fbpx
+249 90 003 5647 drarchhashim@hotmail.com

حداثة عبد المنعم مصطفى تبحر بأشرعة كلاسيكية في جامعة الخرطوم

كانت لي علاقة خاصة جداً مع أستاذنا عبد المنعم مصطفى العراب الوطني لعمارة الحداثة السودانية. استمرت لأكثر من ثلاثة عقود من الزمان وأعتبرها واحدة من اهم تجارب حياتي إذ عمقت فهمي لعمارتنا في اهم متعطفاتها. أجمل ما في هذه التجربة أنها إلى حد بعيد جاءت مبرأة من المغانم الحياتية المادية بمفهومها السطحي المعروف. اهم ما لاحظته فيه انه كان قليل الكلام عن العمارة وتحديداً أعماله الخاصة. يزداد إعراضاً إذا شعر بأنك تستدرجه للتحدث معه في هذا الشأن. في هذا السياق تنطبق عليه المقولة الشعبية السائدة -السوأى ما حداث. أعتبر نفسي سعيد الحظ إذ أتاح لي قربى الشديد منه خلال فترات محددة أن اكسر هذا الطوق. وفرت لي جلسات مؤانسة عادية في داره كانت تمتد لساعات طويلة في هدأة الليل فرص ذهبية. منحتني مداخل ممتازة لفهم طريقة تفكيره إذ جاز لي أن اُعرفها بهذه الطريقة. من خلال فهمي المعمق له شعرت بظلم البعض منا الذين يزعمون أن عمارته ما هي إلا مجرد حيل ومعالجات جمالية تبهر الناظرين. فالرجل يتسم بفهم عميق للعمارة. نابع من موهبة أصيلة عززها بعلم غزير اكتسبه من جامعات بريطانيا ثم أضاف إليه زخم تجربة معمارية ثرة. حاولت كثيراً وسأظل اعمل لتسليط الضوء على جوانب تجربته المعمارية التي تشكل جزءً مقدراً مؤثراً من مجمل عمارتنا المعاصرة.

أعترف بأن عبد المنعم قد ساهم بشكل كبير من خلال قربى منه ومتابعة أعماله في تعميق فهمي للعمارة. كنا نفهم والعديد منا نحن المعماريين لا زال مؤقنا تماماً بفكرة الخصومة والعداء المستحكم بين الكلاسيكية والحداثة. بأنهما يشكلان طرفي نقيض ولا مجال لتقارب أو مصالحة بينهما. أو مجرد فكرة تنازلات ونحن نعيش في أجواء الحداثة الغامرة. الواضح أن عبد المنعم كان له راي مخالف عبر عنه بشتى الطرق بدون ما تصريحات. في أكثر من مناسبة كان يعبر عن افتتانه بمفاهيم العمارة الكلاسيكية الذي لعبت فيه دراسته بجامعة ليستر دوراً مقدراً. مشيرا بأنه كان يجد متعة فائقة في جزء محدد من برامج دراستهم خصص لتاريخ العمارة الكلاسيكية. ترسخت في ذهنه أكثر من خلال زيارات ميدانية وثقوها بالرسم الحر لمباني المدينة الكلاسيكية. يمكن للمتأمل الأريب من خلال تلك الجرعات أن يدرك مدى عمق استيعابه وتعلقه بفكر وفلسفة تلك الحقب الضاربة في القدم. يمكن أيضاً أن نستشفه ذلك من روح العمارة الكلاسيكية المرفرفة فوق أعماله. فعل كل ذلك وجسدها بدون نقل مباشر أو حرفي. حققه بالرغم من التزامه الصارم بثوابت عمارة الحداثة. الهدف الأساسي من هذه المقالة أن نستجلى معاً تلك الجوانب الخفية من عمارته. التي سأختتمها باستعراض عمل من أعماله جاء قمة في التعبير.

المتأمل بعمق في جل أعمال عبد المنعم يغمره إحساس بانه ترجم فكر وروح العمارة الكلاسيكية بلغة العصر. وظف الخامات الحديثة وجعلها تتحدث بنفس اللغة وتوصل نفس المعاني. من السهولة أن تسوق مثل هذا الكلام وتلقى القول على عواهنه لكن من الصعوبة أن تنزله على ارض الواقع كما فعل أستاذنا الجليل. عمارته اعتمدت على مبادئي محددة. في البدء أشير لواحد منها على وجه الخصوص كان هو الأساس. كثيراً ما ردد وركز على أن سر الجمال يكمن في حسن تناسب وتناسق العمل المعماري.  بناءً على النظرية التي بلورها فيلسوف عصر حضارة اليونان القديمة الأشهر أفلاطون في إطار مفهومه الشامل لعلم الجمال. قربى منه ومعايشتي لحالات المخاض وميلاد بعضاً من اهم أعماله المعمارية كشف لي درجة إحساسه العال جداً بهذا الجانب. كنت دائماً أمازحه بأنه مصاب بأعظم نوع من أنواع الحساسية الذي تمنيت أن تصيبني. أعنى هنا إحساسه العالي وحساسيته الفائقة عند تعامله مع نسب مكونات أعماله المعمارية. الذي منحها ذلك الجمال المترف المؤسس على الرشاقة المميزة والأناقة الجذابة.

تميزت عمارة عبد المنعم ببساطة لافتة. أضفى عليها معالجات وحيل متعددة منحتها ثراء مدهشاً رصيناً. حصنها ضد الابتذال ومظاهر ما يمكن أن نسميه التهريج المعماري. فجعلها تتربع بجدارة على عرش عمارة الحداثة السودانية. سعى ونجح في مسيرته المعمارية في تحقيق هدف مهم وأساسي عبر استراتيجية مؤسسة. كلمة السر كانت دائماً في مجمل تصاميمه هو ذلك المكعب المتطاول المهيمن على العمل المعماري. كسر جموده عبر عدة معالجات في خطوات محسوبة بدقة. عملية خصم وإضافة هنا وهناك في جسم ذلك المكعب المتطاول فرضتها دواعي تصميمية أساسية. ساهمت بشكل كبير ومؤثر في ضخ حيوية على التصميم بدون أن تهدد بانفراط عقده. تتجلى هنا حذاقة ومهارة عبد المنعم في السيطرة على الموقف. موظفاً بعض خدع يستثمر فيها ويعول إلى حد بعيد على عناصر المبنى الإنشائية-الأعمدة والأبيام. إذ جعلها تعمل كممسكات أساسية تلملم أطراف العمل المعماري. اهتم بها بشكل كبير وأدخل عليها تفاصيل فعلت من دورها المأمول. كان يصفها بـانها تمثل النظام الأساسي وحجر الزاوية في عمارته. يمكن أن نصفها في هذه الحالة بانها أشبه بلجام في قبضة يد فارس مغوار على صهوة فرس جامح.

عملية الخصم والاضافة على المكعب المتطاول خدمت عدة أغراض مهمة. بالذات في تصميم المباني السكنية، البيوت والفيلات. على سبيل المثال سمحت الإضافة بتمدد المصاطب أمام المكعب لتشكل مكوناً مهما مطل على الشارع. من ناحية أخرى قدمت الارتدادات خدمات ممتازة متعددة. إذ وفرت الخصوصية لأجزاء محددة من البيت أو الفيلا هي في حاجه ماسة لها. بالإضافة إلى ذلك كان لها مردود مناخي مؤثر. ناتج عن نشر ظلال الوحدات البارزة من المكعب على باقي البيت أو الفيلا. هي بلا أدني شك خدمة جليلة تخفف من تأثير مناخاتنا الحارة. أضاف عبد المنعم مكونات أخرى ساعدت في تخفيف جمود المكعب المتطاول وحققت أهداف أخرى مهمة. وحدات يشار إليها بكاسرات أشعة الشمس. بعضها مكون من حائط من المكعبات الإسمنتية المخرمة. بعضها الأخر عبارة عن عناصر أفقية من (مرائن) أو مدادات الخشب أو أطوال من (زوى) الحديد مصفوفة بمسافات متباعدة نوعا ما. الغرض الأساسي من تلك الوحدات هو منع تسلل أشعة الشمس داخل المبنى. لكنها خدمت أغراض أخرى بالغة الأهمية منها تأمين خصوصية أهل الدار من النظرات المتطفلة. تلك المعالجات المعمارية مجتمعة- بروز وارتدادات أجزاء المبنى بالإضافة لوحدات الكاسرات نثرت الحيوية في أرجاء المكعب المتطاول. الأهم من ذلك أنها جاءت في إطار مشروع عمارة الحداثة الجمالي. الذي يُحرم الزخرف ويرفض مبدا الاستعانة بالعناصر الكلاسيكية لأغراض تزينيه. يعتمد على بدائل أخرى من أهمها تلاعب وتفاعل أجزاء المبنى الذي أشرنا إليه هنا.

كل تلك العوامل المؤثرة لم تجعل عبد المنعم يتخلى أو يتنازل عن أهمية هيمنة فكرة المكعب المتطاول. باعتباره العامل المؤثر في تماسك العمل المعماري وهذا هو ما كنت أرمي إليه في مجمل مقالتي هنا. ما أعنيه بأنه كان متشرباً بفكر وروح الكلاسيكية بالرغم من أنه بلا أدني شك هو العراب الوطني لعمارة الحداثة السودانية. فكره الثاقب ونظرته المعمقة هدته بأنه ليس هناك ثمة تعارض بين ذلك الفكر الكلاسيكي ومبادئي عمارة الحداثة. وجد المخرج من هذا المآزق ببعض ممسكات. استعان بها في لملمة أطراف عمارته. المصطخبة حيوية بالخصم والإضافة ووحدات كاسرات أشعة الشمس الموزعة على واجهاتها. وجد ضالته في إبراز العناصر المؤشرة لتقسيمات المبنى ما يعرف في مصطلحاتنا المعمارية باللغة الإنجليزية بال gird. التي كان يحرص دائماً أن تكون متساوية وبالغة الانتظام الأمر الذي كان يعتبره من المقدسات التي يجب التمسك بها. في ذلك الإطار تفنن وأبدع في تحقيق هذا الهدف السامي الأساسي. هو المحافظة على الإحساس بذلك المكعب المتطاول باعتباره الضامن الأساسي لتماسك العمل المعماري. الذي نجح من خلاله في إنتاج نسخة من عمارة الحداثة جاءت محلقة بأجواء الكلاسيكية المرفرفة.

استعان عبد المنعم بذكائه المفرط وحساسيته الفنية العالية بالعديد من الحيل المعمارية لتحقيق تلك الأهداف. نجح في تحقيقها في البداية بإبراز خطوط وملامح الهيكل الخرصانى في الواجهة في محاولة للملمة أطراف العمارة. في مرحلة ثانية طور أسلوبه فقام بإبراز طرف الأبيام العرضية بمقدار عشرة سنتيمترات أو يزيد أمام واجهة المبنى. صارت هذه المفردة المعمارية لاحقاً بالرغم من صغر حجمها ملمحاً مميزاً سارت به الأجيال. عزز ذلك البيم البارز في مرحلة لاحقة في العديد من أعماله بزاويتين حديدتين تحيطان بجانبيه تنهضان بارتفاع المبنى. في حالات عديدة مغايرة اكتفى عبد المنعم بمعالجة في غاية البساطة لكنها سارت في نفس الدرب. مجرد فتحة صغيرة في ذلك الشريط الخرصانى البارز في واجهة المبنى الذي يشار إليه باسم المراية وباللغة الإنجليزية بال fascia. أبعادها هي نفس أبعاد طرف البيم العرضي البارز في الواجهة. جاءت هذه المرة قمة في البساطة لكنها أرسلت نفس الرسالة. تنوعت حيل وأساليب عبد المنعم في هذا السياق لكن النتيجة كانت دائماً واحدة. نجح في تلك الحالات في لملمة أطراف عمارته مما مكنه في أن يمضي واثق الخطوة. موظفاً عمليات الخصم والإضافة مع وحدات كاسرات أشعة الشمس خدمة لأغراض التصميم. مؤسساً بذلك أهم ملامح عمارته وبصمتها البائنة.

نجاحه الكاسح في المعالجات المشار إليها هنا لم يجعله يلتزم بها في كل الحالات. بالرغم من افتتانه بها وأنها هي التي قدمته للناس وتوجته عراباً لعمارة الحداثة السودانية. خرج من إطارها في حالات معينة استدعت توجهاً مختلفاً. استوقفتني حالة بعينها قدم فيها عملاً بالغ الرصانة هو الذي أوحى لي بعنوان هذه المقالة. مبنىً قد لا يبدو بالغ الأهمية لكنه تعامل معه بروح مسئولية عالية وإحساس مرهف. بالرغم من انه موجود في مكان قصي بعيد عن مراكز اهتمام الناس. حيث قدم عملاً معمارياً محتشداً بالرمزية التي قد لا ينتبه إليها جلنا. هذا هو ما دفعني لتدبيج هذه المقالة ولفت النظر إليه. سلك فيه طريقاً بعيداً تماماً عما اختطه في مجمل أعماله فقدم عملاً متميزاً للغاية. لدى إحساس بأن اهتمامه الخاص به نابع من عاطفة من نوع خاص. هي صلته بخامة بنائية مهمة ارتبط بها هو وعمارة الحداثة بشكل عام بعلاقة عضوية وحميمة. فهي التي ساهمت بشكل مقدر ومكنتهم من التحليق بعيداً في فضاءات الإبداع ولعبت دوراً ملموساً في صناعة مجدهم.

المبنى المشار إليه هنا هو معمل الخرصانة وهو واحد من عدد المباني الرئيسة المهمة في كلية الهندسة بجامعة الخرطوم. التي تحتل موقعاً في الركن الشمالي الغربي من مجمع الوسط. المعمل كما هو واضح من اسمه معنى بكافة أنواع البحوث والتجارب الخاصة بهذه الخامة الأساسية ومخرجاتها المتعددة. التي شكلت بكافة أشكالها وأنواع مكوناتها حضورا مقدراً وكثيفاً في عمارة الأزمنة الحديثة. اختصت الظروف المبنى بموقع متميز رحب نوعاً ما محاط بمسارات مشاة عريضة من ثلاث جهات. مما حضني لإطلاق العنان لخيالي وأنا أتأمله في موقعه في إطار تصميم عبد المنعم والذي أوحى لي بخواطر مسترسلة. يصنف هذا النوع من المباني كمبنى للأنشطة الصناعية. يكون عادة شبه مصمت وبطبيعة الحال يخلو من النوافذ في المستوى المنخفض.  جعلها عبد المنعم في مستوى عال جداً كجزء من العرش. فسمحت له بإنتاج عمارة حبلى بأحاسيس بالغة التعبير. موظفاً الكتلة متعاظمة الحجم والشبه مصمتة بشكل منح العمارة مهابة مترفة. هذا هو بيت القصيد كما سنشرح ونسترسل لاحقاً.   

الواضح أن عبد المنعم أحس بحوجه ماسة لضرورة الاستعانة بروح الكلاسيكية للتعامل مع هذا الموقف المهيب حسب راية وتقويمه للأمر. كالعادة لم يسلم نفسه تماماً لمجمل مخرجات عصورها الضاربة في القدم مستلفاً بشكل حرفي من مكوناتها ومفرداتها المدهشة. استلهم روحها لكنه تعامل مع هذا المشروع من خلال معطيات العصر الحديث. الذي أسس وأنتج عمارته الخاصة به والمعبرة عنه التي اجتاحت أجزاء مقدرة من العالم زمانئذ بما فيها بلادنا. أسس تصميمه هنا استناداً على نوعية النشاط البحثي في المبنى الذي يستهدف خامة الخرصانة. فعمل بالنصيحة كثيرة التداول التي تقول- من دقنه وفتله. مستثمراً في الطاقات الكامنة في هذه الخامة والمادة البنائية بالغة الأهمية. في هذا السياق يجب أن ننوه لتاريخ تشيد المبنى الذي تم في نهاية الستينيات. فسعى زمانئذ لإبراز إمكانياتها المهولة التي حملت عمارة الحداثة وحلقت بها عالياً خلال النصف الأول من القرن العشرين. فاستثمر في المكونات الخرصانية تحديداً العناصر الإنشائية بتركيز على الأبيام. التي نهضت متصدرة هذا العمل مكللة هامته ومتوجة عرشه. مستعرضاً عضلاته بثقة ومعبراً عن طاقاتها المتقدمة. في هذا السياق يجب أن نشير لدور شريكه في تصميم جل أعماله المهندس الإنشائي والعلامة المعروف البروفيسور صديق عبد الوهاب.

تعامل مع تلك العناصر الإنشائية ووظفها بشكل شبيه إلى حد ما بما بالعمارة الكلاسيكية للعصور الغربية الضاربة في القدم. نجح في أن يستلهم روحها مستصحباً معها بعضاً من هيبتها. تكلل هامة المبنى ويتمدد في الجزء الأعلى من واجهته شريط خرصاني أفقي يعرف باسم المرايا وباللغة الإنجليزية ال fascia. استعرض عبد المنعم في هذا الإطار عضلاته ومعها إمكانيات الخرصانة المهولة زمانئذ. ركب فوق المرايا ومتقاطعة معها أبيام عملاقة مقلوبة شكل استخدامها هنا أوانئذ سابقة وحدثاً مهماً. هي على غير العادة متجه إلى أعلى وليست متدلية داخل المبنى وتعرف باللغة الإنجليزية بال inverted beams. استخدامها هنا لم يكن محض صدفة أو ناتج عن حالة مزاجية لكنه كان مبرراً. إذ أنه أراد أن يوفر فراغاً داخلياً نظيفاً لا تعترضه الأبيام المتدلية من العرش. هذه واحدة من أهم متطلبات هذا النوع من المباني المخصصة للأنشطة الصناعية. تفاصيل المبنى الخارجية وخاصة تلك الأجزاء العليا من واجهته الرئيسة المشار إليها هنا جديرة بالانتباه والاهتمام. جاءت تحمل بعض ملامح واجهات عمارة معابد الحضارات القديمة في اليونان وإيطاليا.  لكنها نسخة حديثة تجارى العصر إذ أنها استحضرت روح الكلاسيكية بدون نقل حرفي. فمنحت المبنى تميزاً لافتاً ومهابة مترفة معبرة عن الدور المحوري لخامة الخرصانة في صناعة مجد عمارة الحداثة. تكتمل الصورة بموقع المبنى المحاط بمسارات المشاة من الطلاب. لدى إحساس قوى بأن البحوث العلمية داخله التي ترفدهم بعصارة المعرفة ربطتهم به بحالة وجدانية خاصة.  مما يجعل إحساسي يتمدد فأشعر بأنهم في غدوهم ورواحهم حوله يبدون لي كأنهم متعبدون يطوفون حول معبد ومكان عال القدسية. 

خاض عبد المنعم معركة تصميم مبنى معمل الخرصانة وهو مجرد من أسلحته المؤثرة. التي   صنعت مجده ورفعت أسهمه وجعلته في موقع الصدارة بين أقرانه. إذ لم يكن بالإمكان هنا استخدام تلك الخدع المشار إليها من قبل. مثل الخصم والإضافة لكتلة المبنى الرئيسة وتوظيف وحدات كاسرات أشعة الشمس. تلك العناصر والمعالجات التي منحت عمارته حيوية دافقة. إذ لم تكن موجهات التصميم تسمح له باللجوء إليها في هذه الحالة. بالإضافة إلى أن المقام هنا كان مختلفاً تماماً مما دفعه للتعامل معه بشكل مغاير. كما هو الحال دائماً كان روح الكلاسيكية المتأصلة في نفسه حاضراً ومرفرفاً لأسباب موضوعيه أشرنا إليها من قبل. هبت لنجدته فأوفاها حقها بدون نقل مباشر أو حرفي فمنحت عمارته ألقاً ووقاراً ومهابة مستحقة. استعان بها فأجارته وأعانته في إنتاج عمل معماري غاية في التميز وقمة في التعبير. أثبت لنا هنا مجدداً فعالية ونجاعة استلهام روح تلك العمارة الضاربة في القدم. أدخلها في تحدى جديد فأثبتت جدارتها الفائقة وعززت ذلك بقيمة مضافة. من خلال توظيف ملامحها المعتقة في التعبير عن مبنى أنشطته مرتبطة بأعلى مقامات العلم والمعرفة والتقنية. فأثبت لنا عبد المنعم خطل المعتقدات السطحية الزائفة القائمة على مفهوم العداء المستحكم والتناقض بين التراث وقمة مظاهر الحداثة.

البروفيسور مشارك دكتور معماري/ هاشم خليفة محجوب

امدرمان- يناير 2020

 

Leave a Reply

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.