fbpx
+249 90 003 5647 drarchhashim@hotmail.com

عمارة حي العمارات في الخرطوم: قصة مسجدين

كانت أجزاء الخرطوم الحالية الجنوبية في سالف الزمان مسرحاً للزراعة الموسمية في فصل الخريف والأمطار. كانت خلال حقبة تاريخية ماضية تشكل احتياطياً استراتيجياً تتمدد فيه العاصمة حسب المستجدات وتزايد سكانها. فعلتها سلطات الاحتلال البريطاني المصري خلال عقودها الأولي مع بداية القرن الماضي. استوعبت فيها أرتال من الوطنين كان جلهم من شرائح العمال الذين احتاجت لخدماتهم. أسكنتهم هناك في أحياء عرفت باسم الديوم بعيداً عن أماكن سكن وعمل منسوبي دولتيهم حتى تأمن شرهم المتوقع. تداعت العقود بعد ذلك في النصف الأول من القرن حملت معها متغيرات مهمة كان لها أثر ملموس في تلك المنطقة. أحدثت تدريجيا تغيرات في التركيبة السكانية في تلك الأجزاء الجنوبية من عاصمة الحكم الثنائي. في الثلاثينيات ظهرت طبقة جديدة في المجتمع هم إبكار الخريجين المهنيين الوطنيين. لم تر سلطة الاحتلال غضاضة أن تكون أحياءهم السكنية قريبة من المخصصة لمنسوبيهم إذ أن ظروف العمل كانت تجمعهم بهم. فاُقتطع جزءً من مناطق الديوم خططت لهم فيها أحياء تقع مباشرة جنوب منطقة عاصمتهم المركزية. هي أحياء الخرطوم واحد واثنين. التي أستوعب فيها مع المهنيين الوطنيين نخبة من رجال الأعمال الأجانب والوطنيين. خلال مرحلة أرخت لنهاية حقبة الاحتلال التي أنقضت بنيل بلادنا لاستقلالها في منتصف الخمسينيات.

حملت رياح الاستقلال معها بدايات موفقة في مجال تنمية المدن بالرغم من حداثة عهد الجهات الوطنية المعنية بشأنها محدودة الخبرة. كان للعاصمة المثلثة تحديداً الخرطوم التي نركز عليها هنا نصيب الأسد كما هو متوقع. نحن معنيون هنا لخدمة أغراضنا الخاصة بأحياء المدينة السكنية الجديدة. التي خططت عمرت خلال الفترة الأولي من نيل الاستقلال في نهاية الخمسينيات وبداية الستينات. اتبعت سياسة التعامل معها نفس النهج السابق خلال فترة الاحتلال إذ خصص لها الجزء الجنوبي من المدينة. نفذت المشاريع الجديدة كامتداد لها فصار اسم كل واحد منها يحمل تلك الصفة مضاف إليه كلمة الدرجة. قسمت لثلاثة مناطق أو درجات بناء على أسس موضوعية مبررة هي المقدرات الاقتصادية. فسميت امتداد الدرجة الأولي والدرجة الثانية والدرجة الثالثة.  التي تفاوت فيها مستوي مقدرات من منحوا فيها قطع سكنية كانت الأولي هي الأعلى. التي ستكون محور اهتمامنا لأسباب موضوعية مقنعة ستتضح لاحقاً. من أهمها نوعية الشريحة السكانية التي خصص لها هذا المشروع والحي. النابعة من دورها الطليعي المقدر في هذه المرحلة المفصلية من تاريخنا الحديث. سنركز في إطار هذه الدرجة وحيها السكني على مكون مهم مخصص للخدمات العبادية هو مبني المسجد. لن ننظر إلى عمارته بمعزل عن إطارها المعماري العام. التي تَشكل تدريجياً عبر الزمان منذ تلك الحقبة الأولي بعد الاستقلال. تعاملنا معها لن ينظر إليه بشكل منعزل كأنه جزيرة قائمة بذاتها. سنتأمله نسلط عليه الضوء في إطار المتغيرات التي صنعت العمارة خلال تلك المرحلة المفصلية من تاريخ السودان حتى زماننا هذا.

من المهم جداً النظر بعمق في خلفية الشريحة السكانية التي استوعبت في امتداد الدرجة الأولي. كان لها دور مركزي محوري في صياغة بلادنا في تلك المرحلة المفصلية من تاريخنا الحديث. جل من منحوا قطع سكنية هناك كانوا من قيادات الخدمة المدنية وطلائع المهنيين حقبتئذٍ. بالإضافة إلى الصفوف الأولي في عدد من مجالات تلك الخدمة الذين كانوا يديرون شئون الدولة. أضيفت لهم شريحة أخري مختلفة عنهم مكنتهم مقدراتهم المالية العالية من امتلاك قطع سكنية هناك. يمثلون قطاع مهم ساهم بشكل مقدر في إدارة اقتصاد وتنمية بلادنا خلال تلك المرحلة الانتقالية. جلهم من الوطنيين بالإضافة لبعض الأجانب من أصول أوربية وشرق أوسطية شكلوا شريحة الرأسمالية. بالرغم من بعض التباين بينهم وبين الشريحة الأخرى كانت تجمع بينهم قواسم مشتركة مؤثرة خلقت نوع من التجانس. من أهمها التطلعات ذات النزعة الحداثية المحمولة على أجنحة حس حضاري متقدم نابع من خلفيتهم. توجهات كانت متسقة مع روح التطورات التي كان يعيشها السودان خلال تلك المرحلة المفصلية من تاريخه بعد نيله لاستقلاله. الذي كان عليه أن يظهر بين الأمم كدولة ناشئة قادرة على اللحاق بركب العالم المتقدم الحديث. دور كان عدد مقدر من سكان الحي الوطنيين من اهم ركائزه.  باعتبارهم الطبقة المستنيرة من المجتمع. الصفوة أو الإنتليقنسيا كما يشار إليهم باللغة الإنجليزية. مشهد كانت العمارة فيه حاضرة وجزءً مؤثراً في إحداث هذا التغيير والنقلة المهمة.

كان لدي دائماً اهتمام خاص باكر بهذا الطبقة من مجتمع العاصمة مقاصده نبيلة إذ لم تحركه نزعة صفوية. لأنها شأنا أم أبينا كانت إلى حد كبير تساهم في بلورة مؤشرات نموذج معماري يمكن أن يحتذي به في التعامل مع الحالات الحضرية. بدون أن نغفل الدور المهم لشرائح أقل منها في المستوي التعليمي والمقدرات المالية. عليه لا يمكن أن ننكر دور الانتليقنسيا المؤثر غير المباشر. في تحور العمارة الحضرية السكنية عبر الزمان من خلال معالم وسمات عمارتها المتميزة. رصدت مردود هذه الظاهرة في مدينة أمدرمان في ثلاثينيات القرن الماضي. وثقت لها بشي من التفصيل أسميت نمط منازلها بيوت الأفندية هو اسم كان يطلق على شريحة الموظفين في الدواوين الحكومية. طراز انتشر بعد ذلك على نطاق أوسع في المدينة متجاوزاً منسوبيها. اهتممت مرة أخري بطراز بيوت الإنتليقنسيا في زمان لاحق عبر تحورها في الأربعينات والخمسينيات في حي الخرطوم واحد. حيث ظهرت هناك هذه المرة في شكل الفيلا في إطار عام تخطيطي وثقافي مجتمعي منح عمارتها طابع متميز. اتسم بملامح وسمات كلاسيكية رومانسية الطابع. واصلت تتبع مسيرة عمارة الإنتليقنسيا السكنية في العاصمة عبر الحقب المتعاقبة. توقفت تأملتها عن قرب عندما أطلت علينا في مطلع الستينات في امتداد الدرجة الأولي. الذي صار يشار إليه بحي العمارات لأسباب سنأتي على ذكرها لاحقاً. توقفت تأملت كافة جوانب هذه التجربة بالغة الأهمية نتيجة لإسقاطاتها اللاحقة المؤثرة.

معطيات وتطورات مؤثرة جعلت عمارة بيوت امتداد الدرجة الأولي أو العمارات تتجاوز نموذج فيلات الخرطوم واحد. متعددة منها ما هو تقني مرتبط بخامات بناء جديدة جاءت محمولة على نظم إنشاءات مستحدثة. منها أيضاً ما هو طرازي فرضته تطورات سادت في العالم الغربي ثم انتقلت إلينا عبر عدة قنوات. تضافرت مع بعضها البعض لتبلور عمارة جاءت كنقلة مهمة في تاريخ وتحور عمارة المسكن الحضري. رَسخت استمرت لعدة عقود من الزمان لا زالت مهيمنة على أفكار بعض المعماريين في حالات عديدة بإيعاز ممن يصممون لهم. كان لمواد البناء وتقنياتها دور مقدر في إنتاج طراز بيوت ذلك الحي. جاءت محمولة على أجنحة خامة الإسمنت ومكوناته الإنشائية الخرصانية من أبيام وأعمدة وعروش. تمدد تلك الخامة في أرجاء الحي جعلهم ولغبطة قاطنيه يطلقون عليه اسم غابة الإسمنت. مظهر ارتبط بهذه الخامة البنائية كان يعتبر من مؤشرات الأهمية البرستيج. تلك الخامة ومكوناتها الخرصانية سمحت لعمارة بيوتهم بالارتقاء بثقة لعدة طوابق الذي صار مظهر أخر من مؤشرات البرستيج. عندما يشار لصاحب المنزل وفق التعبير الشائع حقبتئذٍ بأنه يقيم في بيت تأنى سكن. تلك التطورات التقنية والإنشائية فتحت شهية زمرة من ألمع المعماريين الذي سطع نجمهم في حقبة بداية الستينات. الذين أقبلوا على هذه التجربة في معية طراز جديد ارتكز على تلك الاختراقات التقنية الجديدةٍ. خطوة وضع أساسها معماريون أجانب وأوربيين أستلم منهم الراية الرواد من المعماريين الوطنيين ليسلموها لاحقاً لبعض الشبان الأماجد.

ما كان لمثل هذه التطورات أن تسير على هذا النحو لولا وعي وأصحاب تلك البيوت من النخب الإنتليقنسيا. الذي تجلي في استعدادهم لتقبل الأفكار الجديدة. النابعة من إدراكهم التام للدور المرجو منهم في بداية تلك المرحلة المفصلية من تاريخ بلادهم. وجود تلك الشريحة من العناصر الأجنبية كان أيضاً من العوامل المساعدة. في كل تلك الحالات كانت المقدرة المالية عاملاً أساسياً مهماً التي لم تكن وحدها كافية لأحداث كل ذلك لتغيير. إذ تضافرت معها خصال معينة اتسمت بها شريحة تلك الإنتليقنسيا. التي شكلت الأرضية الأساسية للتغيير الملموس في نمط بيوتهم. إذ تميزوا بوعي حضاري وثقافي متقدم كان من أميز شيمهم. امتداداً لنهج عرف به أقران لهم من قبلهم عمروا حي الخرطوم واحد في سابق العهود. شيم كانت بحق واحدة من أهم العوامل التي عبر بها السودان تلك المرحلة المفصلية. عايشت تلك الحقبة وأنا بعد طفل مقبل علي مرحلة الشباب. لا زالت ذكريات تلك البيوت عالقة بذهني بحدائقها المنسقة ورواقاتها المرتبة وصالوناتها بديعة التأثيث. التي كانت تضم بين جوانحها لقاءات أهل السياسة وأساطين الأدب والشعر والمداح والمغنيين. قلوبهم ملئي بعشق الوطن الناهض مجدداً حقبتئذٍ يجمعهم بمودة بالرغم من تباين توجهاتهم السياسية والفكرية. من أهم ما كان يؤلف بين قلوبهم ويجمع شملهم هي عمارة تلك البيوت مليحة السمات دافئة الأجواء. خلفية مهمة هي خير مدخل ينقلنا إلى ساحة عمارة ذلك الإطار السكني الحضري نحن اوانئذٍ في بدايات ستينيات القرن الماضي.

عدة عوامل تضافرت معاً لإحداث تحور في طراز بيوت حي العمارات. بالرغم من تباين أنواعها وخلفياتها إلا أنها كانت إلى حد بعيد ذات علاقة عضوية ببعضها البعض. جزء مهم منها كان ذو صلة قوية بنوعية وتركيبة سكان الحي بشقيها الوطني والأجنبي التي أفضت في الإشارة إليها من قبل. منعطف طرازي حقبتئذٍ في بداية الستينيات كان طيف الحداثة مرفرف فوقه مهيمن عليه. صوب سهامه عليه من كل جانب تضافرت عدة عوامل ساهمت في ترسيخ مفاهيمه. فلننظر للأمر هنا هذه المرة من جانبه المعماري. الذي جاء كما هو الحال دائماً محمولا على أجنحة فلسفية معلنة ومستبطنة. جاءت الحداثة هنا بمفاهيمها الراسخة لتزاحم نهج وسم عمارتنا الحضرية في عقود القرن الأولي مترع بالرومانسية. سطع من قبل في بيوت الأفندية في أمدرمان بعد ذلك في فيلات الخرطوم واحد. تنحي جانباً تاركاً الساحة لطوفان الحداثة الذي أمسك بتلابيب عمارة بيوت حي العمارات. لكنها كانت نقلة سلسلة تصالحية الطابع استبقت شئي من حتى من روح الرومانسية. لكأن المعماريين وقتئذٍ استشعروا أن أهل وسكان تلك الديار لم تكتمل عملية فطامهم تماماً منها. أحسو أن روحهم لا زالت تهفوا إليها. تصدي لهذا الموقف المعقد ساهم في هذه النقلة السلسة عصبة من طلائع المعماريين النوابغ. الذين تبادلوا الأدوار فسلم كل جيل الراية للذي جاء بعده في عملية سلمية سلسة. فجنبوا عملائهم سكان تلك الديار ويلات الصدمات الحضارية المتوقعة في مثل هذه الحالات. تجربة ثرة كانت دائماً مثار اهتمامي ظللت أتابعها بشغف متجدد.

قبل أن نرصد مساهمات المعماريين الذين قدموا طراز الحداثة في ذلك الحي فلنتأمل مسيرة البيت الحضري في عهود سابقة. كان لكل مرحلة مفصلية فرسانها المغاوير الذين وضعوا بصمتهم صانعين الفارق. كانت في البدء موشحة بعمارة رومانسية مستجيرة بدرجات متفاوتة بمصادر كلاسيكية غربية الأصول. حمل رايتها في الثلاثينيات في ربوع أم در، أمدرمان معماريون نوابغ. من أمثال المهندس إبراهيم أحمد الذي قدمها هناك في طراز بيوت الأفندية. لتأتي بعدهم في الأربعينيات والخمسينيات كتيبة على رأسها وألمع نجومها المعماري اليوناني إستيفانيدس ظهر معه نافسه السوداني ميرغني حمزة. الذين قدموا الفيلا في أحياء في مركز الخرطوم وحي الخرطوم واحد في أروع صورها. في إهاب تحرر إلى حد ما من قبضة الكلاسيكيات الغربية الحديدية مما أكسبها لمسة عصرية. لتأتي بداية الستينات حاملة معها رياح التغيير. التي تعاملت بلطف مع عمارة حي العمارات كجزء أصيل من شيم المعماريين. منذ تلك البداية توالت على الحي عقود من الزمان حمل كل واحد منها بصمة تسيدها نهج الحداثة. الذي بدأت تنتاشه لاحقاً سهام بعض المتمردين عليه موثقة لحالة خروج من بيت طاعة الحداثة. مراحل كان لكل واحد منها نجومه الذين قادوا المسيرة لردح من الزمان. فإلى مضابط وتفاصيل هذه (الحدوتة) المعمارية. قصة طويلة مرت عاشها أهل الحي في رحاب عمارتهم المتميزة. قصدت اطلاعكم على بعض من جوانبها وتفاصيلها تمهيداً لقصة مسجدين في الحي صارا من أهم ملامح عمارته.

قبل أن أحكي لكم قصة عمارة حي العمارات يجب أن أحدثكم عن متغيرات مرت عليه وعلى أصحاب بيوته وقاطنيه عبر الزمان. الذين عاشوا عصرهم الذهبي في مرحلته الأولي في بداية الستينات عندما كانوا يمثلون صفوة المجتمع. حقبة ساهموا خلالها إلى حد كبير مؤثر في إدارة شئون البلاد. كان جزء أساسي منه دورهم في بلورة طراز عمارة بيوتهم. الذي كان نتيجة وعيهم المتقدم واستعانتهم بأمير المعماريين لتصميمها فكانت النتيجة رائعة بكل المقاييس. التي أكملت الصورة الزاهية وفرت الإطار المعماري لحياة راقية تماهت بطرازها الحداثي الرصين مع نهج حياتهم. فهيأت لهم الأجواء المثالية وكل الظروف لتربية أجيالهم الصاعدة. التي مضي عدد منهم على نفس الطريق ليحتلوا مواقع متقدمة كل في مجال تخصصه وعمله. استمرت عمارة الحي لاحقاً في ذلك الدرب إلى أخر أشواطه. إذ سطعت عمارة الحداثة في نهاية القرن وبداية الألفية في أزهي صورها مواكبة للزمن ومستجداته المتلاحقة. لكن نفس ذلك الزمن أحيناً لا يرحم لأنه بالطبع يستجيب دائماً لأخر المتغيرات. إذ ظهرت هناك في البدء على استحياء بوادر حركة تمرد. لم تخرج تماماً من بيت الطاعة لكنها جاءت في شكل نزوات خجلي. حركة قادها جيل تلك الإنتليقنسيا الجديد بالتعاون مع مجاليهم من المعماريين الشباب. الذين كانت نفوسهم تهفوا للخروج من مأزق عمارة الحداثة. ذلك النهج والطراز الذي كان من أسسوه في العالم الغربي قد شرعوا في إعداد شهادة وفاته منذ سبعينات القرن الماضي. فأفرز ذلك التعاون بين القطبين الشبابيين في ساحة الحي بعض أعمال في هذا السياق جديرة بالاهتمام.  

عامل أخر مهم شكل عنصر إضافي عقد من مشهد عمارة حي العمارات. الذي استضاف مع بيوت الإنتليجنسيا مباني خاصة بجهات مهمة للغاية متعددة الخلفيات. منها ما هو قومي الطابع وبعضها تابع لجهات أجنبية على نفس الدرجة من الأهمية وأخري خاصة بجهات محلية اعتبارية. انتشرت في أرجاء الحي طرزت أفقه بعمارة نافست عمارة بيوته. فسطعت مطلة على شارع الملك سعود عمارات مؤسسة التنمية السودانية الشامخة. التي كان السودان يعول عليها كثيراً في الثمانينات للنهوض باقتصاده. جاورته فروع بنوك تأسست بشراكة مع دول خليجية. ليس ببعيد عنها عَبر واحد من أهم ركائز اقتصادنا البنك المركزي عن وجوده بطريقة غير مباشرة. إذ نهض ليس ببعيد عن مبني مؤسسة التنمية برج ضخم خصصه لإسكان الدرجات العليا من منسوبيه.  صممه المعماري الأوربي بيتر مولر الذي يعتبر الأب الشرعي لعمارة الحداثة السودانية. تعامل معه بالرغم من أنه مبني سكني بمستوي رفيع للغاية جعله تحفة لا زالت تتحدي الزمن بعد مرو أكثر من نصف قرن من الزمان. في موقع ملاصق له خاص بالبعثة الدبلوماسية لدولة أثيوبيا يبدو أن روعة عمارة ذلك المبني حركت فيهم مشاعر الغيرة الحميدة. فدخلوا معه في مبني مجمع بعثتهم في منافسة محتدمة. كان سلاحهم المضاء الطوب الآلي الذي نسميه طوب عطبرة والسكة حديد. عمل معماري متميز غزل من تلك الخامة النبيلة أروع عمارة تنافس المشيدة بأغلى مواد البناء. يبدو أن ظاهرة الغيرة انتقلت أيضا لشريحة رجال الأعمال الذين يستثمرون في شريط شارع 15 الإداري التسويقي. فسطعت على جانبية عمارات شطح بعضها ونطح طرازياً تحديداً مبني فندق كانون. الذي أضاف مزيداً من الزخم المعماري والتعقيد لمشهد عمارة حي العمارات.

تداعي عقود الزمان منذ ستينيات القرن الماضي أفرز فسيسفيساء معمارية مدهشة سطعت في أفق حي العمارات. حاولت العمارة فيه في البداية التوفيق بين طرازات سائدة. سعت فيها للجمع بين الكلاسيكية المتراجعة والحداثة الزاحفة بقوة التي كسبت نتيجة ذلك الصراع. لتخوض لاحقاً معارك سعت للتغيير بدأت بمحاولات خجلي. تطورات مهمة لاحقاً وثقت لحالات هددت عرش ذلك الطراز سعت للقفز فوقه وتجاوزه. جاءت محمولة على أشرعة توجه تأسس في العالم الغربي في السبعينات سمي ما- بعد- الحداثة. من خلال معارك خاضها في الحي نخب من أجيال شابة متمردة جريئة. ليخِطوا صفحة مهمة في ملحمة معمارية متطاولة على أرض ذلك الحي التي أرخت لها بداية الستينيات. ملحمة بداءها معماريون أوربيون التقط منهم القفاز وطنيون من الرواد الأوائل لتستلم منهم الراية لاحقاً أجيال من أبناء بلادهم. رسموا مع أسلافهم الوطنيين ملامح ساحة معمارية مترامية الأطراف تداعت صورها عبر عقود من الزمان. برز فيها نجوم تركوا بصمتهم البائنة على جبين الحي. ليقدموا في البداية طراز الحداثة المطعم باستحياء بسمات كلاسيكية. ليعلن بعد ذلك الطراز الجديد عن نفسه بفخر واعتداد عن إهاب حداثي كامل الدسم. لكن رياح التغيير بدأت تزعزع عرشه فإنتاشته السهام من كل الجوانب. في حركة تضامنت فيها الأجيال الشابة من طرفي هذه العملية المعمارية. أحدها أصحاب المصلحة أبناء ملاك تلك العقارات. تجاوب معها الطرف الأخر نفر من شباب المعماريين المتمردين المتطلعين لصناعة فجر معماري جديد. ليكتبوا بداية صفحة جديدة في سجل ذلك الحي العريق الذي أرخ لنهضة السودان في عهده الجديد بعد استقلال البلاد.

أقبل أبكار المعماريين جلهم من الأجانب على تجربة حي العمارات في بداية الستينات بتحفز وفضول. بعد فترة تمرين وتسخين جيدة نشروا فيها طرحهم في أحياء العاصمة الخرطوم لاحقاً امتداداتها في الخرطوم واحد واثنين. الذي بدأوا فيه في مبارحة النهج الكلاسيكي ليرتموا في أحضان الحداثة. تصدرهم بيتر مولر الذي شرع في التأسيس لذلك التوجه في حي العمارات من خلال أعمال بالغة التميز. وجد ضالته هناك عندما توفرت له كافة الظروف لبث رسالته فقدم أعمالاً محدودة العدد لكنها رفيعة عالية القيمة. من أهمها عمارة بنك السودان التي بث فيها رسالة مكتملة الأركان أشرت لجانب منها من قبل. أضاف إليها عدد محدود من البيوت والفيلات تتميز بعمارة في منتهي الرصانة والأناقة أتمنى أن تجد حظها من التوثيق الجيد. التقط منه القفاز أوائل الوطنيين الذين تخرجوا من الجامعات البريطانية نذكر منهم حامد الخواض وعبد المنعم مصطفي. رصع الأخير أفق الحي بأروع الأعمال لينصب نفسه عراباً لعمارة الحداثة السودانية. أعمال مجيدة من أهمها مجمع مؤسسة التنمية السودانية وعدد محدود من الفيلات والبيوت. وصل في مجمع المؤسسة الي مرحلة متقدمة من أسلوبه عبر عمارة مقطرة ينطبق عليه مقولة خير الحديث ما قل ودل. اختط منافسه في زعامة حركة الحداثة خلال تلك الفترة المرحوم كمال عباس نهجاً مغايراً بالرغم تمسكه بثوابت عمارة الحداثة الأساسية. إذ قدم طرحاً مختلفاً في برج صممه مشيد في الجانب الجنوبي من الطرف الغربي لشارع (خمستاشر) التسويقي. عمارة تضج واجهاتها بالحركة مكتسية باللون (الشوكلاتي) الذي يشير لمقدراته المتقدمة في التعامل بحنكة مع الألوان. جاء على طرف نقبض من مجمع مؤسسة التنمية بالرغم من انتمائهم معاً لنفس التوجه.

حمل منتصف عشرية الألفية الأولي أخبار مزعجة لمسيرة عمارة الحداثة في أرجاء حي العمارات.  تباشير حركة تمرد بدأت مترددة نوعاً ما قادها واحد ممن كانوا من قبل من الأوفياء لنهجها. نشاء تربي في عقر ديارها في مكاتب استشارية لمؤسسيها. هو حيدر أحمد علي الذي بلغ ولائه وعشقه لطوب السدابة ماركتها المسجلة حدود غير مسبوقة. يشهد على ذلك استيراده لنوعية ممتازة منه من جنوب أفريقيا لبعض أعماله. حمله أيضاً على أكف الراح إلى الصالات الداخلية لفرع بنك مهم بدون طبقة تشطيب خارجية. مظاهر الولاء الفاضحة للطراز لم تمنعه لاحقاً من قيادة حركة تمرد عليه. أعانه عليها وقف معه في مطلع عشرية الألفية واحد من عملائه (زبائنه) من نفس شريحته العمرية. طبق فيها أفكاره الجريئة في فيلاته في الطرف الجنوبي من الحي. التي تمرد فيها على نهج الحداثة الصارم بأشكاله الصندوقية. أكثر ما أعجبني في مكونات ذلك المجمع مبني خصصه رب الأسرة لأبنائه الشباب. عمارة بيضاء تضج بالروح الشبابية تتلوي مكوناتها البيضاء بحرية مطلقة هي تعانق الفضاء من حولها. عمل تحرر فيه حيدر تماما من قيود عمارة الحداثة، خطوطها المستقيمة وزواياها القائمة وكتلها المكعبة. فتحت مثل تلك الأعمال المعمارية الباب تدريجياً للمعماريين للخروج من جلباب أبيهم والبحث عن زي يناسب زمانهم.

أعترف لكم في ختام هذه المقالة أن دافعي الأساسي من تسطيرها كان التركيز على عملين في غاية التميز في حي العمارات. خارج إطار كل أنواع العمارة هناك التي أشرت إليها هنا إذ أنه عبادي الطابع يقع في سياق عمارة المساجد. واحد من أنواعها التي يشكل التعامل معه بالنسبة للمعماري المبدع تحدياً كبيراً. تحديدا الذين يناوون بنفسهم عن النقل الحرفي واجترار الماضي المجيد. المتجسد في تراث مهول ترجع جزوره لألاف السنين تمدد في عدة قارات. إرث بازخ يحتاج القفز فوقه لاستنباط عمارة تحمل روحه لمعماري عبقري. تتبعي لهذه الظاهرة دفعني في عشرية الألفية الثانية لرصدها في أعمال المعماريين السودانيين. التي صنفتها في إطار العمارة الإسلامية التجديدية. أخترت أربعة منها من قبل معبرة عن هذا النهج قدمتها في أربعة أقلام وثائقية. عرضت قبل عدة سنوات في أكثر القنوات الفضائية انتشاراً حقبتئذٍ. واصلت اهتمامي بهذه الظاهرة لاحقاً فاجتهدت في رصدها في إطار اهتمامي وتأملي في عمارة حي العمارات. باعتباره نسبة لمعطيات مقنعة واحد من المنصات التي يفترض أن تسمح تشجع مثل هذه الاختراقات المعمارية. فظفرت بصيدين ثمينين لفتا انتباهي منذ فترة طويلة. أتاح لي استعراض عمارة الحي فرصة ذهبية لفحص تجربتهم بشكل معمق. أجمل ما فيهما أنهما بالرغم من توحد أهدافها إلا أن تحقيق كل واحد منها اتبع نهجاً مختلفاً تماما. سآخذكم معي في سياحة نستطلع معاً تفاصيل وخبايا هذين العملين المتميزين.

الإشارة هنا لمسجد العمارات الكائن قرب الطرف الغربي لحي العمارات.  في قطعة تتجاوز مساحتها الثلاثة ألاف متر مربع تقع بين شارعي خمسة وسبعة. الثاني مسجد القبلة هو في نفس الحيي قرب الطرف الشرقي لشارع واحد.  في قطعة صغيرة المساحة غير منتظمة الشكل والأبعاد في موقع مطل على شارع أفريقيا الرئيس. صمم الأول المعماري الأستاذ محمد بكر الذي كان في الثمانينات واحد من طلابي النجباء الطموحين. تواصلت علاقتي به منذ تلك المرحلة كنت متابع لمسيرته العامرة بالإنجازات على كافة الأصعدة بتركيز على المجال الاستشاري وجانبه التنفيذي. عبر صداقة سمحت لي دائماً بمتابعة أعماله عن قرب. كان أخرها مسجد العمارات الذي لفت انتباهي إليه عدد مقدر من الناس. سعدت لاضطلاعه بهذا العمل لأنني أعرف اهتمامه المتعاظم بالعمارة الإسلامية بكافة أجيالها وتفاصيلها. أما مسجد القبلة فقد قام بتصميمه مكتب مرتضي معاذ الاستشاري. الذي كان يقود مسيرته الظافرة بعد تخرجه من جامعة في الفلبين لفترة تجاوزت العقدين من الزمان. تتبعتها وتتبعت أعماله منذ نشأته المعمارية الأولي كنت أول من تنبأ له بمستقبل باهر. مما دفعني في تلك الفترة للإشارة واستعراض واحد من أعماله الموفقة المدهشة في أحد الصحف ذائعة الانتشار. إذ كنت أري فيه الأمل المرتجى لخروج عمارتنا من نفق الحداثة الذي تاهت في دهاليزه المظلمة. فلم يخيب ظني بناءً علي فيض أعماله المتدفقة المتوهجة الزاخرة بالمفاجأت الإبداعية والاختراقات الملموسة. فنشأت بيننا علاقة حميمة سمحت لنا دائماً بتبادل الآراء حول أخر أعماله.

اخترت هذين العملين المعماريين الذين تعاملت معهم في شكل مقارنة لأكثر من سبب مقنع. في البدء يجب الإشارة لأن عمارة المساجد موضوعنا الأساسي هنا صارت لفترة طويلة تعاني من حالة اجترار مؤسفة النتائج. لا تليق بمثل هذه الأعمال نبيلة المقاصد التي خصم هذا النهج السلبي كثيراً من قيمتها المرجوة. إذ صار جلها للأسف نسخاً مشوه لنماذج تراثية كانت في غاية الروعة محتشدة بالزخم التعبيري. أمر كان بلا شك يؤرق المعماريين الذين اضطلعوا بمهمة تصميم المسجدين المشار إليهم هنا. الواضح أنهم استشعروا أهمية أن ترتقي أعمالهم لمستوي أشواق أهل حي العمارات. تعبر عن ماضيهم التليد تهدف لإعادة مجده المعماري السابق. أسست قراتي لهذا الموقف من واقع معرفتي بخلفية هذين المعماريين ما أعرفه عن رؤاهم الطموحة المتوثبة. الذين وجدوا أنفسهم هنا أمام تحدي مزدوج الجوانب. أولها الإرث الفخم للعمارة الإسلامية الذي يشدهم إليه بقوة مغناطيسية جبارة. بالإضافة لتحدي أخر لا يقل عنه أهمية هم في رحاب الحي الذي أسس لنهج عمارة الحداثة في مطلع ستينيات القرن الماضي. جدار عالي سميك يحتاج القفز فوقه لطاقات إبداعية جبارة محمولة على أجنحة الحكمة والوعي المتقدم. ليؤمن في النهاية هبوط ناعم أمن يصل بهذه الأعمال المعمارية عالية القدسية إلى بر الأمان. المدهش هنا أن كل واحد من هذين المعماريين اختط لنفسه طريقاً مختلفاً تماماً عن الأخر. بالرغم من ذلك جاءت النتيجة حسب رؤيتي الخاصة موفقة الي حد بعيد. هو في حد ذاته أمر يمنح دراسة هاتين الحالتين تميزاً خاصاً. أبطالها معماريين منفتحون على كافة فضاءات الإبداع. بشكل مكنهم من التعامل مع هذه العمارة الروحانية بحصافة وحنكة وحساسية فائقة.

نظرة لمسيرة المعماريين وعملهم في هذين العمليين المتميزين تكشف عن تباين لافت في الظروف المحيطة بهما. من أهمها التدخلات من الجهات الخارجية التي تحد من تدفق أفكار المعماري توثر على المساحة المتاحة لانسيابها. الذي يمكن أن يحدث لاحقاً إثناء تشييد المبني أو بعد اكتماله. هناك تباين واضح بالنسبة لها في ظروف عمل هذين المعماريين سنشير له لاحقاً. الذي كانت لها إسقاطات واضحة في النتيجة النهائية. هناك أمر أخر له مردود مهم قد يشكل كوابح (تفرمل) تحد من تدفق فيض إبداعات المعماري. هي الميزانية المرصودة للعمل التي كانت إلى حد ما عاملا مؤثرا في هاتين الحالتين. ظروف متباينة كان لها مردود بالغ الأثر سنتطرق له لاحقاً. بالنسبة لهاتين الحالتين والمعماريين وجدت تعاون منقطع النظير من الباشمهندس الأستاذ محمد بكر. أضاء لي الكثير من جوانب مشروع مسجد العمارات. حدثني فيها بإسهاب عن مراحل حياته ومسيرته المعمارية منذ طفولته الباكرة حتى الوقت الحالي. خلفية مهمة كان لها أثر بليغ وإسقاطات مهمة ساهمت في بلورة شخصيته وتوجهاته المعمارية. واجهت في البدء في تعاملي مع حالة مسجد القبلة بعض الصعوبات سعينا معاً لاحقاً التعامل معها مما سهل الأمور كثيراً. لكن لم نستطع تجاوز بعضها نسبة لكثرة تسفار وغياب الباشمهندس مرتضي. في هذا السياق وأجهتني إشكاليات معقدة نتجت عن استحالة التواصل معه من على البعد هو في تطوافه عبر القارات. مما صعب على رسم صورة مقربة دقيقة عن هذا العمل المعماري بالمقارنة لما حدث مع حالة مسجد العمارات.

من المهم النظر تاريخياً الي خلفية محمد بكر التي كانت ذات أثر ملموس في بلورة توجهاته المعمارية. أنتجت لنا من ضمن ما أنتجت مسجد العمارات المثير للدهشة بكل المعايير. كان لجده الذي تكفل بتربيته ورعايته بعد وفاة والده هو طفل صغير دور أساسي عميق في هذه العملية. عبر محورين مهمين شكلا لاحقاً أهم مكونات شخصيته واهتماماته المعمارية. تربي محمد في بيت ترفرف فوقه الأجواء الصوفية بكل مكوناتها وطرقها كان فيها جده راس الرمح. انتماءات ذهبت بالجد في اتجاهات محددة من خلال عمله المكثف كمقاول صار فيه متخصصاً في مجال محدد منه. في زمان مضي كان المتميزين من أمثاله يضعون بصماتهم الفنية في أعمالهم. تخصص من واقع نشاطه الكثيف في هذه المجالات في تشييد المساجد والأضرحة التي برع في التعامل معها. رعايته اللصيقة لحفيده اليتيم جعلته يصحبه معه في عمله فصار أشبه بالصبية الذين يعاونون (الميكانيكية) في أعمالهم. مما مكنه من الاضطلاع على أسرار المهنة وجمالياتها في عمر مبكر. لم يكن اصطحاب الجد له في أعماله على حساب دروسه الدينية التي حرص أن ينال منها نصيب وافر من مصادر مهمة. فدخل محمد هو برفقة جده إلى عالم عمارة المساجد والأضرحة والقباب في سني عمره الباكرة مرحلة التكوين الأولي. دخلها في أجواء ترفرف فوقها النفحات الصوفية فتغلغلت في وجدانه. كما هو معروف في مجال علم النفس إن ذكريات الطفولة يكون أثرها باقي طوال عمر الأنسان. واحد من شواهدها الجلية مخرجات مشروع مسجد العمارات. التي جاءت بعد عدة مشاريع شبيه ناجحة سكب فيها محمد فيض من العواطف والأشواق التي تملا جوانحه.

لم يكتف محمد بكر بتلك الخلفية الراسخة والإرث المجيد فمضي في هذا الدرب لاحقاً إلى مراحل متقدمة من مسيرته.  أنجز جزءً مقدراً منه لاحقا عندما حقق بعض حلمه بدراسته للعمارة بجامعة الخرطوم في الثمانينات. التي توجها بمشروع تخرج في نفس إطار اهتماماته في العمارة الإسلامية. ذات الصلة بتجارب خاضها من قبل مع جده في زمان مضي. لم يكتف بذلك القدر فواصل نهجه على نفس الدرب في الدراسات العليا التي مكنته أن يتعمق بشكل كثيف في جوانب اهتماماته. طوال رحلته الدراسية البحثية بكافة مراحلها لم يقتصر اهتمامه على مواضيعها متجاهلا جوانب أخري مهمة. إذ كان دايم التطواف في رحاب تراث العمارة الإسلامية مترامي الأطراف. بالإضافة إلى ذلك لم يشغلهً انكبابه على مجالات العمارة النظرية والفكرية عن جوانبها العملية التطبيقية. التي واصل العمل فيها طوال فترة دراسته الجامعية وفوق الجامعية لأنها كانت تجرى في دمه منذ مرحلة طفولته الباكرة. التي طور فيها مهاراته المعززة بسند علمي متقدم. عليه عندما أقبل على تجربة مسجد العمارات التي كانت في البدء مجرد أحلام وردية كان مهياً لها تماماً. كانت نفسه حينئذٍ تفيض برؤى محتشدة تتداعي فيها الأفكار من كافة أركان تراث العمارة الإسلامية. لهذه الأسباب أطلق العنان لخياله الذي لم يكن في البدء يحده صاحب عمل يفرض عليه رايه. كما أنه لم تكن هناك خلال تلك الفترة ميزانية يعتد بها تقيده بالعمل في إطارها المحدود. فجلس في حالة استرخاء لذيذة يعرفها المعماري المبدع يروض أفكاره الشاردة الحالمة التي أطلق لها العنان. ليكملها بشكل متكامل مرتب منتظراً العون من السماء لكي يحقق له تلك الأحلام الوردية.

لم تنشأ أحلام محمد بكر من فراغ إذ شاركته في فكرة المسجد خلال عشرية الألفية الأولي مجموعات من الحي. تحديداً من كانوا يقيمون حول موقعه في المربعات بين شارع خمسة وسبعة حيث يقيم الاستشاري مصمم المبني. كان في البداية رأس الرمح مجموعة من نسائه مما يشير لمستوي الاستنارة هناك. بدأت أحلامهم أجمعين حقبتئذٍ بتصور بسيط متواضع. مجرد مصلي اختاروا له موقع لساحة بين هذين الشارعين التي شيد عليه المسجد لاحقاً. مضي الوقت نحو بداية العشرية الثانية بدون إنجاز كبير مقدر. ضعف معه امل لجنة المسجد في تحقيق حلمها المتواضع بتشييد المصلي لعدم توفر التمويل الكافي. قل معه اهتمامهم بمتابعة تصور الاستشاري المعماري محمد بكر الذي كلف بتصميم المشروع حلم الحي المرتجى. مما ترك له مساحة لم يكن يحلم بها في المضي قدماً إلى أخر الشوط مهتدياً بتهويماته التي أطلق لها العنان كما تشتهي. زاد من المساحة المتاحة للحركة عدم وجود قيود تحددها الميزانية المتاحة لأنه لم يكن لها وجود يذكر. بالرغم من عبثية هذا الموقف إلا أنه وفر حالة مثالية يتمناها المعماري المبدع بغض النظر عن النتائج المرجوة. حالة تكشف مساحة الإبداع البازخة التي توفرت للاستشاري. الذي تحرك فيها مهوما في أفاق تراث العمارة الإسلامية متنقلاً بحرية مطلقة عبر الزمان والمكان. مستثمراً في ذخيرة معرفته التراكمية الواسعة والعميقة مزواجا أحيناً بلا حرج بين ما يبدو منها غير متناسق. فحشد على ضفاف العمارة منظومة بالغة التنوع من كافة طرازات ذلك التراث.  لدرجة جعلت المبني في النهاية يبدو فيها لكأنه متحف.

استثمر محمد بكر هو يخوض هذه المغامرة المعمارية جيداً في معرفته المتجذرة في بتقنيات ونظم تشييد المباني. التي بدا في اكتسابها في عمر باكر من طفولته عندما كان يصحبه معه جده المقاول المختص في عمارة المساجد. حصيلة معرفية عززها لاحقاً بدراسته للعمارة التي حرص في مراحل لاحقة منها في التعمق فيها في العمارة العبادية. فمضي في تصميم المسجد في دروب اتسمت بروح المغامرة محلقاً فيها بحرية في فضاءات عمارة القباب. خارجاً أحيناً عن نصوص العمارة الإسلامية الكلاسيكية لمصلحة النص. نهج ينصفه مسماه باللغة الإنجليزية هو أل improvisation فيما يظلمه الإشارة إليه في اللغة العربية بالارتجال ذات المعني السلبي. تنكب الاستشاري درباُ محفوفاً بالصعاب في سبيل إخراج قبابه هنا إلى أرض الواقع.  تغلب عليها في النهاية لتصبح هي درة هذا العمل المتميز تاج راسه. المبني حافل بمكونات أخري متفردة خرج فيها عن النص لأغراض تعبيرية حسب إفادته التي أتفق معه فيها. من أميزها المئذنة الغريبة حلزونية الشكل بازخة التعبير إذ تقود نظر المشاهد إلي أعلي مؤشرة لملكوت المولي في عليين. إذاً نحن هنا أمام موقف معبر جداً عن حالة خروج عن النص لمصلحته. الواضح أن فكرة المتحف كانت أيضاً مسيطرة علية بناءً على عدة مؤشرات. من أهمها توظيف أشكال مختلفة في مكوني المنبر والمحراب بالرغم من قربهما من بعضها البعض. نلاحظها أيضاً في منظومة أعمال الخط الموزعة في أرجاء المسجد الداخلية التي تجول فيها في رحاب عدة طرازات. هناك أيضاً شواهد أخري عديدة على ما أقول نتركها لكم إذ تشكل مباحث تستحق الاهتمام والتأمل.

حمل مطلع عشرية الألفية الثانية بداية انفراج لأزمة توقف العمل في المشروع نتيجة لنضوب مصادر التمويل. جاءت بشرياتها علي يد واحد من أخيار الحي رجل أعمال ناجح تحكي قصة حياته ملحمة طموح جديرة بالسرد. شكل إبداء نيته المساهمة في تمويله بداية الخروج به لأرض الواقع. انبرى لهذه المهمة الوجيه صالح عبد الرحمن يعقوب هو من أخيار وأعيان الحي بيته قريب من موقع المسجد. ظهر في الصورة باعتباره ينوب عن متبرع خليجي لم ير القائمون علي أمر المشروع أي أثر له. تطورات أستأنف بعدها العمل بشكل مبشر تصاعد معه حجم المشروع تعددت فيها نوعية مكوناته. تطور من مجرد مصلي لمسجد ضخم في غاية الفخامة ثم لمركز إسلامي ملحق به مرافق خارجية ترفيهية اجتماعية وثقافية. مجمع متكامل الأركان بدت ملامحه في لوحات الاستشاري التخيلية في أبهي حلة. نموذج حضاري مشرف يليق بحي العمارات يسعي بجدية لاسترداد أيام مجده السابقة. نجح من خلالها الاستشاري في استدراج الشيخ صالح الذي يمثل الممول الوهمي فاستهوته أفكاره. زاد حماسه للمشروع الذي عكسه في تدفقات مالية إلى أن بلغ منتهاه. بدون أن يكشف عن تفاصيل وخبايا ذلك السر الذي حول الحلم المرتجى بكل ألقه إلى حقيقة على أرض الواقع. ليظهر للوجود كمركز إسلامي يضم مكونات خارجية مخصصة للأنشطة المجتمعية والثقافية مقدماً نموذجا غير مسبوق. أجمل ما في المشروع أن جزءً مقدراً منه نصف مساحة الموقع أبوابه مفتوحة متاحة لكل أهل الحي بما فيهم المسيحين. خططت صممت كساحة ومسطحات خضراء متاحة لكافة أسر الحي. بما فيهم إخوتنا الأقباط لمسيحية منها التي يجدون في رحابها متسع لملتقياتهم.

عدة اعتبارات مقنعة تجعل تجربة مسجد العمارات جديرة بالاهتمام والتأمل. يكفي أنها لفتت الانتباه كانت مسار حديث عدد مقدر ممن راوها وتعاملوا معها بالرغم من تحفظ بعض المعماريين. أنظر إليها من عدة جوانب هي من أسباب تميزها اللافت. من أهمها الأسلوب الذي اتبعه مصممها أشار إليه في مذكرة دونها في بداية عمله وعد فيها بإتباع نهج ينئ عن النقل الحرفي. لكنه تراجع عنه هنا وهناك مستعيناً مستجيراً بمكونات ومفردات تراثية زخرفية تحديدا في مجال فنون الخط. لكنه أوفي بوعده في مكونات أساسية جوهرية في المبني. من أهمها القباب التي ذهب بها إلى منحي بعيد كاد أن يجعل الخارطة ترسم شكل الصليب. ذهب في نفس ذلك الاتجاه أيضاً ألي أخر منتهاه في تصميم المئذنة الذي أشرت إليه من قبل. توجهات تضعه بجدارة في سياق طراز الكلاسيكية الراجعة الذي يحتل موقعاً متقدماً في إطار توجه ما- بعد- الحداثة العريض. بالإضافة ألي ذلك أعجبني في المشروع مظهره الحضاري الراقي. الذي سما به لمستوي طموح أهل الحي ليذكرهم بإيامه الخوالي. بعد أن عصفت به الأنواء عانى من الإهمال بعدما ركز النظام البائد على أحياء جديدة مثل حي كافوري في الخرطوم بحري. أعجبني أيضاً في المشروع توظيف مكوناته الخارجية بشكل ذكي. كسر بعضاً من الحاجز النفسي بين هذه المرافق العبادية وعموم أهل الحي جعلهم أكثر قرباً منها. مستقطباً شرائح من الأقباط الذين تفاعلوا معه بشكل إيجابي منذ بداية فكرنة بروح سمحة هي جزء أصيل من شيمهم. ففرد لهم ذراعيه بترحاب موفراً ساحاته الخارجية بسخاء لمناسباتهم العامة.

قصة مسجد القبلة مختلفة في كثير من جوانبها عن حالة مسجد العمارات. أولها أهمها بالنسبة لي كموثق لهذا العمل هو شح المعلومات الأساسية من مظانها. أهم مصادرها المصمم أو الاستشاري ثم صاحب العمل هو في هذه الحالة الجهة التي تولت أمر المشروع بالكامل. شح في معلومات أساسية حرمني من الاضطلاع على جوانب مهمة وتفاصيل جوهرية توفرت لي في حالة مسجد العمارات. هناك أيضاً اختلافات أخري مهمة بين المسجدين ظهرت في أكثر من جانب من جوانب هذا المسجد. منها موقعه في الطرف الشرقي للحي بالإضافة لصغر حجمه وشكله الغير منتظم الأقرب للمثلث. عوامل شكلت تحديات كبيرة تعامل معها الاستشاري مرتضي معاذ بقدر عالي من الحصافة. هناك أيضاً اختلافات أخري مؤثرة جداً إذا قارناه بحالة مسجد العمارات. الذي قامت به جهة حسب علمي خصصت له قطعة الأرض ومولته بشكل متواصل وأريحية بالغة. كان على راسها شاب رجل أعمال ناجح طموح مستنير تربطه بالاستشاري علاقة قرابة أو مصاهرة. تغطي أعماله المتعددة جوانب ذات صلة بالمباني والعمارة. عدة معطيات جعلت بينه وبين هذا المشروع علاقة خاصة للغاية تجاوزت حدود العلاقة بين الاستشاري وصاحب العمل. تجسدت في دعم سخي متواصل مقترن بمتابعة لصيقة كانت لها إسقاطات المؤثرة عليه. كانت في مجملها مثمرة للغاية لكن بناء على متابعتي اللصيقة له وإفادات مؤكدة لم يجانب بعضا منها الصواب سأشير إليها لاحقاً.

أعتذر لكم عن قطع هذا السرد المتواصل عن جوانب في مشروع مسجد القبلة لأعرج بكم قليلاً للحديث عن مصممه. الاستشاري المتميز مرتضي معاذ الذي أشرت من قبل لعلافتي اللصيقة الحميمة به والاحترام والتقدير المتبادل بيننا. تتبعت مسيرته الظافرة لقراب الثلاثة عقود من الزمان شدني إليها دائماً بشكل متواصل. أكثر مظاهر إعجابي به نابعة من أنني أصبحت مقتنعاً بأنه الأقدر بثقة على تحرير عمارتنا من ارتهانها الغير مبرر لنهج الحداثة. الذي أعلنه منذ مرحلة مبكرة من مسيرته من خلال توجه كان شعاره الأوحد هو طريق التعددية. النابع عن وعي وإدراك عميق وليس حباً وولعاً بالتجديد أو نتيجة لنزوات عارضة. كانت قراراته في كل حالة نابعة عن قناعات رصينة وفكر سديد. مما جعل أعماله تطرز أفق مدائننا بمنظومة فريدة من زخم متنوع من الروائع المعمارية. تنقل فيها برشاقة وثقة بين شتي طرز العمارة محقق أهدافه في كل مرة بشكل رائع ومقنع. لينقلنا في بداية مشواره بعمارة حداثية مبهرة في برج شركة هجليج بشارع عبيد ختم على الجانب الغربي من حي الرياض في الخرطوم. مغازلا الطوب بأنواعه في أعمال متميزة متنقلاً من طوب السدابة للطوب الآلي مقدماُ عمارة رصينة غاية في التعبير في كل الحالات. ليستعرض عضلاته في مجمع أكاديمية الأمن في ضاحية سوبا مقدماً أخر أفكاره الجريئة التي جاءت مرفرفة على أجنحة أحدث مخرجات تقنية العمارة. من كل هذه المنظومة المسترسلة من أعماله أخترت نموذجاً محدداَ رأيت فيه ثمة تشابه مع حالة مسجد القبلة.

العمل المشار إليه هنا هو فرع بنك فيصل الإسلامي بجامعة الخرطوم. المطل على شارع الجامعة في الطرف الجنوبي من الجزء الأكبر من مجمع الوسط. عمل أقبل مرتضي معاذ علي تصميمه بلا شك هو مشتت الفكر. بين التعبير عن جامعة الخرطوم باعتبارها قلعة العلم الأولي في بلادنا. أو الإذعان احتراماً لتراث عمارتها الكلاسيكي الطوبى البازخ الفخم. فقرر من باب احترام التراث باعتباره نهج علمي سليم أن ينحاز للخيار الثاني فقدم حلاً معمارياً متوازناً. جاءت فيه العمارة حداثية القسمات محمولة على صهوة عقدات أو أقواس مسننة ضخمة شامخة من طوب السدابة تاريخي الجذور. تعامل مع عمارة مسجد القبلة بعد فرابة العقدين من الزمان علي نحو شبيه. بالرغم مما يبدو من تباين بين العملين من أول نظرة برؤية سطحية. فقد وجد نفسه هنا متنازع من ناحية بين إرث العمارة الإسلامية عريض الضفاف المتجذر في عمق التاريخ. من ناحية أخري توجه الحداثة الذي جاءت صرخة ميلاده في رحاب حي المسجد في مطلع ستينيات القرن الماضي. تنكب طريق التوجه الثاني لكنه قدم فروض الولاء والطاعة للتوجه الأول من خلال حل توفيقي. ولد فكره ترعرع في حضن توجه عريض تأسس في العالم الغربي يشار إليه ب ما- بعد- الحداثة. ولد في حضنه طراز الكلاسيكية الراجعة الذي بقدم لها فروض الولاء والطاعة بشكل غير مباشر ذكي أريب. وجد في ضفاف هذا الطراز المخرج من المأزق الذي واجهه فقدم حلاً ممتازاً لمن ينظر إليه برؤية معمقة.  

وجد مرتضي معاذ نفسه في موقع مسجد القبلة محاصر تماماً في حضن عمارة أبراج حداثية الهوى موشحة بالألواح المعدنية. في مأزق مطالب فيه بصياغة عمارة إسلامية تعبر عن هذا المبني العبادي بشكل منسجم مع محيطه الحضري. فوجد الملاز في رحاب فكر طراز الكلاسيكية الراجعة. الذي يسعي للارتكاز على التراث بدون نقل حرفي ساذج ممجوج. اعتقد أنه قد نجح ألي حد ما في التعبير عن روح الكلاسيكية لكنه مضي في هذا الدرب إلى حد بعيد على حساب مكونها الإسلامي. أتحفظ جداً أنا أصدر مثل هذه الأحكام لأنني لم أتمكن من التواصل والتفاكر معه شخصيا في هذا الأمر كما أعتدنا دائماً. فالتعديلات التي طرأت على هذا العمل حادت به عن التصميمات الأساسية بشكل يجعلني أتحفظ كثيراً على النتائج النهائية وإصدار أحكام حولها. عدم الالتزام بها بدقة للأسف الشديد خصم كثيراً من الروح الكلاسيكية المأمولة. على سبيل المثال كان المصمم يعول كثيراً على الإحساس بالكتلة الواحدة الصماء للتعبير عن هذه الروح. التي سعي لتنفيذها بعدم وجود أي فتحات على الجانب الشرقي للمبني المواجه لشارع أفريقيا الرئيس. إجراء تصميمي متوافق تماماً مع طبيعة النشاط العبادي الرئيس في المبني. تفتضيه ضرورة تهيئة الأجواء للمصلين والمتواجدين داخل المسجد بالتركيز على ما يدور داخله من صلوات ودروس دينية. أمر خصم منه كثيراً فتح نوافذ عريضة عالية علي ذلك الجانب من المبني. المطل على شارع رئيس مصطخب بحركة السيارات والطائرات عند إقلاعها وهبوطها في المطار المجاور للموقع.

كان لمسجد القبلة في شكله النهائي أثر بليغ علي نفسي كان يجب أن أصرح به على نحو ما. بدون الدخول في التفاصيل نسبة لغياب معلومات مؤثرة. لكن استناداً على إفادات مؤكدة من واحد من الأطراف المهمة التي ساهمت في بقدر كبير في هذا العمل. لا يداخلني شك في أن الواجهة الرئيسة على الجانب الشرقي المواجه لشارع أفريقيا الرئيس كانت مصممة بشكل مغاير لما أل إليه الحال. جدار عالي مترامي الأطراف مصمت بلا نوافذ أو فتحات. أقول بنفس الدرجة من الثقة العالية أنها حالها تغير بشكل مؤثر. لا يخلو من مردود سلبي مهما كانت مبرراته الغير مقنعة بالنسبة لي كما شرحت من قبل. مما يوثق هنا لتدخلات من جهات خارج إطار عمل ومسئولية الاستشاري. لن تغفر لها كثيراً طبيعة ونوعية العلاقة الخاصة بين هذين الطرقين. أقول قولي هذا بناءً على معلومات توفرت لي من مظانها الأصلية. نتجت عنها تعديلات كان لها مردود سلبي متعدد الأبعاد. لعل من أهمها سلب هذا العمل المعماري من واحد من أهم مكوناته الطرازية النزعة والهوى. التي كانت ستجعله يسطع على جانب ذلك الشارع الرئيس كمعلم يعبر عن نفسه في شكل كتلة مصمتة تنافس البنايات المجاورة لها. سلبت هذه التعديلات العمارة من أهم مؤثراتها الكلاسيكية. التي كانت ستميزها عن إطارها التجاري التسوقي بمكوناته المتتابعة ونوافذ عرضها المسترسلة.

مفهوم ضمنا أن مرتضي معاذ كمكون أساسي من تركيبته المعمارية لم يرد هنا أن يلجا للأساليب الساذجة للتعبير عن العمارة الإسلامية. باستنساخ مفردات تراثية مكررة نهج مضي فيه في هذا الطريق المعاكس ألي أخر مداه، بل تجاوزه. بدليل أن أحدهم مقيم في نفس الحي أسر إلى بأنه لم يدرك أن هذا المبني مسجد إلا بعد أن ثبتت لافته على واجهته تشير لذلك. مررت قبل عقدين من الزمان بتجربة شبيه عندما صممت برج لشركة إسلامية في منطقة الخرطوم غرب. صرفت فيها النظر تماماً في تصميم واجهاته عن النفل الحرفي من التراث فتحايلت عليه بعدة طرق. مثلا صممت البلكونات الناهضة في الواجهة لتكون محمولة على أجزاء مدرجة مكسوة بالشرائح المعدنية تشبه المقرصنات الحجرية في الأعمال التراثية. على أن تغطي واجهات البلكونات بغلالة من مشربيات معدنية خفيفة. قررت أيضاً أن تكسي باقي أجزاء الواجهة برقائق معدنية ذات تشكيلات زخرفية خفيضة النبرة. مرصعة بقطع معدنية رمادية اللون تغازلها تغمز على جبينها قطع صغيرة فضية تبرق مشكلة منظومة زخرفية هادئة القسمات. قصدت بتلك المعالجات أن أعلن عن الطراز الإسلامي بطريقة مبتكرة خفيضة النبرات. مشروع طرازي مبتكر على الورق كنت أعتز به كثيراً عصفت به الأنواء نتيجة لظروف خارجة عن إرادتي. ليموت طموحي في مهده فتحل محله معالجات أقل من اعتيادية. غرقت في طوفان شارع علي عبد اللطيف الزاخر بحالات شبيه. الواضح أن مرتضي لم يحاول أن يمضي في طريقي الذي خططت له هناك إذ لم أر أثر لأي محاولات تمضي في هذا الاتجاه. على سبيل المثال أفتقد مكون المئذنة لأي مؤشرات تدل على نوعية المبني.

داخلياً يتكون مسجد القبلة داخلياً صالة صلاة كبيرة إلى جانبها صالة أخري أصغر مخصصة للنساء. تعلوها صالة مطلة على الصالة الرئيسة مخصصة لاستيعاب مزيد من المصلين. يعتبر من المساجد الصغيرة نتيجة لمساحة الموقع المتاحة. أمر أعتبره إلى حد ما ذو مردود طيب نتيجة لانطباع خرجت به عندما زرته في إطار مناسبة عقد قران. شعرت أنا واحد من مجموعة كبيرة من الحضور كأنني في صالون أو ديوان فسيح في بيت من بيوت أعيان حي العمارات. شعور أسري غامر قل إن تحس به في المساجد الكبير متسعة الأرجاء شاهقة الارتفاع. كان سيكون أبلغ تأثيراً لو كانت الحيطان الأمامية بلا نوافذ كثيرة كبيرة. لكي تحتضن رهط المتواجدين في الصالة فتزيد من روح الحميمية في مثل هذه اللقاءات. تلك الزيارة للمسجد أقنعتني بلا ما لا يدع مجال للشك بالمردود السلبي لتلك النوافذ التي تغطي جزءً مقدراً من حائط الصالة الأمامي. إذ تشكل عنصر تشويش مؤثر مرده ما يعرف باللغة الإنجليزية بأل after vision. حالة تنتابنا عندما نُواجه داخل مكان ما بإضاءة طبيعية ساطعة من خارجه تكون ذات أثر سلبي. صغر مساحة المسجد هنا تجعله أنسب لو كان في موقع أخر داخل الحي. أجواءه التي تنضح حميمية كانت ستجعله امتداداً طبيعياً للبيوت المحيطة محققة واحد من أهداف رسالة المسجد النبيلة.

تبقي في المنتهي إفادات أري أن أضيفها نابعة من سياق ما سقته هنا أسلط فيها مزيداً من الضوء على جوانب من حالة هاذين المسجدين. أهم ما يقال عنهما أنهما تشكلان إضافة مقدرة قدمها المعماريين محمد بكر ومرتضي معا    ذ. اجتهدا فيها في الخروج بعمارة المساجد عندنا من النفق الظلم الذي حشره فيها عدد مقدر من المعماريين وأشباهم الكثر. هدف في غاية النبل يشكرون عليه بتنكبهم طريقاً محفوفاً بالتحديات. مضي فيه كل واحد منها في مسار مختلف إن كانت النتيجة فيه في النهاية متقاربة من حيث المضمون. هي واحدة من مظاهر فضاءات العمارة الإبداعية عندما تختلف فيها المسارات لكنها تنجح في تحقيق نفس الأهداف السامية. الواضح أن الرؤي في كلا الحالتين هبطت بالعمارة بسلام في رحاب مطار واحد مترامي الأطراف. لافتته تحمل اسم توجه عريض نشاء وترعرع وتألق في العالم الغربي منذ سبعينيات القرن الماضي يشار إليه ب ما- بعد- الحداثة. هبوط أمن هناك بالرغم من بعض تباين في واحدة من الحالتين في لحظة الهبوط أشرت إليه في استعراض حالة مسجد القبلة. حالتين كان سبب نجاحهما اختيار من قاد الرحلتين للمدرج الصحيح في رحاب موقع المطار الفسيح. فكلاهما اختار مدرج مدرسة طراز الكلاسيكية الراجعة. بالرغم من بعض معاناة عاشها الركاب عند الهبوط في الرحلة الحالة الثانية أشرت إليه في سياق إفاداتي عن مسجد القبلة. أتمنى أن تساهم إفادتي هنا في استدراج بعضكم بالذات قبيلة المعماريين. في السياحة في رحاب مثل هذه التوجهات المعمارية الجديدة الجريئة. إذ أنني موقن أن فيها الكثير مما يشكل طوق نجاة للخروج من مأزق توجه الحداثة. الذي أصبح بالنسبة لنا أشبه ببركة طينية موحلة.

البروفيسور مشارك دكتور معماري/ هاشم خليفة محجوب

امدرمان- أكتوبر 2021

Leave a Reply

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d bloggers like this: