الموقع ما يزال في مرحلة التطوير ساهموا معنا بأفكاركم و إقتراحاتكم

+249-9-15176522 drarchhashim@hotmail.com

كلية الجغرافيا بجامعة الخرطوم تحفة من عمارة الحداثة

شكلت فترة الاحتلال البريطاني المصري لبلادنا خلال النصف الاول من القرن العشرين حلقة مهمة من حلقات تاريخنا الحديث. تركت بصمات مؤثرة على كافة مناحي حياتنا ولقد كان لمساهمات الجانب البريطاني منها نصيب الأسد. من اهم إنجازاته الجادة محاولة إحداث نقلة مقدرة تعبر بمجتمعاتنا من نمط الحياة التقليدية إلى نهج أكثر حداثة. ظهر ذلك بشكل بائن في العديد من مظاهر حياتنا. تجاوز حد مظاهر الملبس والمأكل إلى جوانب أعمق بعضها له علاقة بجوانب ثقافية. ظهر ذلك بوضوح في مجالات مثل الشعر و الموسيقي. انعكس مردودها أيضاً على مجالات أخري حيوية لها علاقة بمجمل حياة الناس. الإشارة هنا للتنمية الحضرية بكافة تفاصيلها تحديداً العاصمة الخرطوم التي اولوها عناية خاصة عليه ستكون محور اهتمامنا هنا. 

نحن معنيون هنا تحديداً بالشأن المعماري الذي شكلت حالة العاصمة الخرطوم ولأكثر من سبب حالة جديرة بالانتباه والدراسة. حقق الجانب البريطاني خلال العقود الأولي من القرن العشرين إنجازات معمارية مقدرة في عاصمتهم الوليدة. اجتهدوا في ان يجعلوها شبيه بعواصم مستعمراتهم في أرجاء القارة السوداء الأخرى. ركزت ضربة البداية على الجانب التخطيطي الذي تم بطريقة مدروسة. وجد المكون المعماري حظه ايضاً من الاهتمام الذي تجلي في المباني الرائعات التي طرزت جوانب الشوارع الرئيسة. ستكون هي محور هذا المبحث الذي سنركز فيه على الجانب الطرازي بكل ما يحمله من معاني ومرموزات.

دخل الجانب البريطاني في منافسة حامية الوطيس مع شريكه المصري وكانت العمارة واحدة من أهم أسلحتها. اراد كل واحد منهما من خلالها ان يثبت عظمة حضارته فوظفها بذكاء خارق لخدمة تلك الأهداف النبيلة. سعي كل جانب لتحقيقها بالاستثمار في تراثه التاريخي المؤسس على كسبه في المجال الفكري الكلاسيكي والمعاصر. يهمنا هنا فيما يلي هذا السباق المحموم ما انجزه الجانب البريطاني. واحد من أسباب التركيز عليه هو دوره الواضح المؤثر تاريخياً خلال فترة احتلاله لبلادنا. يضاف غلي ذلك تأثيرهم الغير مباشر الملموس بعد رحيلهم بعد ان نالت البلاد استقلالها. الذي كانت لها إسقاطات ملموسة لاحقاً على عمارتنا في ازمنة حديثة.

اجتهد الجانب البريطاني اجتهادا مقدراً خلال العقود الأولي من القرن في استعراض تراثهم الكلاسيكي. استثمر في مخزون عمارة الغرب الأوربي التي أنتجتها حضارات ضاربة في القدم. سعي عطائهم في مجمله لاستعراض عظمة التراث البريطاني. فقدم لنا خدمة لا تقدر بثمن إذ نفض الغبار عن خامة الطوب الأحمر البنائية النبيلة خامتهم الأثيرة. التي كان أجدادنا في مملكة المقرة المسيحية قد قدموها في أبهي حلة في عاصمتهم سوبا. بشكل جعل خرابها على أيدي الفاتحين مصدر تندر مشوب بالحسرة. بعثوا الروح فيها مرة أخري خلال العقود الأولي من القرن العشرين في إهاب كلاسيكي استعرض تقنياتها وجمالياتها بشكل مدهش. فخلفوا لنا أعمال خالدات اصطف أغلبها على الشوارع الرئيسة الخرطوم. كان لكلية غردون التذكارية التي صارت لاحقاً جامعة الخرطوم نصيبها المقدر من هذا الكسب.

مع تداعي العقود في النصف الأول من القرن وبالرغم من تمسكهم الصارم بخامتهم الأثيرة بداء حماسهم يقل للنهج الكلاسيكي. تماشياً مع بوادر نزعة انتابت عالمهم الغربي في خمسينيات القرن بدأوا يغازلون النهج الحداثي على استحياء. الذي كان قد وضع أمشاط أقدامه بقوة هناك. ظهرت هذه النقلة في مبني مهم اكتمل مع بداية ذلك العقد وهم يهمون بمغادرة البلاد بعد فترة احتلال امتدت لستة عقود من الزمان. حققوا فيها إنجازات معمارية كبيرة وفخيمة بالغة الأثر. أعانتهم في تحقيقها قبضتهم المحكمة على إدارة شئون البلاد في المجال الهندسي المعماري. غياب دورهم المقدر المؤثر في هذا المجال والإطار بعد الاستقلال ورحيلهم عن بلادنا تم تعويضه بشكل اخر. قدموا خدماتهم الجليلة هذه المرة في مجال مختلف في حالة أشبه بعملية تغيير الحرس.

حلت محلهم بعد الاستقلال مؤسسة مرتبطة بهم معنية أيضاً بالشأن المعماري. تولي الامر فيها بريطانيون كانت لهم كانت لهم هذه المرة أدوار مؤثرة في مجال مختلف عن الجانب الإداري. واصلوا السير في مسيرة كانت إدارتهم السابقة قد أسست لها في اخر سني فترة الاحتلال. حملوا الراية وساروا فيها خطوات مقدرة وطويلة إلى الأمام بالرغم اختلاف نهج أسلافهم الأولين. الإشارة هنا لإنجازاتهم التي تمت من خلال تأسيسهم لقسم العمارة بكلية الهندسة بجامعة الخرطوم في نهاية الخمسينيات. قام على أكتاف نخبة من أساتذتهم المميزين الذين أسسوا العمل فيه على هدي فكر نهج الحداثة المعمارية. الذي كان قد وصل لقمة توهجه في الغرب الأوربي في تلك الحقبة الزمانية. فأكملوا وواصلوا المسيرة التي إبتدرها من قبلهم أقرانهم الإداريون والمعماريون البريطانيون. الذين غازلوا الحداثة من طرف خفي في اخر أعمالهم وهم يهمون بمغادرة البلاد في منتصف ذلك العقد من الزمان.

لعبت تلك الكتيبة دوراً مفصلياً في التأسيس لهذا النهج المعماري وكانوا بمثابة راس الرمح في نشر رسالته. يذكر في هذا الإطار قائد المسيرة الدكتور المعماري الإكساندر بوتر الذي كان له دور مؤثر في قيادة العمل في القسم. عمله الدؤوب لنشر فكرة الحداثة لم يمنعه من لفت نظر طلابه لتراث السودان المرتبط بحضاراته الضاربة في القدم. تجاوز الأدوار الأكاديمية بأعماله المعمارية الخالدة التي زينت أرجاء مواقع جامعة الخرطوم. من أهمها العمارات السكنية بمجمع الأساتذة السكني بجوار مدخل جسر القوات المسلحة من ناحية الخرطوم. تضاف إليها داخليات الطلاب بمجمع البركس التي قدم فيها أفكار جديدة نيرة. من أميز أعماله على الإطلاق مبني قاعة الامتحانات الكبري بشارع المين بمجمع الوسط. عمل تنضح كل جوانبه بعبقرية فذة تحديداً نظام عرشه الفريد.

دعم طاقم التدريس في القسم لاحقاً بأساتذة من شرق آوربا الذين شكلوا مع باقي زملائهم مجموعة متناغمة. نجحوا في توفير أجواء ممتازة لذلك العدد المحدود من النخب من الطلاب مما مكنهم من نشر أفكارهم الجديدة النيرة على أكمل وجه. قام الأساتذة بالإضافة لأعبائهم التدريسية بتصميم أعمال معمارية بالغة التميز طرزت مواقع الجامعة المتعددة. نجحوا من خلالها في تجسيد فكر الحداثة الذي يبشرون به فجاءت في آوانها ومكانها. مهدت كل تلك الظروف المثالية السبيل لحالة تماهي عالية بين هؤلاء الأساتذة المرموقين وطلابهم النجباء. بعض المستجدات التي حدثت لاحقاً ساهمت في استمرارها بشكل مثمر. تم ذلك من خلال العمل في وحدة المباني الملحقة بكلية الهندسة التي أسستها الجامعة لتصميم المباني الخاصة بها. كلف بالعمل مهندسون بريطانيون مع نخبة من أميز خريجي قسم العمارة.

شهدت بداية العمل بوحدة المباني انطلاقة قوية بفضل دعم المهندسين البريطانيين لكتيبة الخريجين الجدد الأشاوس. كان من ثمراتها بداية عمل في أعمالا مميزة. لكن شهر العسل المهني ونلك الشراكة الذكية لم تدم طويلاً. إذ تسببت أحداث سياسية مفصلية في وضع حد له في منتصف الستينيات أدت لمغادرة المهندسين البريطانيين للبلاد. لكن كتيبة المعماريين الخريجين الجدد أثبتت أنها على قدر التحدي فتصدت للعمل في الوحدة بكفاءة عالية. يشهد لها انها خلال تلك المرحلة قدمت أعمالاً معمارياً على قدر عالٍ من التميز. اخترت واحداً منها على وجه التحديد ظلت لفترة طويلة ولا زلت أعتقد انه الجوهرة التي تزين تاج عمارة الحداثة في كافة مواقع جامعة الخرطوم. نسبته قبل فترة من الزمان لأحد الأساتذة الزملاء لكن تم تصويبي فتعرفت عن قرب على مصممه الأصلي.

شيد المبني المشار إليه هنا في نهاية السبعينيات. خلال فترة اكتمل فيها العقد النضيد من روائع عمارة الحداثة التي طوق بها أساتذة قسم العمارة جيد مواقع الجامعة. عليه يبقي من المهم إلقاء نظرة عامة فاحصة على هذه الظاهرة قبل تناول تجربة العمل المشار إليه هنا. نحن نتحدث هنا عن منظومة تمت صياغة حباتها الملمعة عبر أكثر من عقدين من الزمان. شكلت في النهاية لوحة تتحدث بنصاعة بائنة عن ألق ذلك النهج المعماري. الذي قدم فكره رؤية متكاملة خاطبت كافة جوانب العمارة. مستوعبة كل مستجدات العصر الحديث بكل ما فيه من حراك فكري جرئي. جاء محمولاً على اجنحة التقدم التقني الذي شكل اختراقات ملموسة. صنعت تلك المعطيات وبلورت معها مشروع جمالي متكامل بصم عمارة الحداثة بهوية بازخة.

صدحت هوية عمارة هذه المنظومة بالعديد من السمات المميزة. تجلت في حسن توظيف عناصر النظام الإنشائي من أبيام وأعمدة بشكل جعلها ترسم لوحة جمالية مموسقة. التي تعتبر واحدة من أهم تجليات مفهومها الجمالي. من اهم سمات هذه المنظومة المعمارية حسن تعاملها مع مناخنا اللاهب. بالرغم من أن أول من دشنها بساحات مواقع الجامعة من الأساتذة البريطانيين هم أصلاً بعيدون تماماً عن هذا الواقع. المدهش هنا أن الحلول المناخية شكلت أيضاً إضافة ملموسة للمشروع الجمالي. يضاف إلى ذلك جانب بالغ الأهمية ذو صلة بجماليات العمارة. هو أن هؤلاء الأساتذة العباقرة نجحوا في رسم صورة زاهية للغاية بأبسط مواد البناء. هي نفس تلك السمة المميزة التي جعلت هذا النهج المعماري هو الأقرب لنفوس وقلوب عامة الناس.

انسابت عمارة الحداثة بألقها ورزانتها المعهودة في مواقع جامعة الخرطوم كما ينساب الماء في الجدول الرقراق لفترة جاوزت العقدين من الزمان. حملها في البداية الأساتذة البريطانيون والأجانب على أكف الراح. تناول منهم الراية بعد ذلك الأساتذة السودانيون بكل جدارة واستحقاق. تبدل المعماريون وتحورت وتنوعت إلى حد ما وهي تتنقل عبر الزمان والمكان لكنها لم تفقد هويتها الأساسية. التزامها الصارم نحو العديد من مبادئها كان هو اساس الممسكات التي حافظت على تلك الهوية. تحورها لم يكن استجابة لنزوات شخصية او ميول نرجسية إذ كان نتيجة لردود افعال منطقية تفاعلت مع مستجدات واقعية. بدأت بشكل لا يخلو من البساطة وتحورت لاحقاً متفاعلة مع التقدم التقني فاستوعبته بحذاقة فائقة فبدت مواكبة تماما لمستجداته.

تغزلت كثيراً من قبل في عدد من اعمال عمارة الحداثة في مواقع الجامعة المتعددة. ارتأيت ان أكمل مقالتي هنا باستعراض واحد من اخر الاعمال التي أعتبرها بحق قمة التعبير عن ثراء ورصانة هذا الطراز. هي في نظري الجوهرة التي تزين تاج منظومة تلك العمارة التي ازدانت بها مواقع جامعة الخرطوم. خصص عند تشييده في نهاية السبعينيات لقسم الجغرافيا الذي رُفع لاحقاً ليصبح كلية الجغرافيا والدراسات البيئية. اختير له موقعاً مميزاً وممتازاً في مجمع الوسط. يحيط به من ناحية الشرق كلية الاقتصاد ومن ناحية الشمال مكاتب السكرتير الأكاديمي ومن الجهة الغربية قسم او كلية العمارة. المنطقة الواقعة جنوبه كانت كلها مفتوحة ويحتل جزء مقدر منها الميدان الغربي وتجاوره في الجانب الشرقي قهوة النشاط وساحاتها الخارجية. إحاطته بتلك المنطقة المفتوحة أتاحت لمن يرتادونها فرصة التمتع بمنظر المبني وعمارته الفتانة.

من الأوفق ان نبدأ بالجوانب التخطيطية لهذا المشروع الأنيق. كان من المؤمل عندما كانت امور الجامعة تدار بطريقة تحترم رؤية الاختصاصيين أن يحرك الموقع في اتجاه الشمال. الغرض من ذلك أن يستمر ممر المشاء المنطلق من مباني كلية الاقتصاد في خط مستقيم حتى يصل لمباني كلية الهندسة في الجهة الغربية من مجمع الوسط. لكن ذلك الهدف لم يتحقق لان الأمور كانت قد بدأت في الارتباك في الجامعة. لدرجة أن بعض المباني الجديدة التي شيدت على الجانب الشرقي من الميدان الغربي خصمت من المضمار التاريخي الذي يحيط به. نعود للمبني التحفة الذي صممه المعماري الفذ عبد الوهاب عبد الرحمن ونبدأ بجوانبه التخطيطية العامة. في حالة نظرت بقدسية واحترام تام لتاريخ وتراث مباني مجمع الوسط أسس التصميم على نظام الصحن الوسطي. الذي يقوم على التفاف مكونات المبني حول فناء وسطي داخلي مفتوح للسماء.

نتوقف قليلاً عند فكرة الصحن الوسطي نسبة لما لها من دلالات وانعكاسات إيجابية متعددة مهمة للغاية وجديرة بالاهتمام. المبني مكون من جناحين أساسيين متقابلين متماثلين متباعدين نوعاً ما يحيطان بالصحن او الفناء من ناحية الشمال والجنوب. تتوزع في طوابقها المتعددة القاعات والمختبرات والمكاتب وباقي مكونات الكلية. يطوق الصحن من ناحية الشرق والغرب سلمان شبه مفتوحين من النوع الذي يشار إليه باللغة الإنجليزية ب freestanding staircases. مشيدان عند طرفي الجناحين مفسحان المجال لساحة رحبة مستطيلة الشكل. تصميم السلمين شبه المفتوح يمنح من هم في الصحن إحساس بالانفتاح على العالم الخارجي. لكنهما في نفس الوقت يفردان ظلالهم بسخاء فيحميان الصحن من تسلل شمس الصباح وبعد الظهر.

فكرة الصحن الوسطي كانت هي الأساس في تصميم العديد من مجمعات الجامعة منذ المراحل الأولى من تأسيس كلية غردون. تشهد بذلك عدد من الحالات لكليات وداخليات في مجمع الوسط. من أهمها مجمع كلية الآداب وكليتي القانون والعلوم الإدارية اللتين كانتا في سالف الزمان داخليتي النيل الأزرق والنيل الأبيض. كان الدافع الأساسي لتبني نظام الفناء الوسطي مناخي. تخضيره وتشجيره جعله أشبه بواحة وسط الصحراء. هو أمر بالغ الأهمية في زمان لم تكن فيه وسائل تبريد وتكييف المباني متوفرة. فعلت إدارة الجامعة هذه الفكرة والنظام باهتمامها الفائق بمكون البستنة. تبنيها له لم يتأثر بتغيير الاستخدامات. فحديقة داخليتي النيل الأزرق والنيل الأبيض استضافتا لاحقاً مناشط وفعاليات كليتي القانون والعلوم الإدارية بشكل ممتاز.

صحن قسم الجغرافيا التي أصبح لاحقاً كلية شأنه شأِن مثيلاته في باقي كليات الجامعة دائماً مصطخب بحيوية الطلاب. كان في زمان سابق مُخضراً تتوزع فيه عناصر البستنة. حلت محلها لاحقاً مساحات رصف ذات أثار سلبية لأنها تسخن الاجواء. بالرغم من ذلك لم تقلل من إقبال الطلاب الذي يضفي عليه زخم مجتمعي بائن.  أكسبه المبني قيمة إضافية بارتفاعه العالي وتصميم طوابقه المتعددة. بعض جوانبه رفعت من درجة التفاعل مع أجواء الصحن. فتصميم الجناحين ببلكوناتها المكشوفة المستمرة المطلة عليه والسلالم شبه المفتوحة تسمح دائما بإطلالة رائعة من على. تواصل من هم هناك البصري ومتابعتهم للزخم المجتمعي في تلك الباحة الوسطي له مردود بالغ الأهمية. إذ يزكي روح الجماعة فيحقق هدف نبيل تسعي العمارة دائما لتحقيقه بالذات تلك التي تتبني نهج الحداثة المفعم بالإنسانية.

المدخل لهذا العمل المعماري بالغ التميز بكل جوانبه وتفاصيله يجب أن يكون عبر محاور أساسية مهمة. نركز فيها بشكل خاص على خلفية الباشمهندس والمعماري الأريب الحصيف شيخ المجودين عبد الوهاب عبد الرحمن. تلقي علوم العمارة كما أشرنا من قبل في ظروف مثالية. نفر محدود من أنجب خريجي المدارس الثانوية نهل العلم من أميز الأساتذة من غرب وشرق اوربا. المعروف أن قسم العمارة تأسس على أيدي أساتذة بريطانيين أضيف لهم لأحقاً عدد من شرق اوربا. راي الشخصي المؤسس على معطيات مقنعة ان تنوع خلفية الأساتذة كان له مردود إيجابي على طلاب قسم العمارة زمانئذ يحتاج لبعض شروحات.

كان الغرب الأوربي ينعم في منتصف القرن الماضي بهامش كبير من الحرية الفكرية. ازدهرت معه الساحات واصطرعت فيها شتي التوجهات. انعكس هذا الجو الصحي بشكل مقدر على المعماريين تحديداً الأكاديميين منهم الذين تشبعوا بالأبعاد الفكرية للعمارة. بلوروها وطورها وصاغوها خلال العقود الأولي من ذلك القرن في مضامين فكر عمارة الحداثة. حملها نفر منهم ممن حل بديارنا من الأساتذة البريطانيين الذين أسسوا قسم العمارة بجامعة الخرطوم. عرفوا من خلال عملهم الكبير ذاك بالاهتمام الفائق بالجانب الفكري والمفاهيمي. فاستفاد منه وانتفع به وتأثر به بشكل كبير طلابهم من أمثال عبد الوهاب عبد الرحمن.

كانت شرق آوربا تعيش واقعاً مغايراً تماماً لما كان يدور في الجزء الغربي منها خلال تلك الفترة. كانت في قبضة نظام شيوعي اشتراكي الهوى أممي الهوية فرض عليها حالة حادة من الإحادية الفكرية. جاءت خصماً على اجواء الحرية الفكرية والثراء المفاهيمي. يبدو أن هذا الواقع جعلهم يركزون على البعد التقني للعمارة بعيداً عن المسائل العقائدية والإيديولوجية الشائكة. تركيزهم عليه جعلهم يتميزون على أقرانهم الأوربيين في الجانب الأخر من القارة. لم ينتقص هذا الواقع كثيراً من مقدراتهم كمعماريين وأساتذة وتشهد على ذلك شهادة طلابهم. تشهد عليه أيضاً أعمالهم المعمارية بالغة التميز. كان الرابح الأكبر من تباين خلفية أساتذة قسم العمارة الأوربيين طلابهم الذين ظفروا بميزة الجمع بين الحسنيين. إذ تميز ما اكتسبوه من علم خلال فترة دراساتهم بالعمق المفاهيمي والتجويد التقني.

درس الطالب النابه عبد الوهاب العمارة بالجامعة وعلى يد تلك النخبة من الأساتذة المميزين الذين جاوا من جانبي القارة الأوربية. فاستوعبها بشكل متوازن ممسكاً بدفتيها، مدركاً لعمقها الطرازي ومجوداً لتقنياتها. صقلته بعد تخرجه فترة قصيرة قضاها بوحدة المباني الملحقة بكلية الهندسة بالجامعة. منحته فرصة ذهبية إذ قام بتصميم عدد من مباني الجامعة المهمة لعل من أروعها مبني قسم الجغرافيا الذي سنركز عليه هنا. سجله المهني حافل بالإنجازات والنجاحات التي شاركها فيها شريكه ورفيق دربه الباشمهندس احمد الشريف عبود. فهم من أوائل من أسس المكاتب الاستشارية. نجحوا خلال مسيرتهم الظافرة في الفوز في أكثر من مسابقة محكمة مهمة. لا غرو في ذلك فقد اشتهروا دائماً بالأداء الرصين وأعلى درجات التجويد. لا زالوا يسيرون على ذات الدرب بعد انضم إليهم المعماري والمخطط العمراني المرجعي عوض الكريم محمد احمد.

اخترت مبني قسم الجغرافيا لأكثر من سبب وجيه أشرت لبعضها من قبل. نضيف إليها ان تصميمه يشكل نقلة بينة ومنعطف مهم في مسيرة عمارة الحداثة بجامعة الخرطوم. كانت قبل فترة نهاية السبعينيات تتسم بالبساطة المفرطة ومحدودية موادها. التي لم تتعد كثيراً مساحات طوب السدابة المتمددة مع العناصر الإنشائية الخرسانية بالإضافة لكاسرات أشعة الشمس الخشبية. كانت تتسم دائماً بالكتل الضخمة الراسخة التي تمنح العمارة ثقلاً مميزاً ومظهراً رزيناً. مبني قسم الجغرافيا كسر تلك الصورة النمطية. حمل الباشمهندس عبد الوهاب العمارة بعيداً عنها محلقاً في أفاق رحبة. مارس في هذا العمل هوايته المفضلة وهي الانغماس والغوص في أعماق عوالم التفاصيل المعمارية. فمنح من خلالها هنا عمارة الحداثة بالجامعة بصمة متفردة.

حذاقة الباشمهندس عبد الوهاب ونزعته البائنة للتجويد واهتمامه المفرط بالتفاصيل أبرزت عمارة الحداثة هنا في إهاب جديد. لم تأت هذه النقلة الملموسة على حساب ثوابتها وضوابطها التي التزم بها بشكل صارم. استثمر في ذلك الإهاب الذي برز في أبهي حلة في التقدم الملموس في تقنيات وفهم المهندسين السودانيين في نهاية السبعينيات. مستصحباً معه أيضاً أخر مستجدات مواد البناء والتشطيبات زمائذ. سمحت تلك المعطيات للباشمهندس بالتحليق عالياً بعمارة الحداثة في أرجاء مواقع الجامعة. مؤرخاً لمرحلة جديدة لم تجد من يتبع خطاها بنفس القدر من الألق. سنعود لهذا الشأن بشي من التفصيل لاحقاً.

من أهم ما اعجبني في هذا العمل حسن تعامله مع بيئته الخارجية والداخلية المؤسسة على معطيات مناخية ووظيفية. فالمبني وبناء على عدة مسوغات مقنعة إذا أخذنا في الاعتبار أن نشاطه تعليمي يكاد يدير ظهره لبيئته الخارجية. فأنشطة مكونات مجمع الوسط المحيطة به بالذات من الجانب الجنوبي تعتبر مشوشة للدارسين. عليه تصبح متابعتها من قاعات ومختبرات القسم خصماً من تركيزهم. من ناحية أخري مناخية يعتبر تقليل مساحة النوافذ المطلة على البيئة الخارجية قرار حكيم في حالة مبني يعتمد عل التبريد الميكانيكي. هذه المعطيات مجتمعة بررت تفاعل المبني المحدود مع بيئته الخارجية. حاول المصمم ونجح في تعويضها بانفتاح مقدر على البيئة الداخلية التي هيأها على أحسن ما يكون. إذ جعل مركزها صحن داخلي وسطي مفتوح للسماء ومعزز بعناصر الخضرة والبستنة.

صار ذلك الصحن أشبه بواحة وسط عمارة المبني التي تغلب عيها المكونات الخرسانية والطوبية. صممت الأجزاء المحيطة به بشكل يسمح لرواده خلال حركتهم في طوابق المتعددة بإطلالة بانورامية رائعة. فأطراف البلكونات الممتدة في الطوابق العليا وتلك المحيطة بالسلالم شبه مفتوحة وهو جانب مهم جداً في التصميم. إذ تجعلهم أثناء حركتهم هناك في حالة تواصل بصري مستمر مع زملائهم في الصحن الوسطي المضطخب حيوية. من جانب أخر من ناحية مناخية يعتبر نظام الصحن الوسطي والعناصر المحيطة به حالة مثالية. فالجانب الشمالي متعدد الطوابق يحميه من زمهرير الشتاء وعناصر البستنة الموزعة في أرجائه تلطف أجوائه في نهارات الصيف الحارة. من ناحية اخري تحميه السلالم الشبه مفتوحة العالية الواقعة على الجانب الشرقي والغربي من شمس الصباح وبعد الظهر فتساعد في تلطيف اجوائه.

تصميم أطراف وحواف البلكونات والسلالم الشبه مفتوحة منح شكل العمارة من داخل الصحن خفة ورشاقة لكأنها ستحلق. ساهم في تعميق هذا الإحساس تصميم السلالم المبتكر وفكرته بالغة الجرأة بمقاييس تلك الفترة. يقوم أساساً على جزء أوسط عبارة عن حائط خرصاني منتصب. تتفرع وتبرز من جانبية (قلبات) السلم الحاملة للدرجات والبسطات المسطحة المكملة لها. مبني السلم مخالف للنوع المعروف المحاط بالحوائط والذي يشار إليه ببير السلم. عدم وجود الحوائط الخارجية حرره تماماً وجعله يحلق مع باقي اجزاء المبني. نوع ذلك السلم كان ظاهرة لافتة زمانئذ ويعتبر تشييده نوع من أنواع استعرض العضلات في مجال إنشاءات المباني. ظهوره هنا قفز بعمارة الحداثة في الجامعة مراحل مقدرة للأمام.

عوامل أخري كانت لها انعكاسات سلبية على عمارة الحداثة لاحقاً في نهاية السبعينيات. انتشر خلال تلك الفترة استخدام مكيفات الهواء المائية التي اشتهرت باسم المكيف الصحراوي. ساهمت في تلطيف أجواء المباني الداخلية لكنها جاءت خصماً على شكل واجهاتها نتيجة لكبر حجم أجزائها الخارجية الضخمة. تعامل المصمم بحذاقة مع هذه المشكلة في مبني قسم الجغرافيا فنجح في أخفائها بطريقة شكلت إضافة جمالية مقدرة. مستخدماً بعض مواد البناء والتشطيبات التي ظهرت في تلك الحقبة. فغطى الواجهات التي ركبت عليها الوحدات الخارجية بشرائح معدنية رفيعة رصت بمسافات متباعدة نوعاً ما. بشكل حجب منظر تلك الوحدات لكنه سمح بمرور الهواء للجزء الخلفي منها. استثمر هذه الأجزاء البارزة لخدمة غرض اخر إذ وظفها لتظليل نوافذ المبني المرتفعة. مثل تلك المعالجات منحت عمارة الحداثة التي صدحت في هذا المبني نقلة جديدة مهمة.

تواترت أعمال عمارة الحداثة في مواقع الجامعة المتعددة بعد تشييد مبني قسم الجغرافيا. الواضح بالنسبة لي أن جلها لم يقدم الكثير من الإضافات المميزة التي ترتقي لمستوي ذلك المبني. ظاهرة قد نجد لها أكثر من مبرر. من أهمها أن أساتذة القسم المؤسسين ذوي الخبرة الممتازة تركوا العمل بالجامعة وأسسوا مكاتبهم الخاصة. من حل محلهم من الشباب لم يكونوا قد اكتسبوا الخبرة اللازمة لتصميم اعمال على درجة عالية من النضج. ثمة سبب أخر مهم له علاقة بهذه الشريحة من الأساتذة وطابع الحداثة الذي تسيد عمارة مواقع الجامعة. حمل لهذا الطابع عقد الثمانينيات اخبار غير سارة إذ ظهر في الغرب الأوربي تيار مناوي له بداء يكتسب أراضي جديدة. مما لا شك فيه أن هذا الأمر كان له صدي عند شريحة الأساتذة الشباب الذين بدأوا في صياغة عمارة متماشية معه. سنتعامل مع هذا موضوع في مقالات قادمة.

البروفيسور مشارك دكتور معماري/ هاشم خليفة محجوب

أمدرمان- فبراير 2019

جزء من كتاب من تأليف الدكتور هاشم خليفة سيصدر قريباً بعنوان (العمارة السودانية: مواقف ومشاهد)

Leave a Reply

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d bloggers like this: