+249 90 003 5647 drarchhashim@hotmail.com

مجمع طريقة الهندي الصوفية في برى اللاماب عمارة تقليدية مدهشة

تشكل المراكز الصوفية مرتكز بالغ الأهمية في مجمل المنظومة و الصورة الحضرية العامة لعاصمة بلادنا. الخرطوم الكبرى أو العاصمة المثلثة المكونة من الخرطوم و امدرمان و الخرطوم بحري. تركيزي عليها نابع من اهتمامي الخاص بالحركة الصوفية و مدارسها المتعددة. كان دافعه الأساسي هو تأثيرها الملموس في حقب تاريخية متعددة على حياة الناس بمن فيهم سكان العاصمة. استوقفتني و استهوتني جوانب متعددة في تلك المراكز الصوفية لها صلة بمجمل جوانبها العمرانية و المعمارية. بداءً باختيار الموقع مروراً بالتخطيط العام فالتصميم الحضري من ثمة العمارة انتهاءً بأصغر تفاصيلها و جوانبها الفنية. نظرت إليها بعمق في إطار مجمل مفاهيم الطريقة الصوفية و رؤية و فلسفة مؤسسها و زعيمها. الذي عادة ما يسير على نهجه من بعده خلفائه و هم في أغلب الحالات أبنائه. واقع يتجلى بشكل مؤثر على جوانب حياته و حياة من يحيطون به من قريب أو بعيد. الذي يلقى بظلاله الكثيفة على الجوانب و التفاصيل العمرانية و المعمارية المشار إليها من قبل. التي تتجاوز حدود المراكز إلى كل ما له صلة بالطريقة و زعيمها خارج إطارها الجغرافي. تكتسب عملية دراسة و تفحص حالات الطرق الصوفية المتعددة بعداً مهماً للغاية من خلال الدراسة المقارنة. هذا هو عين ما سأفعله هنا. أعانتني في مساعيي في هذا الدرب الوعر المحفوف بالتحديات خلفية علمية وفلسفية حصدتها من خلال دراستي في مجال تخصصي. أعتقد أنى خرجت منها ببعض أفكار و تأملات أردت صادقاً أن أشرككم معي فيها. 

أنى مهتم بشكل خاص من مجموعة الطرق الصوفية التي تَركز نشاطها في العاصمة الخرطوم الكبرى بثلاثة منها. إذ كانت هي الأكثر تأثيراً على مجمل حياة الناس خلال النصف الأول من القرن العشرين و ما بعد ذلك. تركيزي عليها يجب ألا يفهم بأنه انتقاصاً لمقدار الأخريات.  لكن فقط لأسباب موضوعية تصب في مصلحة الدراسة المقارنة التي أسست عليها عملي هنا. واحد من أسباب التركيز عليها بعض القواسم المشتركة الهامة التي تجمع بينها. المدهش أن تلك القواسم لم تمنع وجود اختلافات و فوارق جوهرية و هذا هو بيت القصيد. الثلاثة طرق الصوفية أسست لها و تزعمتها ثلاث شخصيات كانت مؤثرة للغاية بشكل تجاوز محيط دائرة مجالها الصوفي و أفاقه الدينية الروحية. إذ كانت لها أدوار سياسية ذات أثر عميق و ممتد عبر الزمان. هذا جانب بالغ الأهمية سنتناوله لاحقاً. أول الشخصيات و أهمها لعدة اعتبارات هو السيد عبد الرحمن المهدى زعيم طائفة الأنصار. ثانيهما هو السيد على الميرغني أحد أهم مؤسسي الطريقة الختمية. ثالثهم الذي أسس الطريقة الأقل عدداً و انتشارا هو الشريفة يوسف الهندي زعيم الطريقة الهندية. يبقى من المهم جداً التعرف على الجانب السياسي الذي منح تلك الطرق دورها الريادي. الذي لا زال ملموساً و مؤثراً حتى زماننا هذا و نحن على مشارف العقد الثالث من الألفية.

نبدأ بطائفة الأنصار نسبة لما لها من إرث تأريخي بالغ الأهمية. فهي تتكئي على تاريخ ناصع مشرف من الكفاح الوطني أسس له الرمز الأشهر محمد احمد المهدى. والد زعيم الطائفة و مؤسس وراعى حزبها لاحقاً في العهود الحديثة عبد الرحمن. أسس المهدى الكبير ذلك الإرث عبر مجاهدات عظيمة.  أنتجت العهد المهدوي واحد من أنصع صفحات الحكم في تاريخنا الحديث. الذي دارت أحداثه في خواتيم القرن التاسع عشر. لم تتجاوز فترته الثلاثة عشر سنة إلا أن أثره لا زال باقياً بيننا. كلفت تلك المجاهدات أبنه عبد الرحمن كثيراً. فاتورة سددها بعد هزيمة الدولة المهدية و تولى الحكم في السودان نظام ثنائي محتل بريطاني مصري. استهدفه في البداية هو و من معه من أنصار والده و أذاقه الأمرين.

لكن بمرور الزمن و خلال النصف الأول من القرن العشرين و نتيجة لحسابات خاصة تقرب إليه الجانب البريطاني من السلطة المحتلة. فقدم له بعض تسهيلات تمكن بذكائه المتقد و حكمته البالغة من استثمارها بشكل جيد. في شكل مشروعات عظيمة متنوعة الأنشطة. استثمر جانب مقدر من عائداتها في تأسيس حزب سياسي مهم. تعامل معه الجانب البريطاني من سلطة الحكم الثنائي بمرونة بناءً على موازنات وحسابات يعرفها جيداً. أعتقد أن السيد عبد الرحمن المهدى هو واحد من أعظم الزعماء الروحانيين و القادة السياسيين في القرن العشرين. واحدة من مظاهر عظمته توظيفه الممتاز لمختلف أنواع الأطر المعمارية. التي استثمر فيها في مواقع ممتازة في العاصمة الخرطوم. سخرها بفطنة متناهية و فكر متقدم لخدمة أغراض طريقته الصوفية و مؤسساته السياسية و أهدافه الثقافو- مجتمعية. دبجت العديد من المقالات من قبل التي تشير و تغطى هذه الجوانب بعضها مضمن في مواد موقعي الإلكتروني. واحدة من أهمها جاءت بعنوان: سرايات السيد عبد الرحمن المهدى.

ثمة أمر يدعوا للدهشة عند النظر في بدايات القرن الماضي للضفة الأخرى من المشهد الصوفي و السياسي المهم. التي كان يسطع في سمائها و يقبض على مفاتيح اللعب فيها الزعيم الأريب الماكر السيد على الميرغني. إذا قارنا أمرها بضفة السيد عبد الرحمن المهدى في الجهة المقابلة تصيبنا الدهشة لتشابه تشوبه بعض اختلافات جزرية. إذ لم تمنح الظروف السياسية التاريخية السيد على نفس القدر من نعمة الاستثمار في النضال السياسي في العهود السابقة. التي أنعمت بها بسخاء على السيد عبد الرحمن و أنصاره الذين نجحوا في البناء عليها بحصافة بالغة. لكن تلك الظروف عوضت السيد على وكأفته بشكل أخر خلال المرحلة الأولى من فترة الحكم الثنائي. الذي أغدق عليه ببعض النعم نكاية في غريمه السيد عبد الرحمن المهدى. باعتباره كان نسبياً مأمون الجانب خلال المرحلة الأولى من تلك الحقبة.

على سبيل المثال منحته سلطات الاحتلال قطعة أرض كبيرة في موقع ممتاز. مطلة مباشرة على النيل الأزرق ليست ببعيدة من قصر الحاكم و مقر حكومته شيد عليها سراية فخمة. سهلت له أيضاً امر الحصول على قطع ارض أخرى جلها في مدينة الخرطوم بحري التي ارتبطت به و بأسرته. بذل السيد على جهداً في توظيف تلك الأراضي لتشييد صروح معمارية لا بأس بها تعبر عن أهميته و أهمية طريقته الصوفية. لكنه في هذا السياق لم ينجح في مجاراة و منافسة نده التقليدي السيد عبد الرحمن المهدى. استفاد السيد على لاحقاً في نهاية حقبة الاحتلال من ظروف أخرى مختلفة. وجد تعامل خاص من الجانب المصري في ظل الصراع بين تيارين وطنيين ناضلا معاً في معركتهم لنيل الاستقلال. خلال تلك المعركة المستعرة في مرحلة بالغة التعقيد كانوا هم الأقرب للجانب المصري. من خلال طروحاتهم التوفيقية التي قدموها كمشروع لنيل الاستقلال. تفهم ذلك الجانب موقفهم فمنحهم رعاية خاصة قبل نيل الاستقلال لم تنتقص من رصيد نضالهم الوطني. 

الطريقة الصوفية الثالثة التي تزعمها الشريف يوسف الهندي كان أمرها مختلفاً في أكثر من جانب من جوانبها بما في ذلك نهج زعيمها. كما ذكرنا من قبل كانت عضويتها محدودة العدد في إطار العاصمة بالرغم قاعدتها العريضة في إقليم الجزيرة المروية المجاور لها. شكل ذلك الزعيم مع أنداده السيد عبد الرحمن المهدى و السيد على الميرغني مثلث المشهد السياسي في تلك الحقبة من تاريخ بلادنا الحديث. في فترة منعرج و منعطف حساس عبر بالبلاد بأمان بعد مجاهدات مشهودة إلى شواطئي الاستقلال. كان للشريف فيها مواقف قوية سار على دربها بعد وفاته أبنائه بنفس العزيمة و الإصرار. قادوا النضال فيها لبضع عقود من الزمان. من موقعهم و قاعدتهم الصلبة هناك المتكئة على ضفة النيل الأزرق بضاحية برى اللاماب في الجانب الشرقي من الخرطوم. وسط أطر معمارية تتميز بالبساطة المقترنة بجمال مترع بالأصالة. سنعود لمعالمها و سماتها و ملامحها بشئى من التفصيل فيما بعد. اتسم الشريف منذ صباه الباكر بذكاء خارق. عرف لاحقاً وهو يحتل موقعاً متقدماً بين أنداده قطبي و زعماء الحركة الصوفية بقوة الشخصية و الفكر المتقدم. بالإضافة إلى ذلك كان نضاله السياسي دائماً مقترناً بالزهد.  تميزت حياته بالبساطة إذ كان يمشى بين الناس هوناً. متماهيا مع مريديه و أتباعه من عامة الناس و جَلهم ريفي الطابع.

نعود مرة أخرى لنستعرض حالة السيدين عبد الرحمن المهدى و على الميرغني. أنى أعتبر حالة المهدى استثنائية بكل ما تحمل هذه الكلمة من معاني. بداءً بنهجه في الحياة الذي اتسم بدرجة عالية من الرقى بالرغم من محدودية مستوى تعليمه. ساعده في المضي قدماً في هذا الدرب حرصه على مخالطة علية القوم و أرفعهم مقاماً. إتباعه لهذا النهج لم يخلق منه شخصية (أرستوقراطية) متعالية على عامة الناس. الذين فتح لهم قلبه و أبواب سراياته و مصاريع خزائنه بكرم حاتمي فياض مقترن بحميمية دافقة. أعانه على ذلك أبنائه و أهله الذين رباهم على هذا النهج الانفتاحى المؤسس على التواضع الجم و محبة الناس أجمعين. تواصله مع علية القوم وسع من أفاقه و مساحات طموحه. لأنه كان مفرطاً في الحميمية ومضيافاً سعى للارتقاء بمستوى الدور الخاصة به و بإسرته و نشاطات طائفته و حزبه. اجتهد في أن يجعلها واجهة مشرفة للغاية تليق بزواره و ضيوفه المتميزين من السودانيين و الأجانب. فهيائها و أعدها بأحسن صورة تليق بالاحتفاء بهم. وسمها بطرازات بالغة التميز كلاسيكية المنحى ملوكي المظهر. بالرغم من منظرها المبهر كان حريصاً للغاية في أن يجعلها قبلة لتلك الشريحة المقربة إلى نفسه من أبسط الناس و ظرفاء المدينة. استعرضت و تناولت تلك السمات المعمارية بأبعادها العمرانية في العديد من مقالاتي المضمنة في مواد موقعي الإلكتروني.

حالة مولانا السيد على الميرغني كانت مختلفة عن حالة نديده و غريمه الإمام السيد عبد الرحمن المهدى. الرابض على الضفة الأخرى طائفياً و سياسياً. الإشارة للضفاف هنا ليست مجازية لأنها كانت تعكس واقعاً فعلياً معاشاً. فسراية السيد على المطلة على النيل الأزرق كانت تفصل بينها بين سرايات المهدى المشرئبة نحو النيل في امدرمان أنهاراً و جزيرة. نفس تلك المسافات الكبيرة كانت تفصل أيضاً بين تركيبة شخصيتهما و نهج حياتهما. الظروف التي ألقت بالسيد على في خضم بحر متلاطم من التقلبات السياسية لم تفلح كثيرا في إخراجه من عزلته المجيدة. إذ كان دائماً متحفظاً في خوض غمارها. بالرغم من الدعم السياسي و المعنوي  الذي خصه به الجانب المصري من نظام الحكم الثنائي. ربى أبنائه على نفس ذلك النهج.  زاد من عزلتهم تلقيهم لمراحل دراستهم في مدرسة خاصة بهم بعيدين عن أبناء الطريقة و عامة الناس. مجاهدات ابنه و خليفته محمد عثمان المقدرة لاحقاً في نهايات القرن الماضي ضد حكم الطغيان الانقاذى لم تغير كثيراً من الصورة. إذ ظل لمدة عقدين من الزمان باعتباره راعى و مرشد الحزب المنبثق من الطريقة يدير العمل السياسي من خارج السودان. مؤسساً لما يعرف بممارسة الفعل السياسي من بعد بالموبايل. هذا التباعد و النهج الصفوي أضعف من فعالية الطريقة و زراعها السياسي. تلك الأجسام التي كانت تاريخياً معززة و مدعومة بأسر كبيرة و مهمة من شمال السودان و شرقه. بالإضافة لعضوية الحزب المطعمة بخيرة الرجال و أميزهم من كافة قطاعات الشعب. كل ذلك الزخم لم يجدي كثيراً في ظل الصراعات التي أججها غياب مولانا عن ساحات الطريقة و الحزب نسبة لغيابه المتطاول.

ذلك الواقع سلبي الملامح ألقى بظلاله الكثيفة على مجمل المشهد المعماري الخاص بالطريقة الختمية و حزبها السياسي. بداية و مرحلة تأسيسها كانت قوية و مؤثرة لأنها قامت على عمل دعويي إسلامي كبير في شرق السودان. مهد لهم الطريق فنجحوا في استثماره خلال المرحلة الأولى من فترة الحكم الثنائي. من جانبها سعت سلطاتهم للتقرب إليهم كجزء من مخطط سيأسى مدروس. في هذا الإطار منحت السيد على قطعة أرضة مترامية الأطراف في موقع استراتيجي. شيد فيها سراية بيضاء اللون كلاسيكية الملامح. مهيبة مهابة تقف لكأنها تنافس قصر الحاكم العام المتشح بذات اللون و يبعد عنها ببضعة مربعات من ناحية الشرق. كان مبنى السرايا محاطاً بالحدائق الغناء فسمي لاحقاً بجنينة السيد على. ذلك الإطار البديع لم يكن محرضاً بالشكل الكافي لعمل جماهيري نشط على نطاق الطريقة و الحزب لأسباب ورد ذكرها من قبل. كما كان هو الحال بالنسبة لمنظومة غريمه الإمام عبد الرحمن المهدى في رحاب مدينة امدرمان العريقة. حدث مهم مع بداية هذا القرن كان يمكن يقدم دفعة مهمة تضخ الحيوية في واقع الطريقة. إذ خُصصت لها قطعة كبيرة في حي حلة خوجلي بالخرطوم بحري. شُيد فيها مسجد ضخم متميز العمارة أقتطع جزء جانبي صغير منه ليضم ضريح السيد على الميرغني. تشييد بعض المرافق الخاصة بالطريقة في أرجاء الموقع لم ينجح كثيراً في إحداث حراك مستمر بالغ الأثر. كما كان هو الحال في رحاب مواقع طريقة غريمه في الضفة الأخرى بمدينة امدرمان.

سمعت حكايات مبهرة عن الشريف يوسف الهندي طرزت تاريخه و سيرته العطرة. رسمت صورة بالغة الروعة دخلت العمارة فيها دائما كمحور أساسي. عرف منذ مرحلة مبكرة من عمره في إطار نبوغه اللافت باهتمامه الخاص بالجوانب المعمارية. بالرغم من أنه لم يتلق أي نوع من الدراسات في هذا المجال. الواضح أنه صقل تلك الاهتمامات من خلال تسفاره لبلاد زاخرة بالكنوز المعمارية. مثل الحجاز التي صارت لاحقاً المملكة العربية السعودية و كانت تتوفر على صروح بازخة الجمال تراثية الطابع. أتته و هو مشحون بتلك الرؤى و الخواطر فرصة ذهبية لترجمة أفكاره و تطبيقها على ارض الواقع في عمل معماري حقيقي. كان مسرحه موقعاً مترامي الأطراف عند مدخل كبرى القوات المسلحة في الجانب الشرقي منه ناحية الخرطوم أو برى. صار لاحقاً مقراً لمجمع أساتذة جامعة الخرطوم السكنى. شيد فيه الشريف يوسف لنفسه داراً مفرطة الجمال. سطعت فيها العمارة في لون زهري أو (بمبى) كما نسميه بلغتنا الدراجة. لأن مظهره الفخم يشبه القصور سُمي باللغة الإنجليزية بال the pink palaceأي القصر (البمبى). فبدى في أبهى صورة فتانة بحق. بشكل روع الشريف فخاف على نفسه من سحرها. الذي خشي أن يجرفه إلى عالم أخر يصرفه عن رسالته التي وهب نفسه لها. فوهب المبنى فداءً لهذا الهدف النبيل لجهة ما قامت بدورها بإهدائه لجامعة الخرطوم. لكي يصبح لاحقاً الشامة أو بالدراجي (النوارة) المعمارية لمجمع سكن أساتذة الجامعة هناك. موقف الشريف يوسف الهندي هنا يدل على حالة متقدمة من الزهد و الورع. التي كانت هي دوماً زاده الأساسي في رحلته القاصدة في هذا الدرب.

ننتقل بعد ذلك لموقع أخر على نفس الشريط المطل على النيل الأزرق نسير لمسافة طويلة   على ضفة النهر في اتجاه الشرق. موقع مترامي الأطراف يبعد الأن بمسافة مقدرة من نهاية شارع المعرض المسفلت المتجه في اتجاه الشرق. حيث قرر الشيخ أن يؤسس فيه هناك مركزاً لجماعته أهل الطريقة. الواضح أن الاختيار كان مبنى على عدة اعتبارات مهمة مقنعة. من أهمها القرب من النهر رمز الطهر و الطهارة و مصدر أهم مقومات الحياة. تضاف إليها الأجواء الطبيعية النقية الممتدة على الضفاف مترعة بهدوء و وداعة ريفنا الحبيب. التي نشاء و تربى عليها الشيخ بين أهله في ربوع إقليم الجزيرة المروية المجاورة للعاصمة. في ذلك الموقع و تلك الأرض الطيبة الطاهرة البكر تدافع المريدون و الأحباب. يسبقهم شيخهم يعملون معاً بهمة جنباً لجنب تدفعهم أشواقهم النبيلة. سمعت بعض روايات مطرزة بتفاصيل ذلك العمل الكبير الذي كان بحق ملحمة رائعة كان فيها الشيخ في قلب الحدث. كان عملاً محفوفاً بالتحديات في موقع يفتقر لأهم المقومات الأساسية مثل توصيلات المياه. علمت أن الشيخ كان هناك راس الرمح يقود صحبه و هم يعملون بهمة عالية يجلبون الماء و (يضربون) الطوب.

اختيار الموقع في ذلك المكان القصي من المدينة و المناطق المحيطة به له دلالات مهمة. تحفه من الجانب الشمالي ضفة النهر التي يتصدرها شريط زراعي ضيق ترويه مياه الفيضان يسمى بالجروف. تصطف على الجانب الجنوبي منه و تفصله عن الشارع الرئيس المتصل بالمدينة بيوت متوسطة الحال و المحيا. كان يقيم فيها الشيخ مع أسرته الصغيرة و الكبيرة و أطياف من أهله و أحبابه و مريديه. مواصفات ذلك الموقع تحمل بصمات شخصية الشيخ التي لا تميل للظهور و تذوب في كيان أتباعه البسطاء. مخالفاً بذلك نهج أنداده من زعماء الطرق الصوفية الذين أشرنا إليهم من قبل. فهي جزء أصيل من تركيبة شخصيته المتسمة بالتواضع الجم و الزهد المتوشح بالنهج الصوفي الأصيل. وضحنا من قبل كيف اختار أو اُختير لتلك الزعامات مواقع سراياتهم و مراكز طرقهم الصوفية. فالخاص بالمهدى يطل على أهم شوارع أمدرمان زمانئذٍ. الوصول إليه عبر ساحة تاريخية هي جامع الخليفة المفتوح. في الضفة الأخرى من النهر تميز موقع سراية و مركز زعيم الطريقة الختمية في زمان مضى بأكثر من خاصية منحته قدراً عالياً من التفرد. موقعه المترامي الأطراف المحتشد بالحدائق مطل على النهر و مصطف مع أهم مباني مدينة الخرطوم. تجاهل الهندي كل ذلك الإرث و تقاليد أنداده من زعماء الطرق الصوفية و غرد خارج السرب. اختار لمركزه موقع منزوي في ركن قصي من المدينة قريب من أهله و أحبابه.

يقولون دائماً الجواب يكفيك عنوانه. مدخل المجمع من بوابته في الجانب الغربي من الموقع   يعبر عن الكثير مما ورد ذكره من مظاهر التواضع. ليست هناك رايات مرفرفة أو لافتات عملاقة تشير إليه. تدخل عبر البوابة فتفتقد مباني الحرس و الاستقبال المهيبة التي عادة ما تتصدر مثل هذه المراكز و تحرس مداخلها. نفتقد هنا منذ البداية المظاهر السلطوية التي تقترن عادة ببعض مراكز الطرق الصوفية. فالمشرفون على المركز لا تكاد تحس لهم بوجود. إن تواجدوا بالصدفة لن تميزهم لأنهم لا يرتدون زياً خاص بهم. مثل لبسة (عل الله) و (العزبة) المنسدلة من العمامة عند أنصار المهدى و (الجلابية النص لياقة) المميزة لأهلنا الختمية أتباع الميرغني. عليه لا يحس الغريب المقبل عبر بوابة مركز الهندي بأنه غريب ديار و غريب أهل. ظاهرة أخرى تكسر الإحساس بالهيبة عند المقبل للمركز عبر البوابة. يقطع مسافة طويلة تقوده لمكونات المركز الرئيسة مغطاة بمساحات من الرمل النظيف. لا وجود هنا لمواد الرصف الفخمة التي تميز بعض المراكز الشبيه مثل الرخام الفاخر و البورسلين غالى الثمن. مثل هذه المعالجات تساهم كثيراً في كسر عاجز التعالي و القدسية الذي يتحصن به قلة من مشايخ الطرق الصوفية.

يتكون المجمع من أربع مكونات كبيرة رئيسة. واحد منها و هو الأقرب للبوابة يجلس منفرداً بعيداً عن الأخريات ناهضاً في شموخ قبالة النهر. هو عبارة عن استراحة يؤمها بعضً من المقيمين بالمركز مع نفر من الزوار العابرين. يطلق عليها معشر أهل الطريقة اسم التكية الذي اكتسبته من أيامنا القديمة السالفة المترعة بالقيم النبيلة. التي اتسمت بالكرم و العناية الخاصة و الاهتمام بعابر السبيل. إذ أن مثل هذه الخدمات كانت تقدم بلا مقابل مادي و لا زال هذا للنهج معمول به هنا في مركز الطريقة الهندية.  تضم الاستراحة بالإضافة لمرافق المقيمين فيها مطبخاً كبيراً يعدون فيه وجباتهم في ذلك الموقع المنعزل. تقدم منه أيضاً خدمة لا تقل أهمية ذات قيمة رمزية عالية. حيث يقوم المقيمون فيها بإعداد الوجبات لمن يفدون للمركز لإحياء بعض المناسبات الدينية و المناشط الصوفية المتكررة و الراتبة. مثل ليالي الذكر و (الحوليات) التي ترتبط بذكرى ميلاد شيوخ الطريقة. إعداد الوجبات لمن يحضرون لتلك المناسبات و تقديمها لهم و القيام بخدمتهم له قيمة عالية للغاية. إذ يقوى روح التماسك والتأخي بين كافة أفراد الطريقة.

القيم النبيلة التي ترتبط بهذا المبنى بالإضافة لموقعه بالغ التميز و حجمه المفرط في الضخامة و عمارته المتفردة تفرض علينا التوقف عنده كثيراً. الواضح أن طبيعة استخداماته و الخدمات التي يقدمها بأريحية هي السبب المباشر في أبواب بوابة المركز المشرعة و المفتوحة على الدوام للجميع. موقعه المتفرد و عمارته المتميزة تدل على قيمة سامية أساسها الاهتمام الخاص بضيوف المركز شبه الدائمين و العابرين. يرتفع تقديرنا لشيوخ الطريقة عند مقارنة مبنى التكية بمبنى أخر في المركز يديرون منه شئون الجماعة. بالرغم من رصانة عمارته إلا أنها لا ترتقي معمارياً لمبنى التكية. الذي يبدو من أول وهلة لكأنه مخصص للشخصيات المهمة التي يشار إليها باللغة الإنجليزية بال (في أي بي). بالرغم من أن هذا المبنى مبذول للجميع إلا أنى لم ألاحظ عند مدخله نقطة تحكم واضحة للعيان تنظم الدخول إليه. بناءَ على ما أشرنا إليه هنا عن هذا المبنى نجد أنفسنا أمام موقف يجسد حالة وردت في الآية الكريمة عن الذين يؤثرون على أنفسهم و لو كانت بهم خصاصة. إشارة لشيوخ الطريقة الذين خصصوا هذا المبنى بالغ التميز لشريحة من المريدين البسطاء و لعابر السبيل. 

كما سبق أن أشرنا من قبل فأن كافة مكونات و ملامح عمارة التكية تؤحى بأن المبنى مخصص لأناس في غاية الأهمية. الذين يعتبرهم شيوخ الطريقة بالرغم من بساطة مقامهم بمقاييس أهل العاصمة بأنهم مهمين للغاية. من المظاهر التي توحى بأهمية المقيمين هناك إحاطة المبنى الرئيس المكون من طابقين برواقات أو برندات عميقة من الناحية الشمالية و الجنوبية. الشمالية منها تتمتع بإطلالة ساحرة على النيل الأزرق الجاثي تحت أقدام الموقع. ملامح تصميمية لن تجدها إلا في القصور. المبنى محاط في الجهتين بمساحات رحبة أمامه. مع أن أرضيتها ليست مرصوفة إلا أن مجرد وجودها في ذلك المكان يعتبر من مظاهر الترف. الناحية الشمالية المطلة على النهر تعوضها عن مواد الرصف الفخم بعض عناصر الطبيعة الخضراء التي تغازل واجهاتها. في رحلاتي للموقع و تطوافي حول مبنى التكية كانت تطربني موسيقى تصويرية من واقع الطبيعة البكر من حولي. هديل اليمام على الأيك الذي تتجاوب معه أصوات المعيز المتحلقة بالمكان. سيمفونية من صنع الطبيعة و مؤثرات صوتية هي بلا شك تطرب كثيراً من هم في التكية من واقع خلفيتهم الريفية. تحملهم مع رائحة (الدعاش) و تسافر بهم في الخيال إلى ربوع أهلهم في أنحاء الجزيرة المروية.

مبنى التكية بكافة مكوناته و تفاصيله يتجمل بمقومات الفخامة بمقاييس ذلك الزمان الذي شيدت فيه قبل قرابة القرن من الزمان. الذي أبدع فيه الشريف يوسف الهندي إيما إبداع من خلال تصاميمه المبتكرة المتكئة على منابع تراثية. تحت إشراف و متابعة لصيقة منه في كل مراحل تشييد المبنى. لينتصب شامخاً مزهواَ بنفسه لكأنه يريد أن يتحدى مبنى كلية غردون التذكارية. الذي شيدته سلطات الاحتلال قبله ببضع عقود من الزمان على نفس ضفاف النهر. تنهض العمارة هنا محمولة على أجنحة ركائز مبالغ في أحجامها تكاد تسد أفق ذلك الموقع البكر. الواجهات الضخام متشحة تماماً بطوب السدابة الأنيق الرزين في مجاراة لعمارة كلية غردون. بدون ما استسلام تام لطرازاتهم أو ارتماء في أحضانها. حَمل المعماري كتل السدابة و أعاد صياغتها بنفس كلاسيكي بائن. مارس هنا قدراً كبيراً من الارتجال البناءَ بمفهوم ما يشير إليه المسرحيون بالخروج من النص لمصلحة النص. الجُرأة في الارتجال هنا لم تأتى من فراغ. فقد علمت أن الشريف كثيراً ما كان يرتاد بلاد الحجاز خلال زياراته لبيت الله الحرام. في زمان كانت تلك الديار تزخر بروائع عمارة كلاسيكية متفردة أنتجت في إطار تمدد الإمبراطورية العثمانية هناك. اختزن الشريف في ذاكرته البصرية ملامح من عمارتها التي نزل بعضاً منها برداً و سلاماً على محيا مبنى التكية. تَمرد الشريف هنا على عمارة البريطانيين الكلاسيكية جاء في اتساق مع مواقفه السياسية. الذي درج فيها على تحدى المحتل في إطار مسيرة نضاله الوطني المستميت.

ملاحظة أخرى مهمة عن عمارة التكية. يبدو أن الشريف انتبه لطبيعة المبنى السكنية و نوعية الشريحة المستهدفة من البسطاء ذوي الخلفية الريفية. فأراد أن يخفف من تلك النبرة الكلاسيكية السلطوية الطاغية. فنثر عناصر جمالية صغيرة في أرجاء المبنى أضفت على محياه أجواء رومانسية و زخات من الحميمية. لجاء في البدء لطوب السدابة نفسه ففجر فيه ينابيع الجمال. تفاصيل مدهشة تلاعب فيها بوحدات بارزة من الطوب موزعة بعناية فائقة. تغازل أشعة شمسنا المدارية في غدوها و رواحها. تتأملها فتبدو كغمازات، أي (نونات) تضئ وجه حسناء وضاحة المحيا مشرقة الملامح.  لجاء إلى حيلة أخرى استخدم فيها وحدات من الطوب فائقة الحرق سوداء اللون. خلق منها تشكيلات مدهشة نشرت مزيداً من الحيوية على الواجهات. لم يكتف بالعناصر الطوبية إذ وظف أيضاً بذكاء و حنكة و حساسية فائقة ومضات من خامات أخرى. فعل بعناصر صغيرة معدنية و خشبية العجب العجاب. منمنمات طعم بها وحدات النوافذ و الأبواب التي أضفت حيوية بازخة على واجهات المبنى و رواقاته الداخلية. منحت تلك التفاصيل المدهشة العمارة أبعاداً غير مسبوقة. نما إلى علمي أن الشريف هو الذي صممها و أشرف بدأب شديد بنفسه على تنزيلها إلى ارض الواقع. من مظاهر عبقرية هذا العمل المعماري أن أجواء الحميمية و الدفء الإنساني المتدفق لم تنتقص كثيراً من روح الفخامة و التميز. نجح الشريف هنا إلى حد بعيد في التعامل مع جوانب تبدو متناقضة مشكلة معادلة بالغة التعقيد.

يختلف المشهد تماماً في الجزء الجنوبي من الموقع عن الجانب الشمالي حيث تنهض التكية على ضفة النهر. هناك تباين واضح من حيث المكونات و الأنشطة و الأهمية و الإشعاع الروحي المنبعث منه. هذا الجزء عبارة عن مجمع مترامي الأطراف قائم بذاته شبه منفصل. مسور و يكون الدخول إليه عبر بوابة ضخمة كلاسيكية السمات لكنها إلى حد ما تقليدية الملامح. وجودها رمزي إذ أنها قل إن تغلق. لأنها تقود إلى المسجد حيث يؤدى فيه المقيمون في التكية صلواتهم. و يعبره الأحباب و المريدون من خارج المركز يهرعون إليه في شوق. متلهفين للانضمام لأقرانهم لإحياء ليالي الذكر و المديح في الساحة الداخلية. تفضي البوابة الإثارية الملامح إلى ساحة ليست بكبيرة محاطة بأهم ثلاثة مباني في المركز. تحيط به إحاطة السوار بالمعصم و منها تستمد تعاليم الدين الحنيف و قيم أجوائه الروحية. المسجد و الضريح الصغير مكتمل الأناقة. بالإضافة لمبنى ثالث متعدد الأغراض التي تمنحه درجة عالية من الأهمية المقترنة بأجواء من القدسية. تشكل هذه المباني الثلاثة مثلث يؤسس لعقيدة و فكر و مفاهيم الطريقة. تتكامل أدوار أنشطتها لتصنع عالم هذه المجموعة من الناس التي التقت على قلب رجل واحد كان يمثله دائماً شيخ الطريقة على مدى العصور.

يحيرني جداً امر هذا المجمع في أكثر من جانب من جوانبه. فبالرغم من أهمية الساحة الصغيرة التي تكتسبها من الثلاثة مباني المهمة المحيطة بها هي غير مرصوفة بواحد من أنواع من البلاط الفخم. إلا إذا اعتبرنا طبقة الرمل النظيفة المتجددة المفروشة هنا هي مادة الرصف. لاحظت إنها هي الخيار في أغلب أضرحة المناطق الريفية مهما علا شأنها. كانت و أظنها لا زالت تكتسب ميزة خاصة في مثل تلك المجتمعات نسبة لما تكتسبه من بركة من ساكن الضريح. في حالات عديدة تجد بعضهم يحمل معه منه حفنة للتبرك بها. أعتبر وجودها في هذه الساحة واحداً من دلالات الزهد الذي يتحصن به و يراهن عليه أهل هذه الطريقة الصوفية المتفردة. ثمة ملاحظة أخرى مهمة عن عمارة الثلاثة مباني الرئيسة المحيطة بالساحة. هناك تباين واضح بين طرازاتها. يمكن أن نجد بعض المبررات المقنعة لهذه الظاهرة لعل من أهمها اختلاف تاريخ و حقب تشييدها. بالإضافة بالطبع لدرجة الأهمية و الدوافع من تشييدها. نحتاج هنا لإلقاء الضوء و التعرف عن قرب على كل واحد منها.  حتى يتسنى لنا استكشاف المضامين العميقة التي تكتنزها. لكي نستوعب بعمق من خلال تلك العملية القيمة السامية للساحة الوسطية التي تضجع على بساط من الرمال النظيفة المتجددة.

نتناول تلك المباني الثلاثة بالترتيب مبتدئين بالتي كنت هي الأولى تاريخياً في هذا السياق و السباق.  ذلك المبنى الكبير أو المجمع متعدد الأغراض الذي ينهض على الجانب الغربي من الساحة. ملامحه العامة و سماته المعمارية المميزة تشير إلى أنه شيد في العقود الأولى من القرن الماضي. يشهد على ذلك طراز الرواقات أو البرندات العميقة التي تتصدرها فتحات متوجه بعقدات أو أقواس نصف دائرية الشكل. قام بتصميم المبنى و أشرف على تنفيذه كما كان سائداً في تلك الحقبة الشريف يوسف الهندي. يتكون المجمع من عدة مكونات متنوعة في درجة انفتاحها و نوعية نشاطاتها. تتنوع من مصطبة رحبة مفتوحة للسماء خلفها رواق ممتد على شكل حرف يو الإنجليزي. إلى صالون فخيم تقع خلفه عدة صالات و حجرات أقل مساحة. هذا التنوع المدهش يسمح بتعدد الأنشطة و الاستخدامات مما يمنح المبنى أهمية فائقة و قيمة عالية جداً. يمكن أن نعتبره المحرك لكافة نشاطات المركز. فالمصطبة الرحبة التي تتصدره يتمدد في أرضيتها بسخاء البلاط الحبشي الشبيه برقعة الشطرنج و يحفها سياج منخفض. تهب نفسها بأريحية لحلقات التلاوة و جلسات الدارسة. حضورها الناهض أمام الساحة يعزز من تلك القيمة. الرواقات الملتفة خلفها تخدم أغراض شبيه. المصطبة و تلك الرواقات تمهد الطريق لقاعة الاستقبال المهيبة. التي كان يستقبل فيها الشريف يوسف الهندي و من بعده خلفائه و يحتفون بضيوفهم المهمين الأماجد. مساحتها الرحبة بيضاوية الخارطة مفروشة بأفخم أنواع السجاد و مزودة بأثاثات فاخرة كلاسيكية الطابع. الجزء الداخلي من المجمع يضم أهم المكونات. صالة عبارة عن متحف تتوفر على نفائس من المقتنيات التاريخية من سيوف و وثائق فائقة القيمة. سدرة المنتهى هي الجزء الداخلي في العمق الخاص بشيخ الطريقة. المعد للدراسة و التأمل و كخلوة ينقطع فيها للعبادة. كما ذكرت من قبل مكونات هذا المجمع من واقع تنوع و أهمية نشاطاتها تجعله أشبه بما يعرف عندنا ب (الدينامو). المحرك الذي يمنح هذا المركز قيمته السامية باعتباره مصدر إشعاع لكافة أتباع الطريقة.

مبنى الضريح بعمارته الأخاذة هو ا لجوهرة التي تسطع في المشهد المعماري في الجزء الجنوبي من المركز. يقع جنوب الساحة الوسطية و مواجه للبوابة التي تفضي لهذا الجزء من المركز. منظره المتميز هو أول ما يشاهده المرء عندما يعبر تلك البوابة. حضوره الساطع يهيمن على المشهد بالرغم من صغر حجمه النسبي إذ لا يتجاوز طول جانبه الستة أمتار. سر سحره هو بساطة معالجته الخارجية التي تتزين ببضع تفاصيل صغيرة مصممة بعناية فائقة تبرق هنا وهناك. يغلب على منظومته اللونية الخارجية اللون (البيج). مع لمسات من اللون الأخضر الفاتح و الغامق الذي يكسو قبته الكبرى. محدودية الألوان ساهمت كثيراً في إضفاء أجواء من البساطة المحببة على العمارة هنا.

كما هو معتاد و متفق عليه في تصميم مباني الأضرحة جسمه الأساسي هنا أقرب للشكل المكعب. تعلوه و تتوجه قبة خضراء كبيرة تحف بها قباب صغيرة في الأركان. تحرس أركان المكعب الرئيس أعمدة صغيرة بالغة الرشاقة منمنمة دقيقة الملامح.  تتصدر و تتوسط كل واحد من واجهاته الأربعة وحدة صغيرة بديعة التصميم مدهشة التفاصيل يتوجها عقد أو قوس. يحتل مدخل مبنى الضريح واحد منها مواجه للبوابة التي تفضي للجزء الجنوبي من المركز. بالرغم من أن الشريف يوسف الهندي لم يتلق تعليماً نظامياً في العمارة إلا انه أنتج هنا عملاً معمارياً بالغ التميز. تعامل مع تراث العمارة الإسلامية بدرجة مقدرة من الارتجال الحميد المحبذ المؤسس على طاقة إبداعية عالية. فالعمارة هنا تنضح بنفس كلاسيكي لا يخلو من روح حداثة. لكأنه كان يستبق الزمن فيؤرخ لتلك الحقبة التاريخية المفصلية في الغرب الأوربي في منتصف القرن الماضي. التي بدأت فيها العمارة هناك تتحرر تدريجياً و تخرج من عباءة الكلاسيكية لتغازل الحداثة.

منح مبنى الضريح مجمل عمارة هذا الجزء من مركز الطريقة الهندية قيمة إضافية مقدرة. مفهوم ضمناً قيمة مثل هذا المباني في مجمعات الطرق الصوفية. حالة قبة المهدى في امدرمان تقدم لنا عدة شواهد و أروع الأمثلة. شيدها أول مرة خليفة المهدى عبد الله التعايشي لتضم رفات الإمام محمد أحمد المهدى. في ظروف بالغة التعقيد في خواتيم القرن التاسع عشر. فأضاءت سماء عاصمته امدرمان و شكلت ثلاثي بديع مع الجامع المفتوح الذي حمل اسمه و مجمع داره و مكتبه المجاور له. نسبة لرمزيتها العالية استهدفتها لاحقاً مدافع قوات الحكم الثنائي الغازية فدمرت أجزاء منها. سعى السيد عبد رحمن لاحقاً بذكائه الماكر في إقناعهم بضرورة صيانتها و إعادتها لحالتها الأولى. نجح في ذلك المسعى فرممها و قدمها بفضل مجهوداته المقدرة المستمرة في أبهى حلة. مكانتها وقيمتها السامية عند كيان الأنصار جعلت مجمعها المتميز مصدر نزاع بين قياداتهم المتنازعة في زمان لاحق. ظفر به جناح منهم مناوى لزعيمهم السيد الصادق المهدى و جماعته مما ذهب بهم بعيداً عن ساحتها. فاضطروا لممارسة نشاطهم الطائفي السياسي في موقع قصي أقل تميزاً بحي ود نباوي الأمدرماني.

الضلع الثالث في منظومة المباني الرئيسة المحيطة بالساحة الصغيرة في الجزء الجنوبي من مركز الطريق الهندية هو مبنى المسجد. شيد على الجانب الشرقي من الساحة في سبعينيات القرن الماضي. بمجهودات مقدرة من على البعد من الشهيد البطل المغوار الشريف حسين الهندي. الذي كان في منفاه في الغرب الأوربي واحداً من أهم ركائز حركة معارضة حكم نميري الجاير. من هناك ساهم بشكل مؤثر في تشييد المسجد في ظروف بالغة التعقيد و حصار مستحكم على الطريقة و حزبها. فجاء المبنى متواضع الهيئة بالمقارنة بالمباني المجاورة له بالرغم من علو مقامه الديني. فاقم من وضعه أن العمارة هنا سلكت طرازياً طريق الحداثة الذي كان زمانئذ في السبعينيات يتحسس طريقه بشكل متعثر. أحسب أنه ما زال يعاني من تلك الحالة. صَعب العملية على المصمم أكثر أن المسجد قريب جداً و متكاتف مع مبنى الضريح مدهش العمارة. الذي لم يجعل المقارنة هنا في صالحه. جاء العمل في النهاية فطيراً بالرغم من محاولات يائسة ساذجة لإلباسه رداء العمارة الإسلامية. كان الإمكان تدارك الموقف إلى حد ما من خلال مبنى المئذنة التي ساهمت بقدر معقول في الارتقاء بمستوى هذا العمل. كان يمكن أن تنهض به بشكل مقدر لو أن المصمم اتخذ على نحو ما من عمارة مبنى الضريح المجاور له مصدر إلهام. لو أنه فعل ذلك لعزز من الإطار المعماري الذي يحيط بالساحة من جانبيها الجنوبي و الشرقي في عملية تماهى سلسلة.

الفعاليات المتعددة و التفاعل المحتشد بالمشاعر الروحانية الجياشة في المباني المحيطة بالساحة الوسطية هو الذي يصنع دراما الأحداث في باحتها. التي تتلقى دعماً إضافياً مؤثراً ليس ببعيد المصدر. من موقع جانبي مجاور للمركز يطل شيخ الطريقة من وقت إلى أخر من مجمع مسكنه المجاور لبيوت أهله و مريديه. متواصلاً مع أهل الطريقة و مشاركاً في العديد من نشاطاتهم و فعالياتهم المتنوعة. متصدراً الأحداث أحيناً و مساهماً أصيلا في الليالي الدينية التي تصطخب بها أرجاء الساحة. من أماكن قريبة منها تمتد جسوراً أرضية تدعم طاقة المنهمكين بهمة عالية في لياليها و تبعث النشاط في أوصالهم. يصلهم مدد متصل من أقداح الشاي (المنعنع) المعزز بقطع الزلابية أو (اللقيمات) من حجرة بجوار الساحة. من أماكن أبعد قليلاً من مطبخ التكية تتوافد عليهم أطباق كبيرة عامرة بال (الفتة) الساخنة. أعدها لهم شباب الطريقة المقيمين هناك الذين يكملون جميلهم بخدمة المحتشدين في الساحة. مثل هذه الخدمات التي يقدمونها بأريحية فائقة تنسج خيوط التأخي بين أهل الطريقة و تساهم بشكل فعال في تواصل الأجيال. تلك اللقاءات التلقائية الحميمة التي تجمع أطراف و أطياف أهل الطريقة جماهيرية شعبية الطابع. تعكس الروح السائدة بينهم التي تميزهم عن العديد من الطرق الصوفية الأخرى التي يعيش زعمائها في أبراج عاجية.

البروفيسور مشارك دكتور معماري/ هاشم خليفة محجوب

امدرمان- أبريل 2020

Comment 1

  1. شكرا يا دكتور علي التوثيق … لكن هناك بعد الأخطاء البسيطه مثل مبني الضريح اسس بعد وفاه الشريف يوسف أنشأه ابنه الشريف عبدالرحمن الهندي وهو الخليفه الاول بعد وفاه والده بناه تخليدا لذكري والده الشريف يوسف الهندي .. وكذلك المسجد بناه الشريف عبدالرحمن عند وفاته كان المسجد قد اكتمل ماعدا بعض التشطيبات واكملها أخاه الشريف ابراهيم الهندي الخليفه الذي اتي بعده …
    وكذلك اختيار الشريف يوسف لضاحيه بري كموقع للمسيد ذلك يرجع لأن الانجليزي أجبروا الشريف يوسف علي العيش فيها وحددت له داءره معينه يستطيع الحركه فيها

    Reply

Leave a Reply

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d bloggers like this: