لعبت عدة عوامل دورأ مهماً فى تكوين وتشكيل تركيبتى و شخصيتى المعمارية بكل جوانبها و التى أترك أمر تقوييمها للآخريين. كان و لا زال الجانب الفنى المرتبط بالجماليات بالنسبة لى دائماً أساسياً و محورياً. يكاد المرء يلاحظ ثمة دوراً مهماً لعامل المورثات- الجينات. فقد أشتهر أفراد ينتمون لأجيال متعاقبة من جزء من عائلتنا بمقدرات و إحساس عالى منذ زمان لم ينتشر فيه التعليم بالصورة الحالية. حدث فى طفولتى و أنا بعد فى العاشرة من عمرى نبهنى لهذا الجانب، إذ فزت بجائزة عالمية للرسم و التلوين.
سهل الله لى الأمور و سخرها لأحقاً لرعاية مثل هذه الإهتمامات. دراستى بمدرسة حنتوب الثانوية الرائدة فى مجال التعليم فى هذه المرحلة الدراسية خلال بداية ستانت القرن الماضى لعبت دور أساسياً. أجوائها العامة و نشاطتها الثرة و قاعات مراسمها جيدة الإعداد و مكتبتها الزاخرة كانتا لى خير عون و دافع. من المدهش أننى و خارج إطار البرنامج الدراسى الرسمى إضطلعت على كافة أجزاء تاريخ الفنون الكلاسيكية و الحديثة.
دراستى للعمارة للمرة الأولى ب (معهد الخرطوم الفنى) كانت محطة بالغة الأهمية فى تكوين شخصيتى الفنية. لعل من أهمها إختلاطنا بطلاب (كلية الفنون) هناك و التى كان يدير شأنها أساطين هذا الضرب من الإباع العلمى من أمثال الأساتذة العمالقة و الرموز (أحمد محمد شبرين) و (إبراهيم الصلحى). الأجواء هناك فى منتصف الستينات كانت مشبعة بالحس الثقافى الرفيع فلعبت دوراً أساسياً فى إستكمال جوانب شخصيتنا المعمارية.
سنوات دراستى ب (المعهد) أضافت و عززت لى جانب آخر شكل ضلعاً مهماً فى تركيبتى المعمارية. فقد كانت ورشه المتعددة المعنية بكافة النشاطات المرتبطة بالمبانى او لعمارة فى كامل تجهيزاتها التقنية المدعومة بكوادر مدربة عالية التأهيل. فشكل لنا بذلك مدخلاً مهماً لهذا التخصص. أهم ما تعلمناها منها أن هذا الجانب التقنى ينطوى على جماليلات مترفة. و هذه التؤامة هى فى الحقيقة سر و أساس العمارة.
أتاحت الظروف بعد فترة دراسة العمارة الزاخرة بتطبيق بإسترجاع مدخلاتها و و إسثمار مخرجاتها خلال سنوات عملى الأولى بقسم التصميم ب (وزارة الأشغال) فى نهاية الستينات. و قد كانت فى عصرها الذهبى ذاك تستوعب و تستقطب أميز الخريجين. تعلمت منهم الكثير مما عزز من ثقتى بنفسى و التى ترجمتها فى بتصاميم العديد من المشاريع الهامة التى لا زلت أعتز بها.
منتصف الثمانينات عادت بى مرة آخرى إلى مدارج العلم. إنخرطت فى دراسة العمارة للمرة الثانية لفترة أربعة سنوات بقسم العمارة بكلية الهندسة بجامعة الخرطوم. عززت و طورت من خلالها مفاهيمى التقنية و حلقت بعيداً فى الأجواء الفكرية. منحتنى فى نهايتها و مهدت لى السبيل فوضعت مواطئى أقدامى على أعتاب مجال الدراسات العليا إذا إبيتعثتنى الجامعة للتحضير بالجامعات البريطانية.
ذهبت للملكة المتحدة مع بداية الثمانينات حيث سجلت فى كلية الدراسات المجتمعية بجامعة (إدنبره) و قد كانت واحدة من أميز ثلاث جامعات فى بلادهم. ذهبت بدافع قوى لإكتساب فهم معمق يستكشف و يستنكه ما خفى من معانى مفهوم العمارة. وجدت ضالتى فى مشرفى الراحل بروفيسور (بارى ويلسون) و قد كان و وجد هو ضالته فى ثنايا موضوع بحثى الذى ساعدنى فى تطويره. فالرجل كان مفتون بالحضارت القديمة و الثقافات التقليدية فى أرجاء العالم الثالث.
و الحق يقال أننى ذهبت و يحدونى الآمل فى التحليق فى سموات العالم الغربى المؤغل فى التقدم. فى البدء و بتوجيه من البروفيسور غصت تعرفت و إستكشفت و فضفضت بعض أسرار مجالات العلوم الإنسانية. تعلقت ببعض فروعها لكننى إفتتنت بمجال الفلسفة قديمها و حديثها شرقيوها و غربيوها. و توقعت أن أنطلق بعد ذلك للإبحار فى فضاءات الحداثة الغربية.
لكن البروفيسور فأجأنى فعاد بى إلى أهلى التقليديون و ديارهم و عمارتهم المترعة بالحكمة، فقد كانت له عقيدة راسخة فى عظمة إرثهم و حاضرهم البكر. قادنى هو، و عملى المرتكز على بعض المفاهيم و الفلسفات الغربية إنسانية الطابع و الأساس إلى إلى جوانب مذهلة من عوالمهم. فبدأت رحلتى الشاقة الطويلة المحفوفة بالتحديات فى الإبحار فى ثقافات بعض مجموعاتنا القبلية التقليدية.
ضربة البداية كانت فى حضن حضارة النوبة فى أقصى شمال السودان عميقة الجذور ميتجددة الألق. فغصت فى أعماقها و تتبعت مسيرتها حتى زمان تنفيذ البحث فى منتصف الثمانينات. إستكشافى للعديد من جوانب حياتهم على وجه الخصوص المردود المعمارى غمرنى بإحساس طاغى بالدهشة.
منعرج آخر من مسيرتى البحثية و دراساتى الميدانية ذهب بى إلى محطة آخرى من عوالم أهلنا التقليديون فولجت دنيا الرحل منهم. لم يكن إختيارهم مجرد صدفة أو بدافع الفضول. إخترتهم لأنهم يمارسون أعلى درجات الحرية فى صياغة عمارتهم فتجى دائماً صادقة معبرة عنهم. حلقت من خلال دراساتى الميدانية المطولة فى أفاق خيامهم المرفرفة منها و المنكسة فقدمتنى لمنظومات عجيبة من المعانى و المرموزات.
بعد سنوات خصبة من البحث و التآمل طفقت راجعاً إلى بلادى سعيداً بما غنمت من مفاهيم جديدة جعلتنى أقرب إلى أهلى الطيبين. فوائدها تجاوزت أفاق تلك العوالم. أحسب أنها مكنتنى فى إطار عملى كمعمارى ممارس من التعامل بشكل أحسن مع كل الحالات بما فى ذلك الحضرية منها و المعنية بواقع الحداثة بكل تحدياته.
فوائد عملى البحثى فى (إدنبره) و مجال تخصصى كانت متعددة الجوانب. من أهمها أنها فتحت لى أبواب العمل التوثيقى. ففى منتصف التسعينات و بتوصية من جهات مرموقة عالمياً كلفت بتغطية حالة السودان فى أول و آخر دائرة معارف من نوعها الموسومة ( دائرة معارف عمارة العالم المحلية) (THE ENCYLOPEDIA OF THE VERNACULAR ARCHITECTURE OF THE WORLD). أصدرتها دار نشر (جامعة كيمبريدج) البريطانية العريقة و أشرف على تحريرها أهم إسم فى المجال- بروفيسور ( بول أوليفر). و توالت بعدها تكليفات لا تقل أهمية بعضها لم يصل لمبتغائه لأسباب ليست لى يد فيها.
عملى فى دراسة الدكتوراه و الإضطلاع بتلك المهام البحثية الكبيرة فتح شهيتى للعمل التوثيقى و النقد المعمارى. فمضيت فيه لأشواط بعيدة. إتبعت فيه نهجاً مختلفاً عن أترابى العاملين فى هذا المجال. قررت أن أجعل رسالتى مخاطبة أكبر شريحة من الناس. قصدت من ذلك أن أوفر للعامة قاعدة معرفية معقولة تجعل العمارة فى نفس مقام ضروب الإبداع الآخرى مثل الشعر و الموسيقى و الدراما.
فتنكبت طرقاً متعددة لتحقيق أهدافى فسلكت مسارات الوسائط المتعددة . أغرانى فيها بعض تجاوب العديد من الناس مع ما كنت أطرحه من أفكار فى مفابلات صحفية و إذاعية و تلفزيونية. وقبل عقدين من الزمان أصبحت لى برامج إذاعية راتبة مثل برنامج (عمارة بلدنا) بالإذاعة القومية (نهنا أمدرمان) و تزامن معهه لعدة سنوات برنامج (عالم العمارة) بإزاعة (خرطوم إف إم). و إتيحت لى فرصة طيبة بالتلفزيون القومى قدمت من خلالها فقرة ثابتة فى برنامج (البيت السعيدد) و واصلت مساماتى لأحقاً عندما تغير إسمه إلى (بيتنا).
طرقت أيضاً باب الصحافة. قبل عقد من الزمان كان لى تعاون كثيف مع صحيفة (الرائد). بلغ ذروته عندما إنتظم فى شكل ثلاثة أبواب أسبوعية لامست موضوعاتها جوانب متعددة من العمارة. ثم إنتقل نشاطى لصحيفة (السودانى) فى البدء من خلال ملحق السوداناوية الذى كان يشرف عليه و يحرره بتفوق مميز الأستاذ القامة (أحمد طه). ثم بعد ذلك إستمر تعاونى مع الصحيفة طوال العام الماضى فى شكل صفحة كاملة ملونة بعنوان (عمارة الأرض). أحسب أنها وجدت إستحساناً ملموساً بناءً تجاوب لمسته من شرائح تمثل عدة أطياف مجتمعية. لكن للأسف الشديد بالرغم من كل ذلك أوقفت لأسباب غامضة و بطريقة غير لائقة.
عملى البحثى و التوثيقى منذ بداياته الأولى حضنى على تنمية قدراتى و مهاراتى فى مجال التصوير الفوتغرافى التى جائت فى البدء داعمة و مكملة له. لكنها لأحقاً صارت جانباً إبداعياً قائم بذاته ذهبت فيه إلى أشواط بعيدة. من خلاله نمت لدى قناعة تامة بأن التصوير المعمارى الخلاق هو عملية إكتشاف جديدة للعمارة و وسيلة فعالة لتفجير الطاقات الكامنة فيها. من خلال هذا النشاط و لأكثر من ثلاثة عقود من الزمان أقمت العديد من المعارض داخل و خارج السودن وجدت تجاوباً و إستحساناً مقدراً.
كل تلك الأنشطة الموازية لم تصرفنى أو تشغلنى عن عملى و رسالتى الأساسية و هى تعليم العمارة. التى نذرت لها نفسى و ما زلت منذ أستيعابى كمساعد تدريس بقسم العمارة بجامعة الخرطوم فى عام 1977. تنقلت فيها منذ ذلك الزمان و درست فى عدد من الجامعات السودانية الحكومية و الخاصة بالأضافة لجامعات خليجية. ساهمت خلال مسيرتى الطويلة تلك مساهمة فعالة فى تأسيس بعض إقسام العمارة. و تجاوز عطائى مجال العمارة فشمل تخصصات مجاورة مثل التصميم الداخلى و البستنة المعمارية LANDSCAPE .
إنغماسى فى مجال التدريس و تفرغى الكامل له جاء خصماً على مجال آخر لم أعطيه وقته بالقدر اللازم و هو مجال الممارسة المعمارية. عليه، لم تمكننى الظروف من تأسيس مكتبى الإستشارى. لكن كل ذلك لم يمنعنى من تقديم عطاء لا بأس به بالذات من حيث النوعية و ليس الكمية. تفانيت و بذلت قصارى و حاولت أن أسكب كل أفكارى و أترجم فكرى و رؤيتى الفلسفية فى شكل مشاريع معمارية.
أعتز كثيراً بأول مشاريعى بقسم العمارة بوزارة الأشغال خلال نهاية الستينات وبداية السيعينات. على وجه الخصوص مبنى مركز (حاج الصافى) الصحى على شارع المعونة بضاحية الصافية بالخرطوم بحرى. تمت إزالته قبل عدة سنوات و شيد فى مكانه مبنى متعدد الطوابق.
فترة السبيعنات كانت خصبة بالنسبة لى فى مجال الممارسة المعمارية. فقد أتيحت لى الفرصة التى تمددت حتى عقد الثمانينات بالعمل كمساعد فى البدء و كشريك لاحقاً لعدد من أساتذتنا الكبار مثل عبد المنعم مصطفى و محمد حمدى و عبد الله صبار. قربى الشديد من هذه القامات زمانئذ ساعدنى كثيراً فى التوثيق مسيرتهم بكل تفاصيلها.
مساهمتى فى نهاية السبيعينات فى تصميم مشروع (مسجد النيلين) مع المصمم الأساسى الأخ (قمر الدولة عبد القادر) شكلت محطة بالغة الأهمية فى مسيرتى المعمارية. عوامل عديدة ميزت هذا العمل، منها قوميته و رعاية و إهتمام الرئيس (نميرى) الخاص به. طابعه الإسلامى التجديدى هو أيضاً واحد من أسباب تميزه. و أعتقد أننا و بقيادة المصمم الأساسى قد قدمنا طرحاً يستحق الإلتفات إليه.
كنت بعد فى تلك المرحلة فى سنواتى المهنية الباكرة.
قدمت مشاريع كبيرة أعتز بها بحق عند منعطف القرنين و بداية الألفية الثالثة. كان واحد من أهمها برج (شركة التامين الإسلامية). مبنى من إحدى عشر طابق بموقع مفتاحى مطل على شارع (على عبد اللطيف) بمنطقة الخرطوم غرب. عمل محفوف بالتحديات حاولت فيه جهد طاقتى أن أتعامل مع الإرث الإسلامى بنهج إبتكارى ينأى عن النقل الحرفى و يستعيض عنه بالإيماءات. بالرغم من حسن تعامل و تفهم إدارة الشركة لعملى إلا أن النهايات لم تكن سعيدة تماماً. ظروف قاهرة حادت بمظهر الشكل النهائى الذى يظهر بلوحات نظام (الآرشكاد) المضمنة فى أرشيف هذا الموقع.
ثمة مشروع آخر متعدد الأجزاء و متوسط الحجم و لا يقل أهمية بالنسبة لى قمت بتصميمه و تم تشييده فى تلك الفترة. هو إمتداد يشكل المرحلة الثانية لمركز النفط الفنى التابع لشركة (سودابت) المطل على شارع أفريقيا قبالة مطار الخرطوم. حاولت أن أجعل عمارته متسقة مع المرحلة الأولى. بذلت مجهودات كبيرة فى ضخ بعض الأفكار الجديدة فى كافة أنحاء و أرجاء المشروع الذى نفذ جزئياً و يبقى الحكم عليه فى النهاية متروك للآخريين و تحديداً من أعتد برائيهم.
قبل عدة سنوات جمعتنى أقدار العمل المعمارى مرة آخرى بعد أربعة عقود من الزمان مع رفيقى دربى و عمرى المعمارى المرموق قمر الدولة عبد القادر. إذ كلفنا معتمد مدينتنا الفاضلة- أمدرمان بتصميم مجمع مكتبتها المركزية التى يفترض أن تكون واحد من أهم معالمها. خصصت للمشروع قطعة أرض مثلثة الشكل بموقع مفتاحى بالغ التمييز ليس ببعيد عن مدخل المدينة و مواجهه لمبنى البرلمان و مجمع مسجد النيلين.
عقدنا العزم على أن يكون التصميم فى مجمله و بكل تفاصيله معبر تماماً عن مدينة تأريخية ذات عبق خاص. بالإضافة إلى ذلك، إرتينا أن ننهج نهجاً جديداً مختلفاً يجعل هذه المؤسسة الثقافية الفكرية قريبة لكل شرائح المجتمع و على وجه الخصوص الشباب و الطلاب و التلاميذ. سعينا لكسر ذلك الحاجز النفسى و تحطيم الأبراج العاجية المصطنعة.
سعينا لتحقيق تلك الأهداف السامية من خلال تخطيط الموقع و تصميم الطابق الأرضى بكامله بما فى ذلك الجزء الواقع تحت المبنى الرئيس. لقد حز فى نفسنا إندياح أبنائنا الطلاب و هم يبحثون لهم عن مؤطى قدم فى الحدائق العامة ضعيفة التهيئة فى موسم الإمتحانات. فرأينا أن نخطط و نصمم لهم بيئة تلبى كل إحتياجاتهم عبر عدد من المرافق المفتوحة و شبه المفتوحة و المغلقة المعدة بكافة أنواع خدمات أنشطة الإستذكار. وفق ترتيبات تصميمية تسمح بجعل أبوابها مفتوحة طوال ساعات اليوم و أيام السنة. بذلك يصبح بالإمكان كسر الحاجز النفسى و الفعلى بين المكتبات العامة و كافة شرائح المجتمع و بشكل يجعل فضاءاتها الخارجية كآنها إمتداداً لبيوتهم.