fbpx
+249 90 003 5647 drarchhashim@hotmail.com

تحديق في عمارة خيمة البجا بمجهر فلسفة هايدقر

أشكر الله أن ساقتني أقداره للتحضير لدرجة الدكتوراه في كلية الدراسات المجتمعية بجامعة إدنبرا في بريطانيا في فترة الثمانينيات. التي احتلت المرتبة الثانية حقبتئذٍ بعد جامعتي أكسفورد و كمبردج. تحت إشراف عبقري زمانه البروفيسور كرستوفر بارى ويلسون. الذي قادته عبقريته من ضفاف الفيزياء في بحر العمارة ليعبر لشاطئها الأخر يحط رحله في فضاءات فلسفية واسعة الأفق. مرفرفاً فيها ليصبح رقماً متميزاَ في كافة أرجاء العالم الغربي ٍ. أفاض بعلمه البازخ و روحه المشبعة بالأحاسيس الإنسانية على طلاب الدراسات العليا. الذين جذبهم إليه صيته الذائع فتوافدوا إليه من أركان الدنيا. فضمهم بشغف شديد و رغبة عارمة نابعة من اهتماماته الفائقة بتجارب حضاراتهم المحلية. التي استدرجته للتعرف على عوالمهم الضاربة في القدم عميقة الجذور.

كان من حسن حظي أن كنت واحد من تلك الزمرة المحظوظة من الشباب. انضممت إليهم تحدوني أمال عراض و فكر مشتت تتجاذبه حالتان على طرفي نقيض. أساس واحد منها عملية التعميد المكثفة التي تعرضُت لها خلال دراستي للعمارة في جامعة الخرطوم. التي أرضعتني مناهجها جرعات مكثفة من فكر عمارة الحداثة علماني الأساس. فصرت مشبع به مما دفعني للمضي قدما للتعرف بعمق على خبايا عوالمه و أنا في عقر دارها. كان سبب انجذابي و ارتمائي في حضن الحالة الثانية تجربة معماري مصري وقع في غرام عمارة تقليدية لمجموعة قبلية من أهل بلاده. افتتن بالعمارة النوبية التقليدية التي أسرته تماما فسعي باجتهاد بالغ و تعمق لدراسة كافة تفاصيلها. تشبع بروحها فاستلهمها في عمل متكامل قريتين في صعيد مصر. أحدث ضجة تجاوز مداها حدود بلاده لأركان بعيدة. جذبتي فصرت مفتتن بها لأعلى الدرجات. بشكل ولد في رغبة ملحة لتوجيه بحثي لحالة فرع تلك القبيلة في شمال بلادنا. الذين تعرضوا لتجربة مأساوية جديرة بالدراسة. تلك المعطيات و اهتماماتي مزدوجة التوجه جعلتني مشتت الفكر في بداية فترة عملي في رسالة الدكتوراه. متنازع بين عالمين على طرفي نقيض.

عند بداية دراستي بقسم العمارة في تلك الكلية لم تكن الأجواء في العالم الغربي في صالح خيار موضوعي الأول لدراسة الدكتوراه. إذ كان فكر الحداثة و ما نتج عنه من عمارة يعيش بوادر أزمة شبيه بحالة الخروج من شهر عسل طويل. عاشها بعد فترة غرام رومانسية أرخَت لها بشكل تصاعدي العقود الأولى من القرن العشرين لتصل لذروتها في منتصفه. بداء بعدها خط رسمه البياني في الهبوط بشكل تدريجي حتى وصل في السبعينيات لمرحلة حرجة. ظهرت في البدء في شكل تململ و تذمر. ليتصاعد لاحقاً لدرجة وصلت لهدم العديد من المباني المهمة الكبيرة في أنحاء أوربا التي حملت بصمات ذلك الطراز. قَرعت هذ المستجدات أجراس الخطر في بلادهم. فشكلت أرضية صلبة لحركة نشطة اجتهدت في النظر بجدية لهذه الأزمة المستفحلة. كان من المنطقي أن يبدأ بالبحث الجاد بالنظر في جذور المشكلة. في القاعدة الفكرية التي أوصلت تلك العمارة عبر إطارها الفكري لما ألت إليه من مصير محتوم. من البديهي في هذه الحالة أن يجتهد المجتهدون في البحث عن بدائل لإخراجها من هذا النفق المظلم.

انضممت محمل بالآمال و الأشواق لمجموعة من الدارسين هم خيار من خيار يمثلون أميز المتوفقين من بلدانهم. تم اختيارهم للدراسة بالقسم الذائع الصيت بناءً على معايير صارمة. توافدوا من بلاد متعددة فجئت أنا من السودان في معيتي دارسين من غانا و اليابان و المكسيك و بلاد أخرى. تمدد التنوع ليشمل مجالات الدراسة الذي ارتكزت عليها بحوثهم. أتيت أنا في جعبتي حالة عمارة النوبيين التقليدية. فيما استصحب زميلنا من غانا نموذج قري قبيلة الدوقون مدهشة التخطيط و العمارة. أما زميلنا الياباني فوجد ضالته في حالة معابد القرن الثالث عشر في بلادهم العريقة. إلى أخر قائمة الحالات الدراسية المتباينة في نوعيتها و خلفيتها التي ولدت و ترعرعت فيها. يضاف إلى هذا التباين الواضح عامل مؤثر للغاية يمثل حجر الزاوية و أساس عمل كل حالة ارتكزت عليها تلك البحوث. فبعض الدارسين اتبع النهج الفلسفي. فيما سلك البعض الأخر دروب في مجالات أخرى مثل الأنثروبولوجيا و الدراسات المجتمعية. المدهش أن هذا التنوع في كافة الجوانب وحد بينه هدف أساسي نابع من قضية ملحة. كان محورها ظاهرة فشل فكر و نهج عمارة الحداثة الذي أوصلها لذلك النفق المظلم حاملة معها إخفاقاتها المتراكمة. أدهش بحق لاهتمام ذلك العالم الغربي بقضية كنا نحن في العالم الثالث الأكثر تأثراً بها و تضرراً منها. نتيجة لتبنى توجه من صنعهم لم يراعي خصوصية مجتمعاتنا. يبدو أنه اهتمام نابع من الشعور بالذنب.  

كانت حالي في بداية مرحلة دراستي لا يسر عدو أو صليح. وجدت نفسي وسط بحر متلاطم يموج بالرؤي الفكرية الفلسفية و أنا أشبه بالأطرش في الزفة. الذي يجد نفسه محاطاً بمجموعة من الراقصين يتأرجحون بهمة عالية و مزاج على صوت الطبول و الدفوف و الصاجات. التي لا تستجيب و تتفاعل معها قواقع أذنيه معطلة الإحساس. لأدفع ثمناً باهظاً مع أنى درست العمارة في بلدي مرتين. لم تنعم على مقررات واحد منها بما يعرفني و يطوف بي في فضاءات الدراسات الإنسانية. التي أدركت لأحقاً بأنها قوية الصلة عميقة الأثر على علوم العمارة.  نحن نجتر مقررات وضعها عند تأسيس قسم العمارة في جامعة الخرطوم في الخمسينيات أساتذة بريطانيين. في زمان كان فكر و نهج الحداثة هو الأوحد. كان أيضاً متسق تماماً مع أهدافهم غير المعلنة. من المحير حقاً أن نبقى نحن في نفس ذلك الحال بعد أكثر من نصف قرن من استقلالنا نجتر نفس تلك المقررات. بالرغم من كل تلك المستجدات العالمية التي تدعوا لمراجعات أساسية في مناهج تعليم العمارة. سأعود لهذا الموضوع لاحقاً بشي من التفصيل.

كان همي الأول عند بداية دراستي بعد أن اكتشفت مقدار جهلي بكل تلك الجوانب الأساسية أن أجتهد لكي أسد ذلك النقص المعيب. فسعيت جاهداً لكي أتعرف على مداخل عالم الدراسات الإنسانية. تحركت في عدد من الاتجاهات فاكتسبت معرفة مقدرة عن أساسيات عدة مجالات مهمة منها. مثل علم النفس و العلوم المجتمعية و الأنثروبولوجيا. التي اكتشفت لأحقاً قيمتها العالية مجتمعة في التعامل مع حالاتي الدراسية في كل مراحل عملي. اهتمامي الأكبر نتيجة لجهد مقدر من مشرفي انصب على مجال الفلسفة. التي تعتبر حسب معاييرهم أساس تلك العلوم و التخصصات. قرأت و تبحرت فيها ففوجئت بأني أمام عالم مذهل يكاد يكون بلا شطأن. فخرجت منها بمغنم مهم فرش لي الطريق بالورود و الرياحين. حققته عبر مدخل مهم منها استطاع أن يعبر بي من فضاءاتها الممعنة في التجريد و المفاهيم النظرية. لينزل بي إلى أرض الواقع فيلامس عالم العمارة. طوال تلك المرحلة الأولية سعدت للغاية و استفدت كثيراً و أنا أحلق بين فضاءات العلوم الإنسانية و براحات الدراسات الفلسفية. سعادتي الكبرى كانت لاحقاً في المؤامة بينها في عملية شراكة ذكية. صنعت نجاحي الذي حققته في النهاية السعيدة بالحصول على درجة الدكتوراه بجدارة. إذ قوبلت بإعجاب فائق من العالم التحرير الذي امتحتنني هو من أكبر اختصاصي العمارة المحلية التقليدية في بلادهم. إذ أجازها بدون أي تعديل أو إضافة.

نَزلت على معرفتي بأساسيات تلك الحزمة من العلوم الإنسانية برداً و سلاماً. منذ بداية عملي البحثي في رسالة الدكتوراه حتى مرحلة نهايتها السعيدة. لا زالت حتى الأن تنير لي الطريق. في دربي الذي نذرته لبحث دؤوب استكشف فيه كافة جوانب العمارة معطياً الأسبقية لحالة بلادي. في البدء أعانتني بشكل كثيف معمق في التعامل مع الحالات الدراسية التي شكلت جوهر عملي في تلك الرسالة. فأنارت لي الطريق في التعامل مع كل مراحلها. متنقلاً برشاقة بين حالة النوبيين على ضفاف النهر في شمال بلادي. إلى عوالم قبيلتي البجا و الرشايدة الرحل الهائمين في وديان و سهول مواطنهم في شرقنا الحبيب. جَعَلت رحلتي في عوالمهم المدهشة متعة قبل أن تكون مغنماً يحثياً. استكشاف أسرار تراثهم و حياتهم ثرية الجوانب قدم لي دروساً عالية القيمة. رَسخت في ذهني كل الذي اكتسبته من معرفة خلال سياحتي و اطلاعي على جوانب معارف الدراسات الإنسانية.

مغنمي الأكبر كان في توجه نشاء و ترعرع في حضن مجال الفلسفة. لكنه انتشر لاحقاً ليجد له موطئي قدم في عدد من المجالات الإبداعية. كانت العمارة بمضامينها الفكرية على راس القائمة فقدم لي في هذا الإطار خدمة لا تقدر بثمن. إذ ساعدني في لململة أطراف كل ما حصدته خلال بحثي في رحاب تلك العلوم الإنسانية. كان التوجه الفلسفي الذي تبنيته منافساً في ساحات عمل زملائي الباحثين لتوجه أخر. وجدنا ضالتنا فيهما نحن نبحث بهمة عالية عن مخرج من مأزق فكر عمارة الحداثة. كان هذان التوجهان خلال حقبة الثمانينيات يتصدران الساحة الفلسفية في رحاب مجال البحوث المعمارية. عرف الأول باللغة العربية باسم البنيوية ترجمة لاسمه باللغة الإنجليزية و هو structuralism. عرف الثاني باللغة العربية باسم الظاهرية ترجمة لأسمه بالإنجليزية هو phenomenology. وجد كلا التوجهين قبولا و إقبالاً واسعا لشريحة كبيرة من الباحثين في عدد من المجالات الإبداعية. كانت العمارة في قلب الحدث الذي صرت أنا جزءً منه.

شعبية كلا التوجهين بالنسبة للمعماريين كانت ناتجة عن تعاملهم بعمق مع قضايا إنسانية جوهرية في مجالهم. اخترت أنا طريق الظاهرية لعدة أسباب موضوعية سآتي على ذكرها لاحقاَ. مؤسسها هو الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر الذي ولد في عام 1898 و توفى في عام 1976. جذبتني و استدرجتني عدة عوامل لتوجهاته الفلسفية التي كانت في بدايتها عصية جداً على الفهم. بالذات بالنسبة لوافد لمجال الفلسفة من خارج إطارها مثل حالتي. خرج هايدغر لاحقاً في مسيرته من تلك الدائرة فخطأ خطوات خارج إطارها. متناولاً قضايا لامست الشأن المعماري من طرف خفي. ضمن بعضها في أجزاء من كتابة الشهير Poetry. Language Thoughtعنوانه باللغة العربية- الشعر و اللغة و الفكر. علماً بأن كلمة الشعر هنا لها بالنسبة له معاني فلسفية عميقة هي واحدة من أساسيات فكره المتفرد. عالج من خلال تلك الأجزاء قضايا بالغة الأهمية بالنسبة لنا. مثل ماهية الأشياء و جوهر العمل الفني. هما بالطبع من أهم القضايا التي يقترض أن تشغل بال أي معماري يتعامل مع مجاله بعمق و روح مسئولية عالية. هذا الإحساس هو الذي جدبني لفلسفته و مفاهيمه المشبعة بالدفق الإنساني. التي تشربت بها و غمرت وجداني لدرجة جعلتني أشير إليها في عنوان هذه المقالة.

المعماري الفيلسوف المفكر العبقري النرويجي كريستوفر نوربيرغ- شولز وهو الذي عرفني في البدء و استدرجني لعالم فلسفة هايدغر. هو الذي سلط الضوء عليها و انزلها لأرض الواقع المعماري.  جسر تلك المسافة فعبر بها من حيث توقف هايدغر بملامسته لها من خلال تعريفه لماهية الشي و العمل الفني. ليضعها في قلب الحدث متعاملاً مع العمارة بكافة مستوياتها. من أعلى واحد في الإطار الجغرافي لأصغرها داخل المبني. طارحاً أفكاره ومرثياته النيرة المضيئة في عدة مؤلفات بالغة الأهمية و الأثر. سطعت في البدء في عقد السبعينيات لتتدفق بعد ذلك لعقدين من الزمان. شكل كل واحد منها محطة فارقة في مسيرة الفكر المعماري. تماماً كما كان يفعل شيخه كان محور أرائه و مؤلفاته ظاهرة وجود الإنسان بكل ما تحمل من معاني. مرتكزاً على نهجه الذي صُنف بأنه وجودي الهوى. بالرغم من هذا التصنيف جاءت فلسفته في هذا الإطار العريض إيمانية النزعة. مختلفة عن توجهات أخرى إلحادية التوجه ظهرت تحت مظلة هذه الفلسفة.

شكل كل واحد من كتب نوربيرغ- شولز محطة مهمة في مسيرته النقدية الفكرية. تتباين في مواضيعها الأساسية. لكنها تتفق جميعاً في البحث و التأمل في قضية مركزية بالغة الأهمية. ارتكزت على فهم متقدم معمق مفعم بالإنسانية لفكرة الفضاء أي كان نوعه و مستواه. باعتباره تجسيد لحالة وجودية ذات خصوصية عالية. الذي اتخذه كمدخل أساسي للتعامل مع مجالات مثل التخطيط العمراني و العمارة ما شابههما من مجالات. صار ترسيخ هذه المفاهيم هدفه الأساسي. فقدمها و روج لها في العديد من كتبه التي تعامَلت معها من عدة زوايا. أروع ما كتب في هذا الإطار كتاب عنوانه باللغة الإنجليزية- Genius Loci: Towards a Phenomenology of Architecture. جاء الجزء الأول من العنوان باللغة اللاتينية لكأنه عجز عن أن يجد في اللغة الإنجليزية ما يعبر عنه بدقة و صدق. حاولت و اجتهدت في تَرجمة العنوان باللغة العربية مع بعض التصرف. هي تلك الأرواح التي تُطوف فوق الأشياء أي كان نوعها تخرسها تسعي لتقديمها في أبلغ صورها. عليه رأي نوبيرغ- شولز أن نتعامل مع العمارة من خلال مثل هذه الرؤي الفلسفية. التي قدمها من خلال دراسة فلسفية معمقة تبحث عن أساسيات العمارة من بين ثنايا فضاءاتها الرحبة. في بحث متصل عن معانيها السامية التي تعزز وجود الإنسان في كل زمان و مكان. في هذا السياق كرس واحد من فصول ذلك الكتاب توقف فيه عند حالة جزيرة توتي. التي تعرف عليها و عايشها في رحلة عمل في السودان. فسطر مقاطعاً متغزلاً في تخطيطها العفوي و عمارتها التقليدية مترعة الحميمية.    

أروع و اهم كتبه بالنسبة لي لأكثر من سبب قوى مقنع عنوانه Existence Space and. Architecture   ترجمتها باللغة العربية: الوجود و الفضاء و العمارة. لنفس الأسباب أَفترض أيضاً أن يكون الأكثر مقبولية بالنسبة لعموم المعماريين. الكتاب كما هو واضح من عنوانه يؤمن على الدور المؤثر للفضاء أي كان نوعه على حياة الناس و وجودهم بمعناه الأساسي العميق. يكرس جل فصوله لترسيخ هذا المفهوم مستعرضاً و مستشهداً بنماذج بالغة التنوع. من حضارات ضاربة في القدم و أخرى أقل قدماً و بعضاً منها من زماننا الحديث. مستدلاً بأمثلة من العواصم و الحضر و أخرى ريفية تقليدية. متنقلاً فيها من نماذج متمددة لمساحات شاسعة إلى أخرى محدودة المساحة بعضاً منها محصورة داخل المباني. مبيناً في كل تلك الحالات متباينة الأنواع العلاقة العضوية بين مواصفات الفضاء و تفاصيل حياة الناس التي تجسد سمات وجودهم المتفردة.

في هذا السياق و من خلال تفاصيل الحالات بالغة التنوع التي استعرضها يستخلص نوربيرغ- شولز و يخرج بفرضية أشبه بالنظرية. نشير إليه هنا بناءً على مسماه باللغة الإنجليزية و هو Existential Space بفضاء الوجود. الذي يتكون في كل حالة من عدة طبقات متمركزة أي متراكبة ذات مركز واحد. أكبرها يكون عادة على المستوي الإقليمي أو الجغرافي الكبير. ليضم داخله مستوي أقل قد يكون حضري النوع في مدينة ما. لينزل بعد ذلك لمستوي أقل جزء من هذه المدينة. نزولا لمستوى اقل أخر هو مبنيً داخلها. ثم أقل منه لمستوي مكون أو حجرة داخل المبنى. نزولاً لأقل مستوى هو جزء أو ركن داخل تلك الحجرة. تلك المنظومة بمكوناته و طبقاتها المتراكبة المتعددة المتمركزة تشكل مجمل فضاء الوجود لكل حالة من الحالات. تتباين و تختلف في درجة أهمية كل واحد منها. قد تختلف أيضاً في نوعية و طبيعة التفاعل بينها. تلك السمات مجتمعة هي نتيجة طبيعية لمجمل حياة الناس و ملامح وجودهم على الأرض. تعبر عنهم بصدق لهذا السبب أطلق نوربيرغ- شولز على هذه المنظومة اسم فضاء الوجود Existential space.

يبحث و يستشهد نوربيرغ- شولز في كتابه النفيس بنماذج حالات بالغة التنوع. من أزمنة ضاربة في القدم و أقل قدماً و أخري حديثة. بمجتمعات غاية في التحضر و أخري تقليدية مستعصمه بتراثها القديم. اِستشهد بها من خلال النظر في طبيعة فضاءات كل حالة على أساس فكرة فضاء الوجود الذي أتي بها. متدرجاً في كل حالة من الكبير الإقليمي إلى ما هو أقل مستوى و حجماً حتى يصل إلى أصغرها. متوقفاً في نفس ذلك السياق عند علاقتها مع بعضها البعض. الفكرة الأساسية هنا أن يوضح العلاقة العضوية بين خصائص فضاءات مجموعة كل حالة مع سمات مجتمعاتها. مشيراً إلى خصائص تعتبر مرتكزات بالغة الأهمية في حياتهم و أساس وجودهم في الأرض. من هنا استلهم فكرة و مسمي فضاء الوجود. أهم ما في هذا العمل هو الجهد الكبير التحليلي أو الاستقرائي الذي نجح فيه في استخلاص المعاني من تلك التكوينات الفراغية. مهتدياً بأفكار شيخه الفيلسوف مارتن هايدغر و جوهر فلسفته الظاهرية.

قدمت لي نظرية أو فرضية نوربيرغ- شولز المشار إليها هنا خدمة لا تقدر بثمن في بحثي للتحضير لدرجة الدكتوراه. أعانتني بشكل مقدر موثر في التعامل مع حالاته الدراسية الميدانية. التي مكنتني فكرة فضاء الوجود من التعامل معها بنهج منساب سلس. أعتقد بناءً على تجربتي الشخصية أنه نجح من خلال هذا الطرح في تقديم خدمة مقدرة للمعمارين الذين ليست لديهم خلفية فلسفية كافية. إذ نجح في تجسير الهوة بين مفاهيم هايدغر المعقدة المبهمة للمعماريين من أمثالي بإنزالها إلى أرض الواقع.  فجعلها مبسطة إلى حد كبير تخاطب المختصين في عدة مجالات بيئية. مثل التخطيط الإقليمي و الحضري و العمارة بشقيها الخارجي و الداخلي. نزولاً لمستوي التصميم الصناعي الذي ينتج أجزاء و أشياء أساسية داخل العمارة. أفكار و نظريات نوربيرغ- شولز جعلتني في النهاية في موقف جيد مرضٍ. مما مكنني من الجمع بين الحسنيين. جعلتني في موقف استطعت معه أن أرتكز بثقة على أرضية من أخر أفكار هايدغر. التي سأتناولها و أتعامل معها بثقة في الجزء الأخير من هذه المقالة.

بالرغم من كل ما أشرت إليه عن نوربيرغ- شولز إلا أن خاتمة مقالتي و خلاصتها سترتكز بشكل أساسي بعض أفكار هايدغر بالغة الأهمية. بالذات تلك التي ضمنها في كتابه- الشعر و اللغة و الفكر و تَوقفتُ عندها كثيراً و افتتنت بها. مما دعاني هنا لاستثمارها في التأمل في جوانب واحدة من الحالات الدراسية التي احتلت ركناً مهماً من أركان رسالة الدكتوراه. هي حالة مجوعة من قبيلة البجا المرتحلة في شرق السودان التي توقفت عندها كثيراً متغزلاً في مستوطناتهم المتنقلة. سأنظر إليها أتجول في أرجائها بعيون، أو بالأحرى كما أخترت عنوان هذه المقالة، بمجهر فلسفة هايدغر التي بلورها في ذلك الكتاب. الولوج لذلك العالم السحري يستدعي بالضرورة التعرف على أفكاره و مفاهيمه الرئيسة. المحلقة في عوالم ميثولوجيا حضارات ضاربة في القدم. استجار بها لمحاولة التصدي لتساؤلات جوهرية مؤرقة في عدة مجالات إبداعية كانت العمارة واحدة منها.

أهم الفصول التي جذبت انتباهي في ذلك السفر النفيس تلك التي تعاملت مع موضوعين مهمين للغاية و مركزين بالنسبة للشأن المعماري. يتعامل مع هذا الشأن مرة باعتباره مبني و واحد من الأشياء العديدة في حياتنا. يتعامل مع الشأن المعماري مرة باعتبار أن العمارة عمل فتي. من محاسن الصدف أن هايدغر أولي كلا هذين الأمرين كامل اهتمامه في ذلك السفر بالغ الأهمية. إذ خصص لهما فصلين فيه أفاض فأوفي و تناول الموضوع غي كلبهما من كل جوانبه و بعمق. نترجم عنوان الأول بماهية الشي و الثاني جوهر العمل الفني. الجميل في الأمر أن الطرح الذي قدمه في فصول كتابه سهل علي مهمتي. فحججه التي تتداعى في سلاسة تصلح للتعامل مع العمارة في كلا الحالتين. هو طرح يحتاج منا لوقفة تأمل لكي نستوعبه بعمق نحن في حضرة فلسفته المرفرفة في فضاءات الميثولوجيا الضاربة في القدم.

استجار هايدغر بمفاهيم ضاربة في عمق التاريخ. فاستلهم ملامح من نظام ديانات حضارة اليونان القديمة. التي كان ألههم الأعظم يفوض سلطاته لعدة ألهه و الآهات. كل واحد منها مختص بجانب مهم مؤثر من حياة الناس و مصيرهم في الأرض. أطلق العنان لخياله فرسم صورة شاملة تضم كل تلك الأطراف عمل على تحويرها بشكل يخدم أغراضه. في التعامل مع الجوانب التي أشرنا إليها من قبل- ماهية الأشياء و جوهر العمل الفني. الواضح أنه أعتبر منظومة الألة و الإلهات حزمة من القيم و الأعراف. التي يتوافق عليها مجموعة من الناس يعمرون الأرض في مكان ما. باعتبار أن طرفي هذه المعادلة الألة و البشر و مقرهم الأرض يخضعون جميعهم لسلطان الإلهة الأعظم القابع في السماء. في هذا السياق يعتبر لحظة التوافق التام بين البشر و ألهتهم حالة مهمة للغاية. تتجلي فيها كل الأشياء و تظهر في أصدق صورها. لحظة تسمو فيها الأرض بمن عليها من ناس فتكاد تلامس السماء مقر الاله الأعظم. يشير لتفاعل هذه الأطراف مجتمعة برقصة الأربعة. التي تشترك فيها الألهة والناس و السماء و الأرض. عندما يتم التوافق بين الطرفين الأوليين تلتحم الأرض بالسماء فتبرق كل الِأشياء و تلتمع فتظهر في كامل حقيقتها و ألقها. أي خلل في هذه العملية يفقد كل الأشياء قيمتها و تصبح حياة الناس بلا معنى.

حملت أفكار هايدغر بين جوانحي سعيداً جداً بمعانيها و مسمياتها الفضاضة التي تسمح بمساحة معقولة للحركة بحرية. فهرولت بها متوجهاً صوب حالاتي الدراسية التي أشرت إليها من قبل. مصطحباً معي في جعبتي حصيلة ما اغتنمته من ينابيع مجالات الدراسات الإنسانية. مستهدىً أيضاً بنظريات نوربيرغ- شولز التي كانت خير موجهه و معين لي. سأستثمر هذه الذخيرة المعرفية لأستعرض معكم بعض جوانب مستوطنات واحدة من مجموعات قبيلة البجا.  في إطار حياة الارتحال في موطنهم في شرق السودان. متنقلاً بكم من مكوناتها المتعددة المبعثرة في مواقعها في الوديان هناك. التوقف عند كل واحد منها يستدعي بالضرورة التأمل في العديد من جوانبها و سماتها. مما يعني أهمية التعمق في قيمها و معانيها المستبطنة. بالنظر إليها من خلال مفاهيم فضاء الوجود التي بلورها نوريرغ- شولز في كتابات تفيض إبداعاً. تَنكُب هذا الدرب يستدعى القيام بخطوات محددة. من أهمها استكشاف كافة طبقات و مستويات ذلك الفضاء الافتراضي. بداءً بأكبرها على مستوى الإقليم بكامله مروراً باخري وسيطة المستوي انتهاءً باصغرها داخل الخيمة. استكمال هذه الصورة يجب أن يسبقه استكشاف لطبيعة و نوعية العلاقة بين مستويات هذا الفضاء المتخيل. رحلة و سياحة سأصحبكم فيها متسلحاً بحصيلة معرفية ثرية عن هذه القبيلة. جنيتها عبر سنوات من البحث الدؤوب المعمق المؤسس على خلفية علمية في عدد من الدراسات الإنسانية.

تاريخ بدايات حياتهم في موطنهم ضارب جداً في القدم بشكل يصعب معه تحديده. في بلاد تزخر بواطنها بثروات معدنية نفيسة من أهمها الذهب. التي جعلتها مستهدفة من جهات غازية و أخري متوغلة منذ أماد بعيدة و حتى الأزمنة الحديثة. مما رسخ في نفوسهم الشكوك نحو كل غريب وافد. أحداث تاريخية تدعوا للاعتقاد بأنها أثرت على تركيبتهم النفسية. هناك أيضاً جانب مهم في حياتهم كان له أثر واضح على عدة جوانب من مستوطناته المتنقلة. إذ أنهم يعيشون في ظروف طبيعية قاسية يتطاول فيها موسم الجفاف. مما يشكل ضغوطاً كبيرة على اقتصادهم القائم على تربية الحيوان. جعل مجموعاتهم المرتحلة في حالة تنافس دائم محتدم على موارد الماء و الكلأ الشحيحة. الذي كثيراً ما يتطور لاحتكاكات عنيفة مخلفة أثاراً عميقة من العدائيات. بشكل جعلهم يعيشون دائماً في حالة ترقب و توجس حذر انعكس على العديد من جوانب حياتهم. من ضمنها سمات اتسمت بها مستوطناتهم المتنقلة على كافة مستوياتها. بداءَ باختيار مواقعها انتهاءً بتصميم خيمتهم الداخلي و أصغر تفاصيلها كما سنوضح لاحقاً.

العديد من الشواهد تشير لإصرار هؤلاء القوم على تجنب الغرباء. التي يحاولون تحقيقها بالاختباء و الاختفاء هم يجوبون البوادي و السهول. نلاحظ هذه الظاهرة نحن ننظر إليها على مستوي الإقليم ككل بمنظور فضاء الوجود الذي بلور فكرته نوربيرغ- شولز. ستجذب انتباهنا ظاهرة جديرة بالاهتمام. نجد خياراتهم في اختيار مواقع مستوطناتهم المتنقلة متشابه. إذ يفضلون دائماً المناطق النائية البعيدة عن الطرق المطروقة. نجدهم يختارون مواقع موحشة لا يفضلها غيرهم. أفضلها عندهم أيضاً الغابية أو الواقعة خلف الجبال التي تساعدهم على التواري عن الأنظار. الواضح أن سياساتهم في اختيار مواقع مستوطناتهم على مستوى الإقليم نابعة من رغبتهم في تجنب الاختلاط بالغرباء. كما يبدو أيضاً أن لها دلالات أمنية. إذ أن حجبها أو إخفاءها يعتبر خطوة احترازية مهمة تقييهم من شر الأعداء المتربصين بهم. نعود مرة أخرى لننظر لهذا الأمر من خلال مفهوم فضاء وجود هؤلاء القوم على مستوي الإقليم بكامله. نجد قراراتهم هنا تهدف لجمع الأقرباء في مكان واحد بعيداً عن الغرباء الغير مرغوب فيهم. الذي يحقق لهم قدراً عالياً من الطمأنينة و الأمان النفسي و هذا هو غاية المني بالنسبة لهم.

ننتقل لمستوى أقل من مجمل فضاء وجود هذه المجموع القبلية للنظر لمستوطناتهم المرتحلة.  لنتعرف على واحد من مكوناتها المرتبطة بأهم مرتكزات وجودهم. واحد من أميز ملامح تخطيطها توجهها الذي يحمل دلالات مهمة مرتبطة بقيم أساسية. فالمستوطنة لها وجهة واضحة عبر منطقة دخول محددة. لا يدركها من لا يعرف الكثير عن هذه القبيلة هو يري خيامهم المبعثرة المتباعدة في الفضاء الرحيب. هذه المنطقة الأمامية في غاية الأهمية نسبة لارتباطها بقيم أساسية. تتصدر المستوطنة في مقدمتها شجرة ظليلة كبيرة هي التي تحدد مدخلها. يشار إليها بشجرة الضيوف لأنها تستخدم لهذا الغرض النبيل. وجودها هنا بعيداً عن منطقة الخيام التي تقيم فيها الأسر يشير لقيم عالية الأهمية. مرتبطة بحرصهم على الحفاظ على خصوصية نسائهم اللائي لا يفارقن خيامهم. وجود الشجرة بعيداً عنها في موقعها هناك يجعلها بمثابة نقطة تماس بين مجتمع المستوطنة و عالمهم الخارجي. تشكل حائط صد مهم لأن أعرافهم لا تُجوز للرجل استقبال ضيوفه في خيمته. استقبالهم هناك يرفع الحرج عن بعض الذين قد لا تمكنهم ظروفهم من القيام بواجبهم نحوهم. فاستقبالهم وإكرامهم و مؤانستهم يقوم به الجميع هناك كواحدة من صور التكافل العالية التي تتميز بها هذه القبيلة. عليه يتضح أن موقع الشجرة هناك يعزز أهم قيمهم و أعرافهم. التي تشكل مرتكزات وجودهم. بذلك تصبح ركن ركين و جزء أساسي من مجمل فضاء وجودهم.

ثمة مكون أخر من أماكن المستوطنة العامة لا يقل أهمية من شجرة الضيوف. مبنى صغير قريب منها متواضع الهيئة عبارة عن عشة بسيطة. لكنه عالي القيم نسبة لما يتم فيه من نشاط و عمل أساسي في حياة سكانها. يشار إليه بالخلوة و تعني كما تعلمون المدرسة القرآنية. لكنه هنا مرتبط بمهام كبيرة ذات طابع تربوي يتجاوز دورها المعروف المحدود. مصوب لتحقيق أهداف سامية عظيمة نابعة من ثقافة و فلسفة القبيلة. ينتقل إليها ليقيم فيها كل أطفال المستوطنة في سن باكرة مفارقين خيمة والديهم. ليبقوا فيها حتى سن البلوغ حيث ينتقلوا لاماكن عامة أخرى مع أقرانهم من صبية المستوطنة. انتقالهم لها و مفارقتهم لأمهاتهم في هذه السن الباكرة القصد منه تنشئتهم بطريقة تهيئهم لحياة محفوفة بالصعاب. تحتاج لعزيمة رجال أشداء شجعان. بالإضافة إلى ذلك فإن إقامتهم هنا مع باقي صبية المستوطنة يقوي الأواصر بينهن التي يحتاجونها للتعامل مع تحديات حياتهم المقبلة. وجود الخلوة بجوار شجرة الضيوف مهم للغاية لأنهم هم الذين يخدمونهم. قيامهم بهذه المهمة يخدم أغراض في غاية الأهمية. إذ يتعرفون هناك على بعض الضيوف من أقرباهم المقيمين في مستوطنات أخرى فتمتد حبال الوصل بينهم و تقوي. الواضح هنا أن تلك الخلوة تمثل ركناً مهماً في حياة المستوطنة. من واقع أهدافها الكبيرة النبيلة تصبح مرتكزاً مهما من مرتكزات فضاء وجود سكان المستوطنة.

تَقدم عمر الأطفال ينقلهم عند البلوغ لمقرات تتوزع بعيداً عن منطقة خيام الأسر الوسطي تحيط بها في أطراف المستوطنة المتنقلة. مع من هم في عمرهم و مجموعة من العزاب. تأويهم في تلك المواقع المنعزلة أماكن في غاية البساطة مشيدة بالمواد المحلية. كجزء من نهج يهدف لتربيتهم و إعدادهم كفرسان مغاوير. توزعها حول المستوطنة هم حماتها يجعلها خط دفاع يحميها من أخطار عديدة محدقة. حياتهم فيها بكل تفاصيلها تهدف لإعدادهم لأدوار مستقبلية بالغة الأهمية تتنوع فيها مهامهم المحفوفة بالتحديات. من أهمها رعي قطيع المستوطنة و العناية به و الاستماته في حمايتها في أماكن نائية. مهام كبيرة تحتاج لمعرفة و مهارات خاصة يكتسبونها خلال إقامتهم معاً. يكتسبون هناك أيضاً معارف تتجاوز حدود تلك المهام تحلق بهم في أجواء تراث القبيلة و ثقافتها.  التي تشكل ملامح وجودهم في تلك الأصقاع النائية. من خلال جلسات مسامرة تناول أقداح القهوة المتطاولة التي لا تنقطع.  تتداعي فيها حكايات الملاحم و البطولات و أغاني الغرام والوجد التي تتخللها الفوازير الطريفة الموحية. تتسرب معها و تتشرب نفوسهم بجرعات من ثقافة القبيلة و تراثها. الذي يشبون عليه و هم يلجون إلى عالم الرجولة. من خلال تلك المعطيات يصبح حزام أماكن إقامة الصبية و الشباب مكون بالغ الأهمية. جزء مؤثر من فضاء وجود هذه المجموعة إشارة لأفكار نوربيرغ- شولز. يبقي فيه الشاب حتى يخطو خطوة مهمة يدخل مرحلة جديدة في حياته بانتقاله هو و زوجته لواحد من خيام المستوطنة.

انتقاله لخيمة الزوجية يلج به لعالم جديد مدهش للغاية مختلف تمام الاختلاف عن الواقع المعماري الذي عايشه خلال مراحله السابقة. لنموذج يضج بالمعاني تتقزم أمامه جل ما أنتجه معماريو هذا الزمان. تحديداً تلك الفيلات ضحلة العمارة التي تسد أفق مدائننا. يجسد في كل أنحائه و تفاصيله رؤي نوربيرغ- شولز. مستصحبة معها مضامين هايدغر بدفقها الإنساني الوفير. تشع منها قيمهم و تعكس بوضوح جوانب تركيبتهم النفسية. تعبر عن كل ذلك من خلال كل جوانبها و خلجاتها. بنظامها الإنشائي العبقري و مواد تشييدها المحلية و شكلها العام و عمارتها الخارجية و الداخلية المتفردة. التي صيغت كلها لتقدم عملاً معبراً عن أسمى المعاني و القيم. مجسداً بشكل رائع عبقري مفهوم فضاء الوجود الذي أسس لفكرته نوربيرغ- شولز في بلاغة و نصاحة بائنة.

المتأمل في شكل خيمة هذه المجموعة و نوع غطائها و لونه تلفت نظره مؤشرات في غاية الأهمية. نلاحظ أنها تتسق مع نواياهم التي يمكن استنتاجها من طريقة اختيارهم لمواقع مستوطناتهم المرتحلة. كلها تشف عن رغبة في إخفائها في ذلك الفضاء الرحيب. شكلها النصف كروي يبدو وسط تلك الكثبان الممتدة كأنه تلة صغيرة. يضاف لذلك لون غطائها البيجي المجدول من زعف النخيل. الذي يجعل من الصعوبة ملاحظتها هي مبعثرة في أرض لونها شبيه بلون الخيام. إذا تأملنا في نوع غطاء الخيمة سنلاحظ أنه يعبر بشكل غير مباشر عن نهجهم في الحياة الذي يتسم بالزهد. بالذات إذا قارناهم بقبائل مجاورة لهم تستخدم نوع من السجاد ينسج من وبر قطيع صاحب الخيمة. الذي إذا كان دائماً مجدداً يشير لوفرة عدد قطيع صاحبها. حال هذه القبيلة مختلف تماماً لأن غطاء خيمتهم ينسج من زعف أشجار الدوم المنتشرة في كل أرجاء ديارهم متاحة للجميع. عليه حال غطاءها ليست لها علاقة بوفرة أو محدودية عدد قطيع صاحبها. إذ نظرنا لشكل و لون نوع غطاء خيمة هنا من خلال المفاهيم التي بلورها نوربيرغ- شولز فإنها تعنى الكثير. ففيها مؤشرات مهمة عن تركيبتهم النفسية و نهجهم في الحياة المتسم بالزهد. بذلك تصبح معبرة عن ملامح فضاء وجودهم بناءً على مفاهيم هايدغر الفلسفية و نظرية نوبيرغ- شولز.

المتأمل في شكل و فتحات خيمتهم من خلال مفهوم فضاء الوجود الذي بلوره نوربيرغ- شولز يكتشف الكثير عن هذه القبيلة. شكلها نصف كروي أشبه بالمركب المقلوب و الجزء الخلفي مرتفع يجعلها محدودبة الشكل. التمسك بهذا الشكل عبر الزمان و المكان لم يأتي من فراغ أو حالة مزاجية عابرة. فهو أمر مدروس بعناية مرتبط بقيم أساسية سنأتي على ذكرها لاحقاً. أهم ما نلاحظه في خيمتهم انخفاض مستوي مدخلها بشكل غير معهود. جانب مهم يجب أخذه في الاعتبار في إطار تصميم الخيمة الداخلي تحديداً مستوي المرقد أو السرير في الجزء الداخلي. أمر بالغ الأهمية سنعود له لأحقاً بشي من التفصيل. هناك الكثير مما يمكن أن نستشفه من انخفاض مستوي المدخل بالإضافة لجوانب أخري متعلقة به. فيه مؤشرات لقدسية هذا المكان التي تفرض على من يدخل أن ينحني. يمكن أيضاً ننظر إلى هذا الملمح كمؤشر لعدم الترحيب بمن يرغبون في الدخول إليها. في اتساق مع قيمهم التي لا تحبذ ذلك إلا لأقرب الأقربين من النساء. جانب أخر مهم في المدخل يجب الانتباه له بالإضافة لانخفاض مستواه. هو ذلك الجزء من ساق الشجرة المقوس التي يحمل العرش لينحني يرتكز هنا على الأرض معترضاً فتحة المدخل. في وضع غريب لا يمكن أن يفهم منه إلا أنه مؤشر أخر إضافي بعدم الترحيب بمن يرغب في دخول الخيمة. إشارات ذكية مجتمعة توحي كلها بقدسية هذا المكان العالية. تعاملوا مع تصميمه بحصافة متميزة منحت هذا الجزء بالغة الحساسية قيمته كجزء أساسي من فضاء وجود مجموعتهم القبلية.

هناك جانب أخر من فتحات الخيمة بالإضافة لمدخلها جدير أيضا بالاهتمام. فتحات محدودة عبارة عن شريط ضيق في الجزء الأسفل من غطائها. المفترض أن تكون هي الشبابيك التي تساهم في تلطيف أجوائها في فصل الصيف الحار المتطاول. انخفاض مستواها الذي يقلل من فعاليتها في التهوية مهم جداً بالنسبة لهم لأنه يحد من إمكانية استراق النظر داخلها. الواضح أنهم هنا مستعدون للتضحية براحتهم الجسدية من أجل المحافظة على خصوصية أسرهم و نسائهم داخل الخيمة. أنني أحترم ذكاء مثل هذه المجموعات التقليدية التي يتعامل تراثهم مع تعقيدات مثل هذه الحالة بفطنة عالية. مستثمراً في أزيائهم المتميزة. هلي سبيل المثال بالنسبة زي نساء هذه القبيلة مرن جداً. الجزء الأساسي الكبير منه قطعة قماش طويلة تغطي كل جسمها فتسترها تماماً و هي خارج خيمتها. لكنه مرن يسمح لها بإزاحة بعضاً منه و هي في خدرها في الجزء الداخلي المخصص للسرير في جوف الخيمة. مما يجعل الأجواء هناك داخل الخيمة بفتحاتها المحدودة محتملة إلى حد ما. في هذا السياق يمكن أن نعتبر هذا الزي التقليدي امتداد لمنظومة نظرية فضاء الوجود لتي أسس لها المفكر العبقري نوربيرغ- شولز. بذلك أعتز بأنني تمكنت من تسليط الضوء على هذا المكون باعتباره الأقرب إلينا من باقي مكوناته. رؤية استنبطتها من حصيلة دراساتي النظرية و الميدانية في إطار عملي في رسالة الدكتوراه.

نظام الخيمة الإنشائي الذي يحمل عرشها و غلافها الخارجي يحكي قصة في غاية الغرابة.  لكنها غير مستغربة إذ قرأناها في إطار عمارتهم و أهدافها المستبطنة وفق مفاهيم فضاء الوجود الذي بلوره نوربيرغ- شولز. مساحتها محدودة فطولها لا يصل لأربعة أمتار و عرضها في حدود الثلاثة أمتار. فهي لا تحتاج لنظام إنشائي معقد إذ يمكن حمل عرشها و غلافها بأقل عدد من سيقان الأشجار المستخدمة كأعمدة. لكنهم لحاجة في نفس يعقوب ابتدعوا لها نظام إنشائي معقد للغاية. عدد كبير من الأعمدة تتوزع تتقاطع في نسق غريب خصماً على مساحتها الداخلية بدون مبرر مقنع. إلا إذا أخذنا في الاعتبار قيمهم و اهتمامهم المتعاظم بخصوصية نساء الأسرة. الذي يتجل هنا في سعيهم لتحديد عدد من يتم استقبالهم داخل الخيمة. هدف نجحوا في تحقيقه منذ البداية باختيارهم لشكلها النصف كروي. الذي يحد من إمكانية استخدام الأجزاء الطرفية لانحدار و انخفاض عرشها. مما يقلل بشكل مؤثر من المساحة المتاحة لاستيعاب الناس داخلها. بذلك منحوا هذا المكان درجة من القدسية كنا قد لَمحنا لها من قبل في سياق مختلف. هذه المعطيات مجتمعة تشير الي أن نظام الخيمة الإنشائي يساهم بشكل مؤثر في صياغة فضاء الوجود داخلها. بنجاحه في لم شمل أفراد الأسرة و أقرب أقرباهم داخل خيمتهم وفق معايير أعرافهم. أيضا بالعمل على استبعاد المتطفلين الغير مرغوب فيهم. بذلك تسمو عمارتهم لأعلي مستويات قيمهم. مقدمة صورة معبرة لما يعنيه الفيلسوف هايدغر برقصة الأربعة التي أشرنا إليها من قبل بشي من التفصيل.  

عظمة عمارة خيمة البجا تتجلي في أن نظامها الإنشائي يلعب دوراً مؤثراً أخر بالإضافة لحمله لعرشها و غطائها. فمجموعة سيقان الأشجار المستخدمة كأعمدة ترص و توزع بطريقة معينة داخل الخيمة. منتظمة في محورين أساسين واحد طولي و الأخر عرضي. يقسمان فضائها الداخلي بطريقة معبرة للغاية عن أبعاد فضاء وجودهم الذي أشار إليه نوربيرغ- شولز في رؤاه الفلسفية. كل محور وهمي يحدده صف أعمدة يتمدد أحدهما بطول الخيمة و الأخر بعرضها. الطولي ينصفها ممتداً من منطقة المدخل حتى الجزء الداخلي حيث يوجد المرقد أو السرير. الثاني ينصفها بالعرض متبعاً خطاً وهمياً أو محور يفصل المنطقة الأمامية عن الخلفية التي يحتلها المرقد. تقسيمها داخلياً بهذه الطريقة يعبر عن جوهر فضاء وجودهم الذي أشرنا له من قبل.

قمة الدراما يشهد عليها الجزء الداخلي العميق من الخيمة الذي يحتله المرقد الفسيح. تصميمه و تفاصيله تشهد على الاهتمام الفائق بخصوصية الأسرة وهي أهم قيمهم. بعضها محتشد بالإيماءات الرمزية. تتجلى مثلاً في تعامل عبقري مع الفضاء الداخلي يستثمر في التلاعب بالارتفاعات. حيث نجد مدخل الخيمة منخفض بينما مستوي المرقد مرتفع أعلي منه. مما يجعل من المستحيل على من يختلس النظر من الخارج أن يري ما يحدث فيه. مهمة مستحيلة أيضاً لمن يحاول ذلك بالنظر من خلال شريط الفتحات الضيقة في الجزء الأسفل من غطاء الخيمة. هناك اهتمام خاص بواجهة منطقة المرقد تتصاعد فيها الدراما بشكل يفوق التصور. تتقاطع أمامها في أصرار عدد من سيقان أشجار غلاظ تحمل العرش بدون مبررات مقنعة. إلا محاولة تأكيد قدسية هذا المكان النابعة من اهتمام لا مثيل له بخصوصية الأسرة. تكتمل الصورة بإضافات مهمة في الجزء الأسفل منه. يتدلى فيه طرف (البرش) المنسوج من زعف النخيل الذي يغطى المرقد. مزخرف بخيوط من وبر حيواناتهم مقدماً لوحة بديعة. تتجاوب معها ستارة معلقة من عصاة أمام واجهة منطقة المرقد منسوجة يدوياً بعناية من نفس ذلك الوبر. تتحدي درجات الحرارة المرتفعة في ذلك الجزء العميق من الخيمة. لتقدم في مجملها مع عناصر أخري دراما فوق التصور. أبلغ مثال لبعص مما سطره هايدغر و أبدع في تطوير أفكاره نوربيرغ- شولز. إذ يظهر فضاء الوجود هنا في قمة تجلياته الدرامية باعتبارها مسك الختام. 

يعكس تصميم عمق الخيمة الذي يحتله المرقد بكل تفاصيله جوانب مهمة من فضاء وجودهم يشيئ بالكثير من أهم قيمهم. فهو يحتل جزءً مقدراً من مساحتها يكاد يصل إلى نصفها. فيه متسع للزوجين و أطفالهم الصغار الذي يحتضنهم مع والديهم حتى سن محددة. يفارقونه يبارحون الخيمة بعدها لأماكن أخرى يقيمون بها حتى مرحلة زواجهم. ليعودوا لاحقاً لمنطقة الخيام الوسطى كل واحد منهم في خيمته الخاصة به. خروجهم منها في ذلك العمر المبكر هو واحداً من أهم أساسيات التربية عندهم. في حالة أشبه بالميلاد الثاني تعبر عن وصف أحد الفلاسفة للبيت الذي شبهه برَحِم الأم. المدهش أن خط المحور الوهمي الذي ينصف الخيمة لنصفين مبتدأ بمدخل الخيمة يتواصل حتى نهايتها عند منطقة المرقد. في إجراء يعكس الكثير من تقاليدهم و قيمهم الراسخة. فالجزء الخلفي الأعلى من الخيمة فوق المرقد مقسم لجزئيين. أحدهم مخصص للزوج و الثاني للزوجة يعلق فيه كل واحد منهم المتعلقات الخاصة به. نظام صارم يعكس قيماً راسخة تنظم كافة أمور حياتهم و تقوم عليها أهم أسس تربيتهم. التي تفرق بشكل واضح على كل المستويات منذ عمر مبكر بين الذكر و الأنثى. تداعيات يبدو أن لها علاقة بطبيعة حياتهم المحفوفة بالتحديات و المخاطر. يُعبر عنها بوضوح تصميم هذا الجزء العميق من الخيمة بكل تفاصيله. مجسداً جزئية بالغة الأهمية من فضاء وجود قبيلتهم.

لم تقتصر رسالة لدكتوراه على دراسة حالة البجا في حالة الترحال إذ اشتملت على مكونات أخري لا تقل عنها أهمية. من أهمها أنها درست نفس المجموعة القبلية في حياة الحضر. هم تحت سيطرة جهات رسمية حكومية تحكمت في كل أمور إسكانهم و سكنهم أمر سأعود إليه مرة أخري هنا. اكتملت الصورة بشكل مفيد عندما درست مجموعة سودانية أخري على طرف نقيض من البجا. في كافة جوانب حياتهم بما فيها التاريخ و الخصائص الأثنية الثقافية و المجتمعية. تماما كما حدث في حالة البجا درستهم في حياة الترحال و في واقعهم الحضري المستقر. مما وفر لي في النهاية فرصة عظيمة لمقارنة ساعدتني في تحقيق أهدافي الأساسية. هي تسليط الضوء و التحقق من جدوى مفاهيم مارتن هايدغر الفلسفية و نظريات كرستيان نوربيرغ- شولز. كانت الرسالة كلها كانت مكرسة لهذا الهدف النبيل. حققته عبر طريق طويل امتد لعدد من السنوات أنتج في النهاية مجلدين ضخمين فخمين. افتتحتهما بجزء مطول غطي حالة النوبيين الشماليين تاريخياً و تراثياً مركزاً على التخطيط و العمارة. منتهياً بتجربة تهجيرهم المأساوية التي جرت أحداثها المؤلمة في ستينيات القرن الماضي. ثم تتابعت أجزاء الرسالة متنقلة عبر فصولها المتعددة حتى وصلت إلى بر الأمان محققة كل غاياتها النبيلة. تجدون نسخة منها مودعة بمكتبة السودان التابعة لمكتبة جامعة الخرطوم الرئيسة. عنوانها بالكامل- Dwelling Space in the Sudan: Official Policies and Traditional Norms. اسم المؤلف باللغة الإنجليزية H. K. Mahgoub   

خرجت بنتائج باهرة من دراستي لمجموعات البجا الذين يعيشون في أحياء سكنية خططت لهم في مدينة كسلا في سبعينيات القرن الماضي. شكلت إضاءات مهمة للغاية أكسبت مفاهيم مارتن هايدغر و نظريات نوربيرغ شولز قيمة إضافية لا تقدر بثمن. أثبتت أن نظرية فضاء الوجود Existential Space ليس جامدةً متحجرة أشبه بصنم محدد الملامح يستميت الوثنيون في عبادته. بأنه مفهوم هلامي مطاط مرن إطاره العريض يستوعب العديد من الرؤي. التي تتجسد في شكل حلول معمارية متعددة الأشكال. تتنوع و تتبدل حسب الظروف. لكنها ترتكز على أسس عميقة متينة متجذرة في أعماق أسس وجود كل مجموعة منا أين ما كانوا. اكتشفت كل ذلك من خلال دراستي المعمقة لتجربة مجموعات البجا في حياتهم الحضرية التي أشرت إليها هنا. رايتهم بدون مرشد أو دليل يهتدون بروي فضاء وجودهم المتجرر في أعماقهم. ليصنعوا واقعاً حضرياً بالرغم من الهيمنة الكاملة التي فرضتها الجهات الرسمية. اكتشفت من خلال دراستها نتائج مدهشة مبهرة تدل على ذكاء خارق.  

أدلل على ذلك بعدد من الشواهد من مناطق البجا السكنية هناك. التي افتقدوا فيها مراتع مستوطناتهم المتنقلة مثل شجرة الضيوف و خلوة الأطفال و مقرات الشباب و العزاب. استبدلوها هنا باخري وجدوا لها موطئي قدم في الساحات العامة قدموها في حلول معمارية ذكية. تجسدت في أخري مشابه على مستوي القطع السكنية. التي ابتدعوا فيها حلول مبتكرة كبديل للتباعد بين بيوت الأسر الذي عهدوه في حياة الترحال. استبدلوه بحيطان عالية الارتفاع تفصل بين القطع السكنية المتجاورة. حل مكلف للغاية لكنه مرضٍ مقبول وفق معايير ثقافتهم الصارمة و حرصهم الفائق غلي خصوصية أسرهم. الطريف في الأمر أن جل موارد الأسرة خصصت لبناء السور تاركة القليل لتشييد البيت الذي كان في أغلب الحالات مجرد خيمة بسيطة. عززوا إجراءاتهم الصارمة لتأمين خصوصية الأسرة بخطوة لا تقل أهمية و تأثير. هي الالتزام الصارم بتخصيص كل قطعة سكنية لأسرة نووية واحدة، زوجين و أطفالهم الصغار. بعض ما أوردته هنا هي شواهد و أدلة على أن فضاء الوجود الذي أشرنا إليه من قبل ليس جامد أشبه بصنم محدد المعالم لمن يقومون بعبادته. لكنه إطار هلامي مرن يمكن أن يستوعب داخله عدة أشكال معمارية متنوعة. كل ما يربط بينها أنها نابعة مرتكزة عل أسس راسخة. مصدرها عناصر وجود أي مجموعة أي كان موقعها أو موطنها على الارض، بذلك نعود مرة أخري لمفاهيم هايدغر الفلسفية و نظريات نوربيرغ- شولز الموحية الزاخرة بالرؤي الإبداعية.

البروفسور مشارك دكتور معماري/ هاشم خليفة محجوب

أمدرمان- فبراير 2021

 

Leave a Reply

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d bloggers like this: