وباقي الغرف ويطل على حديقة غنَاء. تعامل كمال مع المبني بحساسية عالية فجاءت الإضافات وبعض التعديلات الطفيفة متسقة تماماً مع عمارته الأساسية كلاسيكية الهوى. كانت المحصلة النهائية عملاً رائعاً احترم التراث فتماهى فيه بروح ابتكارية لافتة.

مع بداية التسعينات أنجز كمال واحداً من أكبر أعماله في مجال الفيلات. فيلا بحجم قصر شيدت في بداية التسعينيات بمربع 12 بحي الرياض الخرطومي وهي خاصة بالوجيه إدوارد أسعد أيوب. تبدو كحالة عادية شبيه بالعديد من مثيلاتها إلا أن هناك أكثر من جانب ميزها عنهن. فهي مثل مباني هذه المرحلة الأخيرة من أعماله كانت مغلفة وملفوفة بالحوائط. لكنها تميزت عليهن بمعالجات مختلفة مميزة. إذ نهضت أمامها بعض الأعمدة والأبيام التي منحت العمارة دفقاً من الحيوية. عززتها تشكيلات صغيرة بارزة هنا وهناك على الأسطح الرخامية ذات طابع تجريدي متسق مع طابع الواجهات. المعالجة الخارجية في مجملها حداثية الهوى.

تَميز هذه الحالة يكمن في جوانب أخري لا تقل أهمية. جاءت نتيجة لدور إضافي لكمال عباس الذي قام بعمل التصميم الداخلي للفيلا. أنجز هذه المهمة بنجاح باهر وظف فيه ثقافته الثرة وإحساسه ومقدراته الفنية العالية. أنتج عملاً بالغ التميز حافل بالجوانب الابتكارية جاءت في إطار كلاسيكي أشرت إليها بالتفصيل في مقالة أخري. حقق فتحاً جديداً يضاف لإنجازاته. يشار لعمارة الحداثة بأنها ممعنة في التكرارية والرتابة وتتهم بأنها قتلت روح الدهشة. كمال استردها بسيطرته الكاملة وتصميمه للعمارة الخارجية والداخلية. حقق الدهشة بالتباين بين الخارجية حداثية المعالجة والداخلية كلاسيكية الملامح. فضخ الحيوية في عمارة تعتبر حداثية.

تنقل كمال عباس في أرجاء العاصمة متأبطا مفاجأته المعمارية. فحط رحله مع بدايات الألفية الثالثة بحي أبو روف الأمدرماني بموقع مطل على النهر. فجرها هناك داويه مستفزاً كل مفاهيم نهج الحداثة التي كان من أهم مؤسسيها. اختار أن تحمل الفيلا التي صممها في ذلك الموقع الكثير من ملامح السفينة. فتح نوافذ صغيرة بيضاوية الشكل في الجزء الأسفل من جسمها وأحاط حافة سطحه بسياجات من المواسير. صمم بير السلم المشيد أعلي المبني على شكل مدخنة عملاقة. الواضح أن هذا العمل نتج عن نزوة عارضة أدت لتمرده على ضوابط فكر الحداثة ونهجها. كشف من خلالها عن طاقاته الإبداعية المهولة فأدهش الناس أجمعين.

ارتحل كمال بعيداً من أمدرمان في نهاية العقد الأول من الألفية الثالثة. طوف وفي جعبته بعض المفاجآت يبحث عن مشروع يفجر فيه ينابيع الإبداع. أسعده الحظ وأكرمه بمشروع حرك فيه كوامن الوجد الصوفي. اختاره شيوخ واحد من أكبر الطرق الصوفية وهي الطريقة البرهانية ليتولى أمر تأسيس مركزها الجديد وفق رؤية حضارية متقدمة. اختار له شيخ الطريقة محمد عثمان عبده البرهاني بعناية وفق رؤية عميقة موقعاً طرفياً. قطعة أرض مترامية الأطراف في منطقة في أقصي جنوب الخرطوم بجوار مضمار سباق الخيل.

كانت مهمة كمال محفوفة بالتحديات فصادفت هوي جارف في نفسه. تمثل الطريقة البرهانية حالة خاصة إذا قورنت بمثيلاتها من الطرق السودانية التي نشطت ونافستها في العاصمة. أهم ما ميزها عضويتها التي تضم بجانب السودانيين من الأحباب والمريدين أطياف من الخليجيين والأوربيين. تعلق تلك الشريحة الأخيرة بالطريقة تدل عليه ظاهرة سنوية راتبة. تتمثل في تكبدهم مشاق السفر والتوافد في شكل أسر للحضور والاحتفال مع باقي المريدين بمناسبة ذكري ميلاد الشيخ. شكلت مثل هذه الظاهرة الفريدة أهم جوانب الأرضية التي أسس عليها كمال رؤيته لتخطيط وتصميم هذا المشروع الطموح. نجح في تحقيق ذلك المسعي أيما نجاح.

يتكون المشروع من جزئين رئيسين. واحد منها عبارة عن مجمع ضخم من أهم مكوناته مسجد رئيس جزء منه طابق مسروق علوي مخصص للسيدات. يفتح لصلاة الجمعة وصلاة العيدين. بجانبه مصلي أصغر مفتوح للصلوات الخمس. تم تصميمها بحيث يمكن فتحمها على بعضهما البعض لتأدية صلاة الجمعة وصلاة العيدين. يحتوي المجمع على كل المرافق المساندة والخدمية تحت سقف واحد. بما في ذلك سكن الإمام وكل العاملين المسئولين عن المجمع بشكل مباشر. تمت تلك العملية بشكل حضاري متقدم للغاية. قدمت وصف تفصيلي لهذا العمل الرائع في فيلم وثائقي عرض في قناة النيل الأزرق وهو مضمن في موقعي الإلكتروني.

الجزء الثاني من المشروع ويفصل بينه وبين الجزء الاول شارع، مخصص لأغراض اخري متعددة. يتكون من مجمع إداري وأخر سكني وبالإضافة لمبني الضريح. تفصل وتربط بينهما ساحة كبيرة مخصصة للاحتفالات الدينية وكل مناشط الطريقة الخارجية. اهتمامنا سيصوب هنا على مبني الضريح. صغر حجمه لا يقلل إطلاقاً من قيمته العالية. عمارته زاوجت بين رؤي في العمارة العبادية خرجت من رحم تراث الغرب والشرق في توادد ومحبة. سكب فيها كمال عصارة أفكاره المعمارية المعطونة في إلمام عميق بالتراث المعماري العالمي. أضاف إليها دفق من فنياته العالية المدهشة فقدم رؤية مبتكرة مفعمة بالروحانيات.

أخبرني كمال أنه استفاد كثيراً من فترة دراسته وإقامته بيوغوسلافيا إذ عرفته عن قرب بروائع العمارة الكلاسيكية العبادية. المسيحية منها وأيضاً الإسلامية التي شيدت خلال فترات احتلال الإمبراطورية العثمانية لتلك البلدان. فعاصمتهم ومدنهم الرئيسة كانت مطرزة بأروع الأعمال من كنائس ومساجد وأضرحة. اختزن كمال ملامح تلك التجربة في عقله الباطن فطرحها لاحقاً في شكل أعمال معمارية مميزة. وضحت معالمه بشكل جلي متفرد في مبني ضريح أو مزار ألشيخ محمد عثمان عبده البرهاني في مجمع الطريقة البرهانية.

خارطة المبني وشكله العام أرتبط بمفهوم بنيت عليه عمارة مباني الأضرحة خلال الفترات المسيحية الكلاسيكية يشار إليه باسم الروتندا rotunda. شكل خارطتها بالضرورة سداسي أو ثماني الَأضلاع. تداعيت تلك الفكرة وانداحت في فضاءات العمارة الكلاسيكية الإسلامية. سطعت وأبرقت عندما جسدتها عمارة ثالث أقدس الصروح الإسلامية بعد الحرم المكي والحرم المدني وهو بيت المقدس. يرد التمسك بالأشكال السداسية والثمانية لسحرها الخاص الذي ارتبط بدرجة عالية بالتركيز والتك ثيفor concretization centralization. هو بالطبع أمر أساسي في مثل هذا النوع من المباني الذي يتوسطه عنصر بالغ الأهمية أو ضريح.

أنطلق كمال عباس من هذه المفاهيم الأساسية العميقة المؤغلة في الروحانيات والرمزية.  أسس عمارة مبني ضريح الشيخ البرهاني على خارطة وشكل سداسي الأضلاع شبيه بأنموذج الروتندا. مضي به خطوات جبارة في عمل أصيل مفرط في التفرد. دعمه وعززه بخطوات تصميمية عمقت من الأحاسيس بهذا الأنموذج. صنع من مجموعة أعمدة وبيام فراغاً مجوفاً سداسي القاعدة في وسط المبني. عمق ذلك الإحساس بفتحة سداسية في وسط العرش شكلت قاعدة لجزء مرتفع من المبني. شعق به عالياً ليصنع جسماً سداسي الشكل أجلس عليه قبة الضريح. عبر تلك الخطوات نافس التصميم الداخلي عمارة المبني وكاد أن يتفوق عليها.

مبني الضريح ليس بكبير المساحة فالمسافة بين الضلعين المتقابلين لا تزيد عن الاثني عشر متراً. ميزة هذا الحجم إنه يخلق أجواء من الحميمية إذ يكاد يحتضن زمرة الزائرين من المريدين الذي يتحلقون حول الضريح يتمسحون بأطرافه. تزاحمهم وتكاتفهم يعزز من اللحمة الحميمة التي تجمعهم معاً في رابطة أساسها محبة الله المعززة بسيرة الشيخ العطرة. شطر كمال الفضاء الداخلي وقسمه لثلاثة مناطق سداسية الخارطة متمركزة. تقع داخل بعضها البعض ومركزها واحد. حدود المبني والحيز المفرغ داخله وفتحة العرش. عملية عبورها والتوجه نحو مركزها تجسد حالة متصاعدة من السمو الوجداني الروحي.  

 عالج كمال عباس منطقة صغيرة نوعا ما في منتصف فضاء مبني الضريح الداخلي أطرها بهيكل سداسي الشكل من مجموعة أعمدة وأبيام. لكأنها هنا تجسد رجع الصدى لجسم المبني الخارجي. قصد به أن يؤطر الجزء الأوسط من المبني الذي يكتسب أعلي درجات القدسية. يحتله التابوت المصنع من خشب بني متوهج مشغول بعناية فائقة. تعريف المنطقة بهذه الطريقة يؤشر على عبقرية كمال إذ يصل فيها الزائر للمبني لأعلي درجات الوجد الصوفي. هي منطقة ضغط عالي كما يشار إليها بلغة العاملين في مجال الإمداد الكهربائي. تلصصت ووثقت بكاميرتي هناك مواقف لبعض المريدين وهم في حالة متقدمة من العشق الصوفي.

لم يكتف كمال بما فعله في المنطقة الوسطي من المبني. إذ فاجأنا بأصداء الشكل السداسي مرة أخري على مستوي عرش المبني. أحدث فيه فتحة سداسية ترفرف فوق منطقة التابوت الخشبي. ينهض على أطرافها جسم سداسي الشكل يحمل فوقه قبة، قمة الدراما. صعدها أكثر بنوافذ على شكل شرائط راسية على جانبي الجسم السداسي. زجاجها المعشق بألوانه الباهرة يرفع درجة الدراما لأعلي مراقيها. يرسل من عُلي ضوئه المُشَرب بأشعة الشمس فيؤجج أحاسيس المتشبثين والمتمسحين بأطراف التابوت. تكثيف رهيب للدراما الروحانية يمنح مركز الضريح حقه كاملاً باعتباره مركز المجمع كله وعالم مريدي الطريقة الموزعين في أركان الدنيا.

:كل جوانب و تفاصيل العمارة الداخلية تدل علي عبقرية كمال عباس و من أهمها المشروع اللوني و الزخرفي. الأطراف الداخلية طابعها الهدوء يغطيها اللون الأبيض. تشتعل الألوان و تصطخب الزخارف في الجزء الأوسط. التابوت في المركز لون خشبه الاحمر الوهاج مشغول بعناية بتفاصيل مبهرة. يشخص البصر إلي الجزء الأوسط الاعلي حيث ينهض برج صغير جالس علي اطراف فتحة العرش فيصل المشروع اللوني الزخرفي إلي قمة منتهاه. زخارف مدهشة مغسولة في بحر من الألوان الصاخبة. يؤجج من إشتعالها ضوء الشمس الذي يغمز من ثنايا ألواح الزجاج المعشق. الفكرة هنا أن يظل البصر خاشعا متوجهاً للسماء يرفع الدعوات و ينتظر تنزل رحمة المولي.

وظف كمال عباس عناصر الإضاءة الصناعية والطبيعية بذكاء داخل مبني الضريح. تتدلي فوق المنطقة الوسطي ثريا، نجفة، عملاقة مفرطة الجمال تتلاء حسناً وبهاءً. عززها بتأثير شرائط الزجاج المعشق المركبة في نوافذ الجزء الأعلى من المبني التي أشرنا إليها من قبل. تستثمر في ضوء الشمس الإلهي بكل سحره الأخاذ الذي يتسرب هبوطاً ليغازل منطقة التابوت. يعمل النظامان الصناعي والطبيعي معاً بالتناوب. خدمة أربعة وعشرين ساعة تعزز من دراما المكان. تعملان معاً مع عناصر العمارة الداخلية الأخرى فتأججان الأجواء الروحانية وترفعان من درجة الوجد الصوفي لأعلي درجاته.

العمارة الداخلية لمبني ضريح الشيخ إبراهيم البرهاني تقول الكثير. أبرزت الإحساس والمقدرات الفائقة لكمال عباس الذي قدم من خلالها أفكاراً مفعمة بالرمزيات. تجلي هنا تعامله الحصيف مع المنظومة اللونية وكل التفاصيل الفنية الأخرى. فأثبت خطل المفاهيم الراسخة بأن عملية التصميم الداخلي عملية سطحية. عبارة عن مساحات لونية مع بعض من الزخارف هنا وهناك. كمال أعاد هنا تشكيل الفراغ الداخلي بذكاء فائق فوظفه لخدمة أغراضه المترعة بالأحاسيس الروحانية. خطي بهذا العمل خطوات ملموسة بدائها في فيلا إدوارد أسعد أيوب في الرياض. عززها هنا بهذا العمل الرائع الذي قدمه كرقم لا يشق له غبار في مجال العمارة الداخلية.

التزم كمال عباس دوماً بنهج الحداثة الذي كان واحداً من أهم مؤسسيه. بالرغم من ذلك تعرفنا على بضع حالات وثقت لتجاوزات واضحة. دراستنا لها بشكل معمق أسفرت عن مبررات مقنعة. تعامله هنا لم يكن بمعزل عن توجه عالمي ظهر في سبعينيات القرن الماضي. نشاء كرد فعل لما أعتبره مروجوه قصور في مفاهيم الحداثة. يمكن أن ننظر للحالات التي أستعرضانها هنا من أعمال كمال علي أساس أنها جاءت في نفس هذا السياق. فقد نجح في كل حالة في أن يبتدع حلولاً تعامل مع معطياتها بطريقة مبتكرة سديدة خارج إطار مفاهيم الحداثة. نجاحه في تلك المساعي وتوفيقه فيها يؤكد على مقدراته الإبداعية العالية.

لمسنا فيما استعرضنا من حالات تميز عمارة كمال عباس بالتنوع في الأساليب. لم يقف التنوع عند هذا الحد إذ نلاحظه أيضاً بشكل واضح في مواد البناء بالذات المستخدمة في الأجزاء الخارجية. هو أمر فرضته في حالات كثيرة ظروف البلد والتطور الذي يحدث في مجال مواد البناء وتشطيبات المباني. بعض المعماريين يتمسكون بخامة واحدة رغم المتغيرات التي تحدث لأن عمارتهم ارتبطت بها. اتسم نهج كمال دائماً بالمرونة النابعة من مواكبته للمستجدات في كل حقبة زمانية. قدم أعمال متنوعة في خاماتها الرئيسة جاءت جلها في منتهي الروعة من كل النواحي.

بداياته الأولي في نهاية الستينات شأنه شأن البقية من زملائه ارتبطت بطوب الواجهات الأحمر المعروف باسم السدابة. تحايل علي مظهرها الكالح بشتى الطرق والحيل التي تعلمها من مفاهيم فكر الحداثة. أعانه في هذا المسعي إحساسه الفني العالي المؤسس على فهم عميق بجماليات العمارة. فأنتج في تلك الحقبة أعمالًا في منتهي الروعة قوامها طوب السدابة. تطورت صناعة مواد البناء لاحقاً في فترة السبعينات فظهر الطوب الآلي الذي يعرف باسم طوب السكة حديد. يتميز على طوب السدابة بانتظام وحداته ونعومة ملمسه. منح عمارة كمال عباس الطوبية البديعة مزيداً من الألق.

أشرنا من قبل للنقلة في عمارة كمال عباس في الثمانينات التي استبدل فيها العناصر الطولية في الواجهات بلف المبني بالمسطحات الحائطية. هذا التحول بالإضافة لعوامل أخري دفعه تدريجياً للتخلي عن العمارة طوبية المظهر. شجعه على هذا المنحى التطور الذي حدث في تشطيبات المباني والدهانات الخارجية. من أهمها مادة تسمي الساندتكس متعددة الألوان التي منحت العمارة ألقاً براقاً وقوراً. متسلحاً بهذه المستجدات مضي كمال في مسيرته القاصدة وأنتج العديد من الأعمال الرائعة في المرحلة الأخيرة منها. التطورات في مواد التشطيبات والدهانات الخارجية أضفت على عمارته الملفوفة بالحوائط مزيداً من الحسن و البهاء.

نجاحات كمال عباس الكبيرة والمقدرة في مجالات العمارة الطوبية والمشطبة بالدهانات والمواد الحديثة لم تمنعه من ارتياد أفاق أخري. كان له أيضاً اهتمام وولع بخامة الحجر الطبيعي. أستخدمه في أكثر من حالة بالذات الجرانيت في تطعيم عمارته الطوبية. فأضفي عليها مزيداً من الحيوية والألق. جنح أيضاً لاستخدام أنواع أخري من الحجر بطريقة مختلفة. من أهم أعماله في هذا السياق الفيلا القصر الخاصة بالوجيه إدوارد أسعد أيوب بمربع 12 بحي الرياض في الخرطوم. مكسية بكاملها بأفخم أنواع الرخام الإيطالي الصقيل. وظفه ببراعة فأبدع بحق في معالجات الفيلا الخارجية قد أشرنا لذلك بالتفصيل في موضع سابق من هذا المبحث.

أكثر ما كان يعجبني في كمال عباس مواكبته لكل المستجدات. تحرك بهمة في كل الاتجاهات متتبعاً للتوجهات والمفاهيم الحديثة وطرق التشييد ومواد التشطيبات. لم يفته الركب حينما أصبح التجليد بألواح المعدن موضة. استعان بها في مبني فندق في الطرف الشرقي من السوق العربي جنوب مسجد الخرطوم العتيق لكن ليس ببعيد منه. الجميل هنا أن استخدامه لألواح المعدن لم يصب عمارته بحالة البرود التي ترتبط بمثل هذه الخامات. تعامل معها بشكل مختلف فحاول أن يستنطقها ويجعلها تتماهي مع عالم التراث. فنثر بعض العقدات والآرشات على صفحة العمارة. أصر كمال هنا أن يميز نفسه حتى عندما عمل على مجاراة الموضة.

واضح من استعراضنا هنا للعديد من النماذج أن ظاهرة التنوع هي واحدة من أهم سمات عمارة كمال عباس. تنوع في الأساليب وفي الخامات البنائية. وضحنا أيضاً المبررات المقنعة التي دعته لإتباع نهج محدد في كل واحدة من تلك النماذج. إذا اقتنعنا بمبرراته يجب أن نعترف بأن ما أنجزه في هذا السياق يدل على مقدرات إبداعية هائلة. قدم لنا كمال من خلال تلك الأعمال درساً بليغاً عن دور المعماري المسئول الملتزم. الذي يتحلل من روح القطيع ويتفاعل مع بعض الحالات الخاصة برؤية تتعامل بحساسية بالغة مع خصوصية معطياتها.

البروفيسور مشارك دكتور معماري/ هاشم خليفة محجوب

أمدرمان- سبتمبر 2018

 

Leave a Reply

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d bloggers like this: